قصة الزواج الأول بين الإنسانة والوحش

 

 

قصة الزواج الأول بين الإنسانة والوحش

 

أو:

 

قصة زواج أمنا الإنسانة بأبينا الوحش

 

أسطورة تحاول أن تفلسف كلا من ظاهرتي (العنف) و(الهيمنة الذكورية)

مدخل

هذه القصة عبارة عن أسطورة من وحي الخيال، أو من وحي فلسفةٍ تحاول فهم واقع الصراع التاريخي بين الإنسانية والوحشية على كوكب الأرض من جهة، وفهم إشكالية الثنائية بين الأنوثة والذكورة من جهة أخرى، ثم بحث نوع من علاقة بين العلاقتين؛ أي العلاقة بين الإنسانية والوحشية وبالتالي بين التأنسن والتوحش، والعلاقة بين الأنوثة والذكورة وبالتالي بين التأنُّث والتذكُّر، كما تمثل رؤية تفاؤلية إلى مستقبل الإنسان. هي أسطورة تحاول أن تفلسف إشكاليتين؛ إشكالية العنف في التاريخ الإنساني، وإشكالية هيمنة الذكورة على معظم مفاصل المجتمع الإنساني، في معظم مفاصل تاريخ هذا المجتمع.

حياد الأسطورة دينيا وعلميا

القصة محايدة دينيا وعلميا[1]، ومتجردة حتى عن القناعات الذاتية لكاتبها وتفسيره لمقولات الإسلام - الذي ينتسب إليه ويؤمن به - بشأن المواضيع المطروحة، فالقصة/الأسطورة لا تريد أن تتناول بداية الخلق، ولا أصل الإنسان (الإنثان)، لا على ضوء المقولات الدينية، ولا على ضوء النظريات أو الفرضيات العلمية، ولا على ضوء المزاوجة بين التفسير الديني والتفسير العلمي لبداية الوجود وأصل الإنسان، فهي غير معنية بالمقولة الدارونية الملحدة أو المادية، ولا الدارونية المؤمنة أو الإلهية[2]، ولا بالمقولة الدينية للعهد القديم أو للقرآن أو لأي من الكتب المقدسة الأخرى. وهي غير معنية بمقولة الخطيئة الحوائية الأولى المتبناة يهوديا ومسيحيا، ولا بمقولة المسؤولية المشتركة عن الخطأ الآدمي/الحوائي المشترك النابع من حداثة التجربة المتبناة قرآنيا، رغم وجود مشتركات في بعض مفاصل الأسطورة مع هذه أو تلك المقولة مما ذُكِر. بل هي بكل ما تعنيه الكلمة أسطورة، وإن اختزنت ثمة محاولة لفلسفة الواقع الإنساني بماضيه وحاضره[3]. ومن هنا فإن أوصاف أبينا القديم (الوحش) أو (الوحش/الرجل) لا علاقة لها بصفات أبينا الإنسان الأول الوديع آدم. ومن الممكن أن يكتشف القارئ ثمة تحيّز للمرأة، لا أنكره، لكنه ربما يكون تحيزا فلسفيا وليس تحيزا واقعيا، أو هو ناتج عن الميل الفطري للإنسان تجاه الجمال المتجلي في المرأة أكثر مما هو في الرجل، أو الانجذاب إلى دفء العاطفة الإنسانية، وإلى نعومة الملمس والصوت والسلوك؛ المتمثل كله في المرأة أكثر مما هو في الرجل.

عنوان الأسطورة

اخترت لأسطورتي بعد تأمل عنوان «قصة الزواج الأول بين الإنسانة والوحش»، وكنت أتمنى أن أجعل العنوان «قصة زواج أمنا الإنسانة وأبينا الوحش»، لولا خشيتي من حصول سوء فهم، وربط كل من الأم الأولى والأب الأول لهذه الأسطورة، بالأم الأولى والأب الأول للرواية الدينية للعهدين القديم والجديد وللقرآن الكريم، وبالتالي ربط الوحش والمعاذ بالله بآدم عليه السلام، لذا أعرضت عن هذا العنوان، هربا من سهام التكفير.

بداية القصة

قبل ما يقارب المئة ألف سنة قبل الميلاد، كان هناك مجتمعان متصارعان، مجتمع الإنسان العاقل المتحضر الوديع، ومجتمع الوحش، أي ذلك المخلوق الذي هو أشبه ما يكون بقرد وحشي أحمق متخلف عنيف. وكان المضطرون للقتال الدفاعي عن مجتمع الإنسان الذكور منهم، وكانت المقاتلات من مجتمع القرد الوحشي الإناث منهم. وكان القتال متكافئا، فالوحوش كانوا يستمدون قوتهم من مدى وحشيتهم وقوة عضلاتهم، بينما كان الأناس يستمدون قوتهم من فرط ذكائهم وحسن تخطيطهم رغم ضعف عضلاتهم، وطبيعتهم المتسمة بالرقة والنعومة. ثم إذا كان تناقص أعداد الوحوش أشد بسبب أن من يقاتل هن النساء، وبالتالي من يُقتَل هن الأمهات حاملات الأجنة في أرحامهن، فتُقتَل الأجنة بقتل ذوات الأرحام الحاملات لها، فإن معادلة التناقص على الجانبين تتوازن ثانية هنا بحكم عدم تورع الوحشيات عن قتل بريئات الإناث والأطفال والشيوخ من غير المقاتلين وأسرى الذكور المقاتلين، بينما يُوقِف المقاتلين دفاعا من مجتمع الإنسان عن قتل البريء والأسيرة والفارّة من القتال تورعهم عن مثل ذلك، وتحليهم بأسمى المثل الأخلاقية، وبالرحمة التي يستشعرونها حتى تجاه عدوّاتهم الشرسات وأعدائهم من الوحشيات والوحوش. وبالتالي فتارة كان يربح المعركة الذكاء الإنساني وحسن تخطيط الإنسان وقدرته على المناورة، وأخرى تربحها القسوة الوحشية والعنف اللامتناهي للوحش. وفي الواقع لم يكن هناك رابح حقيقي، بل كان كلا الطرفين، أي كل من المجتمعين أو النوعين الإنساني والوحشي هما الخاسرين. فهذا التكافؤ أدى إلى ألا يكون هناك رابح وخاسر على طول الخط وبشكل دائم، بل كان كل من الربح والخسارة يتناوبان على كل من الجبهتين، لما كانت طاحونة الحرب تؤدي به إلى عمليات إبادة رهيبة. حتى تناقصت أعداد الأناس الذكور من جهة، وأعداد الوحشيات الإناث من جهة أخرى.

