يوم الخميس 08/05/2008 أقام معهد ڠـُِوته (Goethe-Institut) في فرانكفورت أمسية حول الثقافة والفن في العراق، بالتعاون مع فضائيتي 3SAT (دراي زات) و ZDF (تست دي أف) حول الثقافة في العراق عرضت فيه لوحات لأربعة فنانين عراقيين هم محمد القاسم وستار درويش جاسم وهادي ماهود ومؤيد خالد جودة. كما كان ضمن الأمسية عرض جميل جدا نال إعجاب الحاضرين لفيلم وثائقي عن واقع العراق بكل مآسيه، للفنان العراقي الشاب سعد ياسين الذي كان حاضرا، والذي يقيم الآن في مدينة ماينتس الألمانية (Mainz)، حيث يواصل دراسته الأكاديمية للحصول على ماجستير في السينما، بعدما كان أكمل البكلوريوس في العراق.
كما كان ضمن المدعوين المفكر العراقي المعروف ضياء الشكرجي، إذ ارتجل كلمة باللغة الألمانية حول الثقافة عموما، والفن خصوصا في العراق في الظرف الراهن، وذلك منظرا إليها من زاوية فهم لسياسي ومفكر، نالت استحسانا كبيرا من الحاضرين، وهذه ترجمة للكلمة المشار إليها.
الثقافة في العراق – ضياء الشكرجي
- الثقافة
- الإبداع
- الحرية
- السياسة
- الدين
بين هذه العناصر الخمسة ثمة علاقة وثيقة، وثمة تأثير متبادل بين أحدها والآخر، سواء على النحو الإيجابي، أو على النحو السلبي.
الثقافة لا تكون ثقافة حية، ما لم يكن هناك إبداع وخلاقية. ومن أجل أن تكون الثقافة مبدعة وخلاقة تحتاج إلى حرية لا يحدها شيء على الإطلاق؛ أؤكد لا يحدها شيء على الإطلاق. ولكن الحرية المطلقة وغير المقيدة هذه التي أعنيها، لا يجب أن تفهم أبدا على أنها حرية غير مسؤولة. ولكن في نفس الوقت يجب أن ندرك أن الحرية المسؤولة لا يجوز تأويلها بأي حال من الأحوال إلى معنى الحرية الموجهة. فالمسؤولية تنبع من الداخل، بينما التوجيه والرقابة فعل يأتي من الخارج بصورة من صور الإملاء، والذي يعني الديكتاتورية، سواء الديكتاتورية السياسية، أو الديكتاتورية الدينية.
الحرية تتأثر غالبا بالسياسة، وتـُقرَّر من قبلها، ولكن وبدرجة أكبر تتأثر الحرية بالدين وتـُقرَّر من قبله.
من أجل أن نبقي كلامنا ابتداء في إطار السياسة فيما يتعلق الأمر بعلاقتها بالثقافة، أقول إن السياسة والثقافة كما هو معروف تؤثر إحداهما بالأخرى، فالسياسة الجيدة تؤثر في الثقافة إيجابيا، والثقافة الجيدة تؤثر في السياسة إيجابيا، والعكس بالعكس، ولكن الذي يُتمَنـّى في عملية التأثير المتبادل بالمعنى الإيجابي، هو ألا بد من أن تكون اليد الطولى للثقافة، وليس للسياسة.
الذي يحدث اليوم في العراق فيما يتعلق الأمر بالمشهد الثقافي، هو أن الثقافة باتت ضحية السياسة السيئة، والسياسة إنما كانت سيئة وخاطئة بسبب أن التطرف الديني غدا هو المؤثر فيها والحاكم عليها والموجه لها، وبسبب أن الدين قد جرى تسييسه بأشد ما يكون عليه التسييس.
ومن هنا فإن الثقافة في العراق - كي لا أقول الثقافة العراقية - ومن أجل أن تكون كما في فترات من ماضيها المشرق مبدعة وخلاقة، تحتاج إلى ديمقراطية علمانية ليبرالية.
ولذا فنحن السياسيون والمثقفون الديمقراطيون العلمانيون الليبراليون، نناضل من أجل أن يكون العراق دولة علمانية، يسود فيها دستور لا يسمح بقيام أحزاب سياسية قائمة على أساس ديني. ولكن لغاية تحقيق هذا الهدف أمامنا طريق شاق جدا وطويل جدا، وقد يطول أكثر مما نتمنى، ومن هنا لا بد من القيام بخطوات آنية لغاية بلوغ ذلك الهدف البعيد، وأهم خطوة هي أن نتشكل في ائتلاف عريض ومتين، أملا في أن يكون ذلك عاملا لإحداث تغيير في المعادلة السياسية بأي درجة كانت، ولو بالتدريج، لصالح القوى الديمقراطية العلمانية الليبرالية. ولكن هذا بدوره لا يتحقق إلا بالتحلي بأقصى درجة من الإيثار، إن على صعيد الأشخاص أو على صعيد الأحزاب. وإلا فإلـَّم نـَع ِ مسؤوليتنا التاريخية هذه، فنوفر شروط تشكيل هذا الائتلاف، وبالتالي نكون قد فوتنا الفرصة من جديد، نكون قد ارتكبنا خطيئة تاريخية، ربما لن تغفرها لنا الأجيال المقبلة، بحيث لا تكون خطيئتنا أقل من خطيئة قوى تطرف الإسلام السياسي.
وكلمة أخيرة عن الثقافة والحرية، أقول إذا أردنا أن نحقق حرية الثقافة، لا بد لنا من اعتماد ثقافة الحرية.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::