تعدد الزوجات وتعدد الأزواج

هذا التناقص أحادي الجنس المتعاكس في كل من النوعين الإنساني والوحشي اضطر المجتمع الإنساني أن يبيح لذكوره المطرد تناقصهم تعدد الزوجات من إناثه، بينما حصل ذلك لدى المجتمع الوحشي بشكل تلقائي، ومن غير حاجة لتشريع أو قرار، لأن الممارسات الجنسية كانت أساسا غير منظمة، بحيث هناك ذكورٌ متعددو الزوجات، وإناثٌ متعددة الأزواج، وعلاقات بين ذكور وذكور، وممارسات جنسية للجنسين مع أنواع أخرى من الحيوانات، وحالات اغتصاب ذكور الوحوش لإناث الإنسان، واغتصاب إناث الوحوش لصغار ذكور الوحش من جهة ولذكور الإنسان من جهة أخرى، واعتداء جنسي على أطفال الإنسان وعلى أطفالهم هم، بل واختلاط بين الزيجات، وإلى غير ذلك من الفوضى الجنسية والعنف الجنسي. من هنا لم تأت ظاهرة تعدد الأزواج لإناث الوحوش كقرار أو تشريع جديد طارئ، بقدر ما كان حاصل تحصيل، وامتدادا لممارسة قائمة أصلا في مجتمع الوحوش، كل ما في الأمر إنه قد غدا شيوعها وانتشارها أوسع من ذي قبل، بعد تناقص الذكور في المجتمع الوحشي بسبب الحروب[4]. ثم مع الوقت ظهرت ظاهرة العزوبية بشكل واضح لأعداد بقيت تتزايد باطِّراد في وسط كل من إناث المجتمع الإنساني، ومن ذكور المجتمع الوحشي، إضافة إلى ظهور ظاهرة الزواج المثلي في كل من المجتمعين، كتلبية للحاجة الجنسية فقط، دون تلبية لحاجة التكاثر، الذي شرط بقاء النوع.

بحث لغوي في المصطلحات

قبل المباشرة بالبحث اللغوي لا بد من الإشارة بأن في هذا البحث، هناك ما يمثل حقيقة لغوية، ومنه ما يمثل تحليلا لغويا أؤمن به شخصيا، ومنه ما هو محض اختلاق لا واقع له، من أجل دعم مقولات هذه الأسطورة.

العلاقة اللغوية بين الإنسانة والأنثى والنساء والآنسة والأنس

أما ما تراه الأسطورة في بحثها اللغوي هو أن مصطلحَي الأنثى والذكر، واشتقاقاتهما كالأنوثة والذكورة، والمؤنث والمذكر، وغيرها ظهرت في عصر انقراض ذكور الإنسان وإناث الوحش. حيث كان لنوع الإنسان ثلاث تسميات، بين الأولى والثانية ثمة تشابه، حيث كان جذر التسمية الأولى (ء ن س) أو (و ن س)، وجذر الثانية (ء ن ث) أو (و ن ث)، وهما في الواقع يعبران عن لهجتين لمفردة واحدة. فحسب اللهجتين كان يسمى ذَكَر الإنسان (إِنْس/وِنس) أو (إِنث/وِنث) بكسر الهمزة/الواو، أو (أُنْس/وُنس، أُنث/وُنث) بضم الهمزة، وكلاهما بتسكين السين/الثاء، أو (أَنَس/وَنَس، أَنَث/وَنَث) بفتح كل من الهمزة/الواو والسين/الثاء، أو (آنِس/وانِس، آنِث/وانِث). بينما كانت تسمى أنثى الإنسان (أُنسى/وُنسى، أُنثى/وُنثى) بضم الهمزة/الواو وبالألف المقصورة، أو (إِنسة/وِنسَة[5]، إِنثة/وِنثَة) بكسر الهمزة/الواو وبالتاء المربوطة، أو (نَسَة/نَثـَة) أو (نِسَة/نِثة) بحذف الهمزة/الواو وفتح أو كسر النون، والذي اشتُقّ منه جمعه (نِساء/نِثاء) و(نِسوة/نِثوة) و(نِسوان/نِثوان) و(نَساوين/نثاوين)، وكذلك جمع المؤنث السالم المنقرض (نِسات/نِثات)، أو (آنِسَة/وانِثَة، آنِثة/وانِثَة) وجمعها (آنِسَات/وانِثَات، آنِثات/وانِثَات). والجمع للجنسين هو (أُناس/أُناث) و(إِناس/إِناث) و(ناس/ناث) و(أَناسي/أَناثي) و(أَناسين/أَناثين)، كما كان هناك أيضا حسب بعض اللهجات لفظ (نِسيَة/نِثيَة).

التناوب بين الهمزة والواو وبين السين والثاء

كانت للأناس إذن تسميتان، أو لنقل مجموعتان من التسميات من جذرين؛ الجذر الأول (ء ن س) أو (و ن س)، أو (ء ن ث) أو (و ن ث)[6]، وكان الثابت منه هو عينه أو أوسطه أي النون، بينما تراوح الأول بين الهمز واللين أي الواو، وتراوح آخره بين سين الإنسان وثاء الأنثى. والجذر الثاني هو (م ر ء) أو (م ر و). فهناك تسمية (إِنس/إِنث، أُنس/أُنث، أَنَس/أَنَث)، أو (وِنس/وِنث، وُنس/وُنث، وَنَس/وَنَث)، ومؤنثها (إِنسة/إِنثة، أُنسة/أُنثة، أَنَسة/أَنَثة)، أو (وِنسة/وِنسة، وُنسة/وُنسة، وَنَسة/وَنَثة)، أو (نَسة)[7] وجمعها (نساء، نسات، إنسات) ومثلهن بالثاء. والتسمية الثانية (مَرء) أو (مَرْو)، أو (اِمرُؤ، اِمرَأ ،اِمرِئ) أو (اِمرو، اِمرا، اِمري) المعرب كإعراب الأسماء الخمسة، وجمعه (أَمْراء، مَرؤون)، ومؤنثها (مَرأَة) أو (مَروَة)، أو (اِمرَأَة) أو (اِمرَوَة)، وجمعها (مَرْآت، اِمرَآت، مَرايا).

الذكـَر بين الذِكرى والتذكير

ويُروى أنه سمي الذكر ذَكَرا لأحد سببين أو لكلاهما؛ الأول لأنه وبعد التزاوج بين إناث الإنسان وذكور الوحش كان دائما بحاجة إلى تذكير من قبل الأنثى الإنسانة بالمُثُل السامية. أما التفسير الثاني، فلكون ذَكَر الإنسان المنقرض عبر حروب مجتمع الوحوش ضد مجتمع الأناس بقي مذكورا في ذاكرة امتداده النوعي، أي الأنثى بعد انقراضه، لتضحياته في الدفاع عن النوع الإنساني/الإنثاني.

عنصرية النوع الوحشي وأصل تسمية البَشَر وآدم

كانت البَشَرة عند الوحوش مخفية وراء شعر كثيف جدا، وكانوا يرون في ذلك ميزة جمالية يتفاخرون بها، وبالتالي كانوا يمارسون التمييز العنصري تجاه الإنسان، حيث كانوا يعيّرونه بتسميته «مكشوف البشرة»، أو «عاري البشرة»، أو «مُسفِر البشرة»، أو «المُبْشِر»، ثم استخدمت تسمية «البَشَر»، للمفرد والجمع، وللأنثى والذكر على حد سواء. ولكون الإنسان البَشَر هو الذي يحمل كل المعاني الجميلة مقابل خصمه الوحش، اشتُقَّت ألفاظ البُشرى والبَشارة والبُشْر والتبشير من اسمه.

آدم: تسمية تعيير أم افتخار

وكذلك دعت الوحوشَ عنصريتُهم أن يُسموا ذَكَرَ الإنسان بآدم، كونه مخلوقا من أديم الأرض، بالرغم من أن كلاهما إنما هما مخلوقان من الأرض، ولكن عنصرية الوحوش جعلتهم يؤلفون خرافة يدّعون من خلالها أنهم مخلوقون من مادة أرقى من الأرض. أما الإنسان فبالعكس كان يعتز بتسمية «آدم»، لأنه لا يعاني من عقدة نقص، ولا يؤمن أصلا بالعنصرية، ولأنه كان يعتبر انتسابه إلى أمه الأرض سببا للاعتزاز والافتخار، وليس للاستنكاف والاستحياء والشعور بالنقص. أما لماذا اختص ذَكَر الإنسان بهذه التسمية دون أنثاه، فلأن هذه التسمية ظهرت في بداية محاولات التزاوج بين إناث الإنسان وذكور الوحش، أي بعد انقراض ذكور الإنسان، وطبعا أيضا إناث الوحش، حيث عندما كانت أنثى الإنسان تَذكُر ذَكَر الإنسان المنقرض بخير، كان يَغِير الوحش (الزوج البديل) من ذِكْرها له، فيحاول أن ينتقص من قيمته بتعييره، بأنه لم يكن إلا آدميا، أي أرضيا أو ترابيا أو طينيا، بحسب مُسمَّيات التعيير العنصري التي كان يستخدمها الرجل الوحش المتخلف.

«حواء» لأنها سر الحياة وأصل الحياء

أما تسمية «حوّاء» المشتقة من «الحياة»، فلأن أنثى الإنسان هي التي حفظت للإنسانية حياتها وبقاءها وامتدادها، وجودا ماديا فيزيائيا، وقيميا معنويا على حد سواء، وبقيت تحمل هذا الاسم المشتق من «الحياة»، لأنها بقيت هي التي تمثل القيمة الحقيقية لمعنى الحياة الإنسانية، وفي نفس الوقت اشتقاقا من «الحياء»، لأنها بعد انقراض ذكور الإنسان تحمل كل المعاني الجميلة، وتستحيي من تلوّثها من جراء التزاوج مع ذكور الوحوش، وذلك عندما تُضطَرّ إلى سلوك بعض سلوكيات زوجها الرجل ذي الأصول الوحشية. ثم المرأة أو حواء هي التي دعاها حياؤها لسنّ سُنّة ستر الجسد باللباس وحجبه عن النظر، بينما كانت الذكور ولزمن طويل يُصرون على التعرّي، عملاً بسيرةِ آبائهم الوحوش.

المروة والصفا

أما «المَروَة» و«الصَّفا»، اللذان يمثلان اسمين مرادفين لـ «حواء» و«آدم»، أو «الإنسة/ الإِنثة» و«الإنس/الإِنث»، فبالنسبة للفظ «المَروَة» فواضح معناه، فـ «المروة» هي «المرأة»، و«الإنسة» أي الإنسانة، و«الإِنثة» أي الأُنثى،، اشتقاقا من «المُروءة»، أو «المُرُوّة»، أو «الإِنسانية» أو «الإِنثانية»، و«الأُنوثة» أو «الأُنوسة». وأما «الصفا» فسُمِّي به الرجل الأول الذي شُرِّف بشرف الضمير والتكليف والمسؤولية، ذلك لأنه يُمثّل صفوة العُصارة من سُلالة التكاثر بين الإناث الإنسية والذكور الوحشية، عندما اكتملت نسبيا مراحل تَأنسُنه بالحد الأدنى، والذي يعتبر الأب المباشر للسلالة الإنسانية في عصر التاريخ، أو عصر الحضارات والنبوات.

«الرجل» الوحش

أما الوحش فسُمِّي في فترة متقدمة من تطوره بـ «الراجِل»، أو «الرَّجُل»، أو «الرَّجَل»، أو «الرَّجِل»، أو «الرَّجّال»، وذلك عندما بدأ يتحول من المشي على أربع إلى المشي على رجليه[8]، وهذا كان في المراحل الأخيرة قبل انقراض إناثه، وبدء عصر تشريع التزاوج بين إناث الإنسان وذكور الوحوش.

من ملامح النوع الإنساني

مجتمع الإنسان كان مجتمع الحب والعفو والتسامح والتعاون والرفق والرقة والطيبة والصدق والعطاء والوفاء والإيثار، وكل المُثُل الأخلاقية المتعالية، والتي كانت معروفة بمُثُل الإنسان، وكان أفراده يتميزون بالعقلانية والحكمة والذكاء والخلاقية والإبداع والذوق الرفيع، مما جعلهم يملؤون حياتهم بكل معاني الجمال المادي والمعنوي، وكان الحب أساس العلاقة فيما بين بعضهم البعض، وما بينهم والطبيعة والكون، وكان من شعاراتهم أن الله محبة، والإنسان محبة، والطبيعة محبة، ولم يعرفوا الكذب والخيانة والحقد والعنف في حياتهم، قبل أن يُكِّدر عليهم مجتمع الوحوش صَفْو حياتهم. كانوا يعطفون على الحيوان، ويحفظون النبات وكل مفردات الطبيعة من التلف والخَبَث والتلوُّث، يُسبِّحون الله بتذوُّق جمال ما خلق، والاستمتاع والتلذُّذ بكل آيات الجمال في أنفسهم وفي سائر مخلوقات الله وفي الطبيعة والكون، وباستشعارهم الشكر والامتنان لما أنعم الله عليهم منها، وبمنحهم الإحساس بهذا الجمال. وكانت الحياة الجنسية حرة من غير عقد أو تعقيدات، ولكنها كانت منظَّمة بنظام أخلاقي، من غير وجود عقود زواج لا تحريرية ولا شفهية، بل هي شيء وسط بين علاقة الصداقة بين الجنسين في المجتمعات الغربية اليوم، وبين عقود الزواج الدينية، فمن حيث الإجراء كانت كصداقة الجنسين الحديثة في الغرب، ومن حيث الالتزامات كالزواج الشرعي أو حتى كعلاقات الصداقة الملتزمة، وكان يجري الافتراق من غير الحاجة إلى صيغ خاصة للطلاق بالتفاهم والتعقل من غير تحاقد وتباغض، وسرعان ما كان الطرف المتأذي من الفراق، يداوي جرحه بحب جديد وعلاقة جديدة. وظهرت العلاقة الجنسية المثلية لأول مرة بين إناث النوع الإنساني بعد انقراض الذكور، تلبية للحاجة الجنسية بعد الفراغ الحاصل من انعدام الذكور. ولم يعرف الإنسان حينئذ أكل اللحوم، بل كان يتغذى على النبات، وإنما انتقلت إليه بالتدريج عادة أكل اللحوم بعد تزاوجه، أي تزاوج إناثه بعد انقراض ذكوره مع ذكور الوحوش، وتكوُّن النوع الإنساني/الوحشي المختلط، مما أدى إلى تعوده التدريجي على ذلك، وأحيانا من جراء إكراه ذكور الوحش لإناث الإنس على تقليدهم في كل عاداتهم، هذا تارة، وتارة أخرى بسبب انتقال الجينات الوحشية تدريجيا إلى النوع الإنساني. وكان شعار المجتمع الإنساني نجمة خماسية ترمز إلى المُثُل العليا الخمسة «العقل العدل الصدق الحب الجمال»، بينما كان «الله» يتخذ موقعه في مركز نجمتهم الخماسية. ولم يكن يهمهم ترتيب عناصر النجمة الخمسة، أيُّها يتقدم وأيُّها يتأخر، ولذا جعلوا نجمتهم تدور، ليكون الترتيب تارة كما مر أعلاه، وتارة «العدل الصدق الحب الجمال العقل»، وتارة «الصدق الحب الجمال العقل العدل»، وتارة «الحب الجمال العقل العدل الصدق»، وتارة خامسة «الجمال العقل العدل الصدق الحب». وأحيانا كان يجري التركيز على ثلاثة من العناصر الخمسة، ويسمونها بالعناصر الأساسية أو الأولية، وهي «العقل الحب الجمال»، لأن الصدق والعدل يكونان نتيجة حتمية لتلك العناصر الأساسية. كان المجتمع الإنسي، قبل تلوُّثه بأمراض المجتمع الوحشي، مجتمعا متحضرا ديمقراطيا تسوده الرحمة والرفق والمدنية والحضارة والعقلانية والمعرفة.

من ملامح النوعي الوحشي

وكان مجتمع الوحوش بعكسه مجتمع الكراهة والعنف والجهل والفوضى والأُميّة والهمجية، وكان الوحوش لا يتغذون إلا على اللحوم وبشراهة تتقزز منها حتى سائر الحيوانات، وكانوا ذكورا وإناثا يفترسون الأناس إناثا وذكورا، وكان ذكور الوحوش يغتصبون إناث وأطفال الإنسان، كما كانوا يغتصبون أطفالهم هم، كما مر ذكره. ومن صفاتهم البارزة كانت القسوة والعنف والاستبداد والتعسف والتخلف والوحشية بكل معانيها، تجاه بعضهم البعض، وبشكل أعنف تجاه الأجناس الأخرى، وفي مقدمة أولئك الجنس الإنساني الذي كانوا يحملون تجاهه الكراهة والبغضاء والحقد والحسد والتعصب العنصري بأعنف درجاتها. وكانت فوضى الحياة الجنسية من الملامح البارزة لمجتمع الوحوش، سواء بين ذكرهم وإناثهم أو بين الذكور والذكور، أو بين نوعهم والنوع الإنساني اغتصابا، وكذلك مع مختلف الدواب، باستثناء العلاقة بين الإناث والإناث فلم تكن معروفة لديهم.

دور الإناث في كل من المجتمعَين

وكانت إناث كل من الأناس والوحوش هن اللاتي يمثلن العنصر الناشط، وبالتالي الأشد إنسانية في النوع الإنساني، والأشد وحشية في النوع الوحشي، من ذكور كل من النوعين.

 

ومن هنا كان مجتمع الأناس يُحكَم من قبل إناثه، بالرغم من أن دستورهم يُبيح مشاركة الجنسَين في إدارة الشؤون السياسية والاجتماعية، فكان الذكور يتمتعون بكامل المساواة مع الإناث. ولكن بسبب أن الذكور كانوا مشغولين بالقتال الدفاعي أمام الحملات الوحشية لجيوش الوحشيات، رأوا أن تتفرغ الإناث للحكم والسياسة والتشريع والقضاء، ليتفرغوا هم للدفاع عن وجود وبقاء الجنس الإنساني.

تقليد تقديم الذكور على الإناث ودعوى أصالة الذكورة

وجاء تقليد تقديم الذكور على الإناث في لغة المجتمع الإنساني آنذاك بقرار دستوري أقرته السلطة التشريعية، وأمضته المحكمة الدستورية، واللتان كانتا متشكلتين من الإناث، مع وجود ممثل واحد للذكور. مع العلم إن الذكور كانوا يتمتعون بحق الانتخاب إلى جانب الإناث وبجميع حقوق المواطنة، ولكنهم كانوا بمحض إرادتهم ينتخبون الإناث، إلا أن هؤلاء أصررن على أن يتمثل الذكور ولو بمقعد واحد في البرلمان والهيئات الأخرى التنفيذية والقضائية. جاء قرار تقديم الذكور على الإناث من قبل برلمان وحكومة الإناث، من أجل ألا يكون هناك ثمة تصور بأن انفراد الإناث - عمليا وليس دستوريا - بالسلطات الثلاث، وإن كان قد جاء بقرار الإناث والذكور، وبأكثرية أصوات الذكور، إنما هو لتمييز جنسي وتفضيل للأنثى على الذكر. ولم يحصل ذلك عند تحول الذكور إلى أقلية بسبب الحروب التي كان يشنها مجتمع الوحوش على مجتمع الأناس، بل هو سابق على ذلك بزمن طويل. أما في المجتمع المختلط بين النوعين الإنسي والوحشي، فاستمر تقديم الجنس المنتسب إلى الوحش أي الذكور على الجنس المنتسب إلى الإنسان أي الإناث، للعقلية التسلطية والتعسفية للذكور، مواصلةً لسيرة آبائهم الوحوش. وما التحول في عصرنا إلى تقديم الإناث على الذكور في الخطاب، إلا بسبب استيقاظ الضمير الباطني لذكور المجتمع المختلط وهو يعيش مخاضات استكمال مراحل تأنسنه، وإدراكه بعقله الباطني المختزن لذاكرة كل ذلك التاريخ بما على ذكور مجتمعنا الإنساني المعاصر من وجوب ردٍّ للجميل من لدن إناثه على مر التاريخ، وتعويض لهن عما جرى عليهن من حيف ذكوري، بسبب استمرار تأثير جينات آبائنا الوحوش، رغم طاقة الأنسنة المخزونة في جينات أمهاتنا الإنسانات، اللاتي بقيت تصارع الجينات الوحشية لآبائنا.

قصة تغير المعادلة

وتغيرت المعادلة بعد انتهاء الحروب بين المجتمعين أو النوعين الإنساني والوحشي بانقراض ذكور الإنسان وإناث الوحوش، عندما تكوّن في وقت لاحق المجتمع المختلَط بين الإنسان والوحش المتأنسن أو المتأدمن أو المتبشرن، أي بين إناث الإنسان وذكور الوحش. حيث بدأت القضية عندما أبادت الحروب كل ذكور المجتمع الإنساني وكل إناث المجتمع الوحشي. عندها وبعد معاناة طويلة وجهود مضنية من قبل إناث المجتمع الإنساني بعقلانيتهن وصبرهن الذي استمد منه الأنبياء والمصلحون صبرهم، وقَّع الطرفان على هدنة غير قابلة للنقض، وإن كان ذلك لم يؤد إلى تخلص الوحش من وحشيته بشكل تام، بل ستأخذ عملية التأنسن حقبات إضافية طويلة وعديدة ومليئة بالدموع والدماء.

البداية

وهنا لا بد من بيان كيف بدأت قصة التزاوج بين المجتمعين والنوعين المتضادَّين خَلقا وخُلُقا، والمتعاديَين لعصور طويلة. فبعدما انقرضت ذكور الإنسان وإناث الوحش، وخوفا من انقراض كل من المجتمعَين، وبعد أن اختلط ذكور الوحوش بإناث الأناس، ابتداءً من أجل افتراسهن أو اغتصابهن، ولكن هذا الاختلاط وبسبب عقلانية وأخلاقية إناث المجتمع الإنساني استطاع أن يحقق بعض النجاح في عقلنة وأنسنة الوحوش، ولو بنسبة ما، إذ إنهم لم يُفلحوا في التخلص كليا من الطبيعة الوحشية، ولكن الحاجة ألجأتهم غالبا للتظاهر بالتعقلن والتأنسن، وأحيانا فعلا بالتأثر بعقلانية وإنسانية أُنثى الإنسان، أو أُنسى الإنثان.

قصة زواج أمنا الإنسانة بأبينا الوحش

وبعد عهود من علاقات غير شرعية أو حالات زواج غير قانوني، وغالبا سري، وكذلك حالات اغتصاب الذكور الوحشية للإناث الإنسية، بدأت ولأول مرة أول تجربة زواج رسمي وقانوني وعلني بين إنسانة ووحش، استطاعت الإنسانة من جرائه أن تؤثر عليه بالمستوى الذي تجعله يقترب ولو قليلا من إنسانيتها، ويبتعد ولو قليلا عن وحشيته، وإن كان في العمق قد بقي وحشا، ولكنها استطاعت أن تتعاطى مع وحشيته بالصبر والعقل ومواصلة التعليم والتربية غير المباشرين، أي من حيث لا يشعر أنها تضخ فيه في كل يوم شحنة جديدة من معرفة وعقلانية، ونفحة إضافية من إنسانية، ومن حيث أنها في كل يوم ومن حيث لا يشعر وبشكل غير مباشر كانت (تَتلو عليهِ آياتِ الله، ومعانيَ العقلِ والحبِّ والجمالِّ، وتُزكّيهِ وتُعلمُّهُ الكتابَ فيما هي القيمةُ الإنسانية والحكمةَ فيما هو السلوكُ الإنساني) وكان ثمن ذلك قبولها بالتبعية له في إطار عقد الزواج، رغم تفوقها الإنساني والعقلي والحضاري عليه.

 

ودُعيت يومَها الإنساتُ (الإنساناتُ أي إناث الإنسان) والوَحشونَ (ذكور الوحش) إلى حفل الزواج الأول بين أُمّنا الإنسانة وأبينا الوحش، من أجل ألا يُباد نوعنا الإنساني، ولكن مع دفع ضريبة كبيرة طول التاريخ، بسبب عدم تحرر الوحوش من وحشيتهم تمام التحرر، مما جعلنا لا نبرأ ولا نتعافى تماما من انتقال جينات وحشية من آبائنا الوحوش، والتي لم تَنجُ منها حتى الكثيرات من أمهاتنا من أجيال بعد الجيل الأول، كما إن آباءنا بدؤوا يرثون بعض جينات الأمومة الإنسانية، أو الإنسانية الأنثوية، التي قد لا تقوى دائما على مواجهة جينات الأبوة الوحشية، أو الوحشية الذكورية.

 

إذن بعض ذكور مجتمع المزاوجة الإنسوحشية قد اكتسبوا صفات أنوثية أمومية إنسانية، وبعض إناث مجتمع المزاوجة الإنسوحشية هذا قد اكتسبن صفات ذكورية أبوية وحشية، وذلك على المستوى الخَلقي والمستوى الخُلقي.

تقييم لقرار الزواج الأول

وهنا يحق لنا أن نسأل، هل كان يا تُرى قرار أمنا الأولى قرارا خاطئا، وكان الأَوْلى أن يؤول كل من النوعين الإنساني والوحشي إلى الانقراض، خيرا من المعاناة الطويلة للإنسانية، التي ما هي إلا إنسوحشية أو وحشئنسية، أي مهما تأنسنت، يبقى الوحش كامنا فيها، وبقيت وحشيته الذكورية لفترات طويلة هي المهيمنة على إنسانيته الأنوثية، وإن كان شيء من إنسانية أمهاتنا قد تسرب هو الآخر إلى آبائنا ليُهذّب وحشيتهم، حتى اكتسب بالتدريج لفظ «الأبوة» معنى إنسانيا مقاربا من معنى «الأمومة» في بعض الأحيان.

 

ولكن - وكما يبدو - يُلحَظ هناك وعلى المدى الطويل تحوّلٌ لكفة غَلَبة الصفات والمَلَكات الإنسانية على الصفات والمَلَكات الوحشية. ولعله يكمن هاهنا الجواب على تساؤل «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء»، ومن هنا نفهم أن قرار أمنا الإنسانة الأولى المتزوجة زواجا شرعيا وقانونيا ومعلَنا بأبينا الوحش الأول على خط محاولات التأنسن، كان القرار الإنساني الأنوثي الصائب، الذي يترجم «سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم»، وإن كنا ما نزال نعيش أوجاع مخاضات الولادة الحقيقية للإنسانية المثلى التي بها ستُملأ الأرض قسطا وعدلا وحبا وعقلانية، بعدما ملئت ظلما وجورا وكراهة وجهالة، يومها لن يكون الإنسان ظلوما ولن يكون جهولا، بل سيحمل الأمانة التي عُرضت «على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، [لكنه فشل أيما فشل في حملها، وخانها أيما خيانة، يوم لم تكتمل بعدُ إنسانيته، يوم لم يتخلص بعدُ من جينات أبيه الوحش، ولذا فـ] إنه كان ظلوما [عندما أضاع إنسانيته ومروءته، وكان] جهولا [عندما أضاع عقلانيته ومعرفيته]». كل ذلك حصل له - حسب أسطورتنا هذه - بفعل جينات الظلم وجينات الجهل التي انتقلت إليه من آبائه ذكور الوحوش، التي طغت ردحا من العصور على جينات العقلانية والمروءة الموروثة من أمهاته إناث الإنس.

صواب قرار أمنا الإنسانة

ومن هنا فإن أمنا الإنسانة لم تتخذ قرارها إلا عن دراسة عميقة ورؤية مستقبلية بعيدة الأمد، لأنها أدركت أن البقاء للأصلح وللأطيب وللأكثر تأنسنا، ولو بعد طول معاناة، وأدركت أن عناصر الإنسانية ستتغلب على عناصر الوحشية ولو بعد مئات من الألفيات السنوية. وهي بصبرها رضيت أن تتحول القيادة إلى الذكور، أي إلى أبناء الوحوش، رغم كل المصائب والويلات، لأنها استطاعت أن تؤنسن وتعقلن الكثير من الذكور، الذين استطاعوا بجهد جهيد أن يتأنسنوا قليلا ويتأنثنوا قليلا، وينمو ويتزايد تأنسنهم تأنثنهم، كآدم أول الذكور المتأنسنين عليه السلام، وبالتالي أول المتقلدين لوسام التكليف والمسؤولية والخلافة في الأرض. ولم تكتفِ أمنا بجعل القيادة السياسية والاجتماعية بيد الرجال، بل تشفَّعت عند الله ليجعل الرسل والأنبياء والأئمة من الذكور، واكتفت الإناث بدور خفي إيثاري، دور جندي الإنسانية المجهول، وهو أن يقمن بتربية هؤلاء الذكور وتأهيلهم لدور الرسالة والنبوة والإمامة والقيادة والريادة. ولكن المحرِّفين كانوا دائما من الذكور، أو أحيانا من الإناث اللاتي غلبت فيهن الجينات الذكورية أي الوحشية على الجينات الأنوثية أي الإنسانية. وبقي النهج التربوي النسوي المريمي الآسيائي البلقيسي الخديجي الفاطمي الزينبي الجانداركي البِنْتُالهُدائي يثمر على مر التاريخ.

 

نعم، صبرت الأنثى (الإنسانة) لقرون وألفيات ومئويات ألفيات، ورضيت الإناث أن يخضعن للذكور، ليخدمنهم، وليلبين غريزتهم الجنسية، حتى لو تحوينت، وليكنَّ جاريات وأَمات ومُغتَصَبات وطاهيات للطعام وخادمات للذكور المتخلفين، بسبب غَلَبة جينات أبيهم الوحش على طبيعتهم. وتألقت الإنسانية بأمثلة رائعة من الذكور الذين تألقوا بدرجة أو أخرى في إنسانيتهم كعيسى، ويحيى، ومحمد، وعلي، والحسين، وبوذا، وسپارتاكوس، وماهاتما غاندي، وجان جاك روسو، وأبراهام لنكولن، ومارتين لوثر كنغ، ومحمد باقر الصدر، ونيلسون مانديلا، وجندي الإنسانية المجهول الكادح بعيدا عن أضواء الشهرة.

التذكير اللغوي لله تعالى عن التوصيف الجنسي

حتى إن الله المُنزَّه عن الذكورة والأنوثة عندما أراد أن يصف نفسه بالأنوثة، آثر - كما هو حال مخلوقاته من الإناث - أن يلبي ويلبين نزعة الَّذكَر التسلطية، فلم يشقَّ طريقه إلى اللغات اسمُ «اللاة» (وأصله: الإلهة)، أي مؤنث «الله» (وأصله الإله)، بل جعل الله - سبحانه وتعالى عن صفتي الذكورة والأنوثة - نفسه المقدسة في إطار التذكير اللغوي، لأن الأنثى لم تكن لتملك عقدة أن ترفض تذكير الله، لأنها أعقل من ذلك، ولكن لأن الذَكَر لم يكن لِيعبدَ الله ويتخذَّه ربا، لو كان قد أُنِّث، لغةً طبعا لا ذاتاً، سبحانه وتعالى عن التذكير والتأنيث، أو عن التذكُّر والتأنُّث، وراحت بعض اللغات كالفارسية والكردية - ولعلها حسناً ما فعلت - تعالج الأزمة من خلال إلغاء المغايرة بين التأنيث والتذكير في اللغة كليا.

مراحل تأنسن آبائنا الوحوش وظاهرة العنصرية

بالرغم من بقاء الذكور أبناء الوحوش يعانون من الثقافة والروح العنصرية، إلا إنهم بدؤوا يدركون تفوُّق الإنسان على الوحش، وبالتالي التفوق النوعي للإناث على الذكور، ومن هنا بدؤوا محاولة التأنسُن وبالتالي التأنُّث بدءً بالمظهر، فكانت المحاولات الأولى لإظهار البشرة بإزالة الشعر، هذا الأمر الذي استخدموا من أجله شتى الوسائل والمواد التي من شأنها استئصال جينات الشعر الموروثة من الوحوش أول الراجلين من أشباه القردة الماشين قبل ذلك على أربع، مما أدى إلى ظهور ظاهرة الصلع عند الذكور، لسوء استخدام وسائل استئصال الشعر. وبالغ البعض في التأنسن أو التأنثن متوهمين أن هذا يمكن أن يشمل حتى تقمص الدور الجنسي للأنثى في تلبية الغريزة الذكورية في إطار ممارساتها في عصر المجتمع الوحشي.

جذور التمييز بسبب العنصر أو الجنس

وعلى ذكر ظهور البشرة عند الأناس البشر، واكتسائها بالشعر عند الوحوش الراجلين، فإن النوع الإنساني الذي كانت بشرته ظاهرة بخلاف النوع الوحشي، كان ذا بشرة متنوعة الألوان، فمنها الأسود أو البني، ومنها الأبيض والأسمر، وذو الحمرة وذو الصفرة، وما هو جامع بين ذا وذا، وكانت كل ألوان بشرة الإنسان تُعَدّ جميلة في معايير الجمال الإنسانية، ولم يكن المجتمع الإنساني يعاني من العنصرية أو يعرف التمييز العنصري بسبب تنوع الألوان. لكن الذكور المنحدرين إلى أصلهم الوحشي، والذين حاولوا أن يتأنسنوا ويتأنثنوا أسسوا للتمييز العنصري. ثم هم ورغم محاولات تأنثنهم وتأنسنهم أسسوا للتمييز الجنسي إلى جانب التمييز العنصري، وأسسوا بدعة ودعوى أفضلية الذكر على الأنثى، كامتداد لدعوى أفضلية الوحش على الإنسان، فادَّعوا في عصور سابقة أفضلية المغطاة بشرته بالشعر على مكشوف البشرة (الإنسان البشري)، ثم عندما بدأت بشرتهم تتكشف، ادَّعوا أفضلية بعضهم على بعض، فادُّعِي من جهة أفضلية الأبيض على الأسود والأسمر، ربما لتميزه لوناً بدرجة أكبر من لون الشعر الأسود الذي كان يغطي جسم أبيهم الوحش، ومن جهة ادّعَوا أفضلية الأسمر على الأبيض، ثم ادّعَوا أصالة الذكورة بالنسبة للنوع الإنساني، حتى راحت بعض اللغات كاللغات الأورپية تشتقّ من لفظ الإنسان لفظا للرجل، بينما ادّعَوا أن المرأة التي هي أصل النوع الإنساني بعد انقراض ذكور الإنسان، ليست إلا جزءً تابعا من الرجل، إذ كانت ضلعا استُلَّ من صدر الرجل، لتكون أنثاه، ولعبته، وخادمته، وتابعته، وأَمَته، وجاريته، وملبية شهواته وغرائزه، ومطيعة أوامره، ومن هنا أصرّت كل لغات المجتمع الإنساني المنحدر إلى التزاوج بين الإنسانة والوحش على تقديم الذكور على الإناث لآلاف السنين.

العنصرية في عصور النوع الناتج عن المزاوجة

فتجلت كل تلك العنصرية في عصور التزاوج الإنسوحشي بعنصرية الرجل الأبيض في عصور، وتخلف الرجل الأسمر في عصور، وبدائية الرجل الأسود والأحمر في عصور. ثم جاءت عهود تفوُّق الرجل الأسمر، وفي مراحل لاحقة تفوُّق الرجل الأبيض، وكذلك الرجل الأصفر مدنيا وإنسانيا. وتعسُّف ذكور النوع الإنسوحشي المنحدرين إلى النوع الوحشي أدى إلى تهميش إناثه المنحدرات من النوع الإنساني، فكانت ظاهرة تخلُّف المرأة التي لم تكن تُمثِّل ظاهرة أصيلة بالنسبة للمرأة الأنثى الإنسانة، بل هي ظاهرة طارئة، ساهمت المرأة في تكريسها، من جرّاء أنها نسيت أصلها وأصالتها الإنسانية في مقابل الرجل الوحش، وصدّقت بخرافة وأكذوبة تخلفها عن الرجل وتبعيتها له، هذا التصديق التدريجي الذي جاء نتيجة عدة عوامل، منها الصبر على الرجل ومعاملته على ضوء قناعاته التعسفية المتخلفة، ومنها استسلامها للأمر الواقع القاسي والضاغط، ومنها ما أصابها من نسيان لجذورها الإنسانية؛ كل ذلك من جرّاء تعسُّف واضطهاد وظلم الرجل - ذي الأصل الوحشي - الشهواني المستبد.

مخاضات الولادة الجديدة

واليوم يعيش العالم مخاضات ولادة وعي إنساني جديد، قائم على أساس المساواة، بعدما كادت ملامح تأنسن الذكور تتكامل، ولكن الوحش ما زال مستيقظا ومنتفضا في سلوكيات العنصر الإنساني من ذكور وإناث من الحاملين والحاملات لجينات آبائهم وآبائهن الوحوش، والغافلين والغافلات عن إنسانية أمهاتهم وأمهاتهن الإنسانات. فالحياة الإنسانية سائرة نحو التأنسن، ونحو الاعتراف الكامل بالمرأة ذات المروءة، الأنثى ذات الأنوثة، والإنسة (مفرد نِسوة) ذات الإنسانية، ونحو اكتساب الرجل المرء (مذكَّر المرأة) مزيدا من مروءة المرأة، وإنسانية النساء، ونعومة الإناث، وذلك عبر اكتشافه المتواصل لمعاني الجمال والكمال لله خالق المرأةِ والمَرء، المَروةِ والصّفا، حواء وآدم، فاطمةَ وعلي، المزاوج بين الإنسانة المُأنسِنة لزوجها والوحش المتأنسن بزوجته ابتداءً، ثم بين الإنسانة والإنسان لاحقا، بين حواء وآدم، عبر اكتشافه المتواصل (أي اكتشاف الإنسان أنثىً وذَكراً) لمعاني الجمال والكمال لله مبدع العاطفة والعقل، لتنثر العاطفة بذور ورود الحب في حقول الحياة، وليبني العقل صرح العقلانية ثابتا في واقع الأرض، شامخا في علياء الكون، فتتشكل من ذي وذا، وبالتزاوج بين دفء ونعومة الأنوثة وموضوعية وقوة الذكورة جمالية الوجود.

الممارسات الجنسية المثلية

في الوقت الذي ترجع فيه الممارسات الجنسية بين الذكور إلى كوناه جزءً من عموم الفوضى الشاملة لحياة مجتمع الوحوش؛ هذه الفوضى التي شملت فيما شملت الحياة الجنسية، وإن كانت الظاهرة قد تجذرت وأخذت سعة أكثر انتشارا في حقبة انقراض إناث الوحش، نجد أن العلاقات الجنسية المثلية بين الإناث ترجع إلى عاملين أساسيين؛ الأول هو إنها ظهرت كممارسة جنسية بديلة بعد انقراض ذكور الإنسان، والثاني هو تعويض المرأة في حقبات المجتمع الإنسوحشي المختلط عن الرقة والنعومة التي افتقدتها في ذكور هذا المجتمع، الذين ورثوا من آبائهم الوحوش العنف على جميع الأصعدة، ومنها على صعيد الحياة الجنسية، لذا بحثت عن الرقة المفتقَدة في الحياة الجنسية لدى بنات جنسها.

ملاحظات حول ما ورد بشأن اللغة والاشتقاقات

القصة/الأسطورة انتهت مع نهاية المقطع الأخير، وهنا إضافة هي عبارة عن ملاحظات لغوية، فقط لمن له اهتمام بذلك.

 

ذُكِرَت مجموعة تفسيرات للمفردات، وجذر كل منها والعلاقة فيما بينها، وسبب إطلاق هذه أو تلك التسمية. بعض مما ذكر هو مجرد اختلاق، وافتراض ليس على نحو الجد، بل من قبيل دعم فلسفة القصة، ومنه ما هو افتراض أيضا، ولكن لا يخلو من احتمال أن يكون صادقا بحسب تحليلي على ضوء مبانيَّ اللغوية، ومنه ما له من تأييد من قبل بعض الباحثين في علم اللغة وفقهاء اللغة، مع إضافات مني من أجل ربط البحث بالأسطورة والفلسفة التي تكمن من ورائها، ومنه ما هو صحيح ومؤيَّد.

 

فالعلاقة بين الجذرين (ء ن س) للإنسان، و(ء ن ث) للأنثى، وكونهما لفظا واحدا بالأصل إنما جاءا بلهجتين، هو مجرد اختلاق وافتراض لدعم فلسفة الأسطورة وإيحاءاتها، لا أكثر، وإن كنت لا أستبعد وجود ثمة علاقة.

 

أما العلاقة بين «الذَكَر» و(الذِكْر)، فهي صحيحة من حيث المبدأ، فمن غير شك أن الجذر واحد، ولا بد بالتالي من ثمة علاقة، أما ما ذُكِر في هذه القصة/الأسطورة فمجرد افتراض أو اختلاق تأييدا لفلسفة الأسطورة، أما المعنى الأصلي فلربما - وهذا تحليلي الواقعي - هو لأن الناس كانوا يُنسَبون إلى آبائهم، على أقل تقدير عند العرب وكذلك عند شعوب أخرى عديدة، مما يجعل ذِكْر الرجال أي الآباء دون النساء أي الأمهات ممتدا في ذريتهم من بعدهم.

 

أما علاقة «البَشَر» بمعنى أنه (مكشوف البشرة)، فهو احتمال راجح فعلا، كما أنه من المحتمل أن تكون هناك علاقة بين «البَشَر» و(البُشرى) و(البَشارة) و(البُشر) و(التبشير) من اسمه، فمن خصوصيات الإنسان كونه يعبر عن انشراح سرائره بالابتسام والضحك، وبعضهم وصف الإنسان بأن حيوان ضاحك.

 

وكون تسمية «حوّاء» مُشتَقَّة من «الحياة»، أو من «الحياء»، وثمة علاقة بين اللفظين، فأمر وارد أيضا، وهناك ما ومن يؤيد هذا المعنى على ما أتذكر. وأقول "على ما أتذكر" لعدم توفر الوقت للرجوع إلى مصادر بهذا الشأن.

 

وكذلك العلاقة بين «المَروَة» و«المرأة» فهي علاقة صحيحة، وأنا أؤمن فعلا بتحليلي فيما يتعلق بالعلاقة بين «المرء» ومؤنثه «المرأة» وبين «المُروءة»، أو «المُرُوّة»، أي «الإنسانية».

 

كذلك فيما يتعلق بـ «الصفا» أو «الصفاء» بالهمزة، فهناك فعلا رواية بأنه اسم آخر لآدم، باعتباره صفيّ الله أو صَفوة الله، أما بقية التفسير فهو مني، ومجرد افتراض تأييدا لفلسفة الأسطورة.

 

أما كون «الرَّجُل» قد سُمِّي كذلك بمعنى «الراجِل»، أي الماشي على رجليه، فله ما يؤيده، وبقية التحليل فهو افتراض كذلك لتأييد فلسفة الأسطورة.

 

وهناك بحث صحيح ولي رأي خاص به، وهو العلاقة بين المهموز والمَلِيْن، ليس هنا محل تفصيله، ولكن باختصار فإن كل المفردات العربية التي تُهمَز تارةً وتُليَّن أخرى إنما كانت بالأصل لمعنىً واحد، باستثناء المشتركات اللفظية، ولكن مع الوقت نجد هناك أربعة أقسام من حالات الهمز وما يقابلها من اللين؛ حالة بقي فيها استخدام اللفظين مستعمَلا ولنفس المعنى كـ «تاريخ» و«تأريخ»، وحالة ثانية غلب وشاع فيها الهمز تارة وغلب وشاع اللين تارة أخرى كـ «بدأ، يبدأ» «دعا، يدعو»، وحالة ثالثة اندثر فيها استخدام أحدهما، أي أما المهموز، وأما الملين، بحيث أصبح استخدامه غير مألوف، وحالة رابعة افترق فيها اللفظان باتجاهين، بحيث غدا كل منهما يُستَخدَم لمعنى على نحو التبادر الذهني الفوري، غير معنى الآخر كـ «بدأ، يبدأ، بَدْءً» و«بدا، يبدو، بَدْواً» بالرغم من وحدة الأصل. وفي الشرح اللغوي أشرت إلى وحدة الهمز واللين في «مرأة» و«مروة»، و«إنس» و«ونس»، و«حياء» و«حياة» - وأصلها «حَيْوَة» -، و«صفاء» و«صفا».

 

11/12/2006

روجعت لآخر مرة في 23/12/2006 ثم في 16/01/2007

 


 

[1] ولو إن لي رأيا وفهما لكل من مقولات الدين والعلم والفلسفة، إلا أني أغض الطرف عن ذلك الفهم الذاتي تارة، أو أشير إليه في الهوامش، أو إنه يفرض نفسه فيتسرب من ثنايا السطور والكلمات.

[2] فليس هناك تلازم بين الإيمان بنظرية التطور لدارون والإلحاد، لأننا مع التسليم بنظرية التطور هذه، يبقى الله بالنسبة للإلهيين بقطع النظر عن المقولات الدينية، هو العلة الأولى، وخالق كل العلل والمعولات وخالق قانون التطور وعلله ومودع قابلية المخلوقات للتطور وفق هذا القانون وعلله. ثم لا يجب أن يكون تناقض بين المقولة الدينية بكون آدم وحواء أول إنسانيين وحقيقة وجود النوع الإنساني، أو الإنسان الفسيولوجي بملايين السنين قبل آدم وحواء. وكون آدم وحواء مخلوقين من تراب وماء، يمكن أن يكون المقصود به آدم النوعي وحواء النوعية، وليس بالضرورة آدم وحواء الشخصان.

[3] وهناك بعض الفوارق بين التصوير القرآني وتصوير العهدين القديم والحديث، وذلك أن القرآن لا يتكلم عن كون حواء قد خلقت من ضلع آدم، ولا كونها صاحبة الخطيئة الأولى، بل عن خطأ آدمي- حوائي يشتركان في تحمل مسؤوليته، بل القرآن يحدثنا عن معاتبة الله تارة لكلاهما على حد سواء، وتارة لآدم على وجه الخصوص.

[4] هذا لا يعني أن تشريع تعدد الزوجات هو بالضرورة تشريع غير إنساني، ولسنا بصدد مناقشة هذا الموضوع، فمحله غير هذه الأسطورة.

[5] انظر إلى كلمة (ونسة) باللهجة العراقية.

[6] انظر إلى لفظ الثاء سينا ببعض اللهجات كالمصرية والشامية (السورية واللبنانية)، وإن كنت لا أفترض هذه العلاقة بشكل جدي هنا.

[7] هذا مما لا أستبعده، أي أن تكون كلمة (نـَسة) مفردا لـ (نساء).

[8] هنا تطفح ثمة دارونيات، بقطع النظر عن الموقف من نظرية دارون.

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::