دعوة لعتق العقل من اسر المقدس الموهوم

العقل هو الطاقة الخلاقة المبدعة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الإنسان، ليتمثل خالقية وإبداع الخالق المبدع تقدست محامده.

والتفكير هو أرقى أنواع النشط الإنساني لأنه عروج إلى آفاق المعرفة، واكتشاف متجدد للمعارف، لتكون كل معرفة كاشفة عن معرفة أخرى، وليركب الإنسان بعقله أداة إبداعه من المعارف منظومة معرفية تتحرك أبدا باتجاهين؛ بالاتجاه الأفقي سعة، وبالاتجاه العمودي عمقا، مُستفَزّا أبدا من نداء الحقيقة المنطلقة من لدن نفس العقل الإنساني أن يا أيها الإنسان مهما بلغت سعة وعمقا في معارفك فإنك ما أوتيت من المعرفة إلا قليلا، هذا الذي ورد مضمونه في القرآن بعبارة «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا»، لتكون هذه الصرخة الاستفزازية باعثة أبدا إلى شوق متجدد متنام نحو معرفة جديدة.

وواحد من أرقى الأنشطة المعرفية للعقل الإنساني كان ذلك البحث عما وراء المحسوس، محاولا أن يخرق حجب المحسوسات إلى عالم الغيب الكامن وراءها، ليستجلي الحقيقة المطلقة والمعرفة الكاملة، المتمثلة في العلة الأولى للوجود، لخالق الإنسان والعقل والمعرفة. ومن هناك جاءت الدعوات الدينية أو الإيمانية الفلسفية إلى الارتباط بذلك المطلق، كي لا يتحول عالم المحسوسات إلى ثمة أغلال تحول دون حركة العقل باتجاه الاكتشاف المتجدد والمتنامي والعارج إلى آفاق الحقيقة الكاملة، دون الإغفال عن حقيقة أن عالم المحسوسات نفسه عالم يبعث على قلق البحث استزادة من ينبوع العلم الذي لا ينضب، بل بالإقرار بأن معظم معارف الإنسان هي تلك التي استمدها من التجربة، والتي هي الأخرى لا تنستغني عن معارف أولية عقلية ضرورية، سواء كانت بديهية أو نظرية.

لكن الذي حصل أن كثيرا من الدعاة إلى استكشاف عالم الغيب والارتباط به قد خلط بين الغيب العقلي والغيب الخرافي، واستغرق في الغيبيات الوهمية والخرافية، ومن جراء ذلك نشأت وتشكلت صياغات دينية من وضع البشر أو عبر فهم بشري لثمة وحي إلهي أو ما يعتقد أتباعه بأنه وحي، داعية أي هذه الصياغات الدينية البشرية إلى الله من وجه، وصادّة عن سبيله من وجه الآخر، ذلك عندما استحالت فيها المعرفة خرافة، والإيمان دجلا، والدين سجنا سجن فيه العقل طاقة الإبداع الإنساني، فحال ذلك دون عروجه عروجا كدح تكاملي باتجاه المبدع المطلق، ودون القدرة على إدراك الجوهر الحقيقي للإيمان. وصيغت منظومة من مقولات دينية، نشأ عنها مركب لخرافات وشرائع وطقوس ووثنيات، امتزجت بها بعض حقائق الجمال والكمال الإلهيين، لتضفي على منظومة الخرافات والوثنيات والعصبيات تلك بعض مساحيق جمال الحقيقة التي جعلت المتدينين يظنونها حقيقة، وما كانت إلا قشر الحقيقة التي لم يدركوا جمال جوهرها وحقيقة كنهها. وهكذا تحول الدين - خلافا لجوهر رسالته المفترضة - إلى إله يعبد من دون الله، وإلى وثن يُسجَد له العقل، فتهان طاقة الإبداع أعظم نعم الله على الإنسان. ولا تتوقف القضية عند تخريف العقل، بل تتعداها إلى إفساد الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، وإلى تعكير صفو الروح التي نفخها بارئها فيه من روحه سبحان وتعالى، فكان أمامنا إنسان جهول قد خُرِّف عقله، وظلوم قد أفسِدَت فطرته، فأفسد بدوره إما جهلا وإما ظلما باسم الدين، وبالتالي باسم الله افتراء عليه؛ أفسد في الأرض التي استخلف عليها وعلى ما فيها وما حولها من الآفاق، بدل إصلاحها كخليفة لله مؤتمن عليها، وسفك الدماء وملأ الحياة ظلما وجورا وتعسفا وقمعا وكراهة وعداوات، كل ذلك الذي جعل الدين أداة أساسية له.

وهكذا يتحول الدين بعد تلويث طهره الإلهي وتعكير صفوه الروحي إلى سجن للعقل، ويكون النص الديني الموضوع افتراء على الله من قبل الوضاعين، أو المشوه فهم جوهره الإلهي، بمثابة أداة تعطيل وتخريف للعقل. فحتى العقلاء من أهل الدين تراهم يعطلون عقولهم ولو بنسبة دون غيرهم، طالما هم سجناء الدين، يعطلونه عندما يحسون منه في حركته التأملية وتساؤلاته وبحثه عن ثمة إجابات مقنعة غير هاربة من مواجهة الحقيقة إلى مناهج التبرير، وعندما يحس واحدهم من عقله اقترابا من المساحات المحرمة، عندما يكون في حالة حركة بحثية استطلاعية تطرح النص الموضوع أو بعض تأويلات النص الموحى به أمام الشك العقلي، ذلك الشك الباحث عن الحقيقة، فتجد هذا العاقل المتعبد بالنص أو بثمة تأويل له سرعان ما يدير ظهره لعقله فيهرب من المواجهة، مودعا عقله ثانية في زنزانة النص أو التأويل الديني الذي كاد ينعتق منها بحثا عن إجابات في الفضاء المفتوح خارج سجن النص الديني أو التأويل المتعارض مع ضرورات العقل وجوهر الإيمان، فيزجز تدينُه عقلَه ويأمره بأن تكون حركته القلقة الباحثة حصرا ضمن ما تتيحه له زنزانة التقوى المُتوهَّمة ومخافة الله المدَّعاة، فيلجأ العقل مضطرا إلى أن يقنع نفسه بأنه مقتنع ولو من غير اقتناع، فيبحث في التوفيقيات والتبريريات، أو ما يسميه بالتوقيفيات والتعبديات، عن وسيلة للتوفيق ما بين قلق المعرفة والشوق إلى اكتشاف الحقيقة مما يستوجب الانعتاق من سجن النص أو فهمه المتوارَث من السلف، وللتوفيق ما بين الميل الفطري إلى الاعتدال والعقلانية والمثل الإنسانية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بين التعبد بالنص لله، دون إدراك أن هذا التعبد الموهوم بالنص لله، قد استحال في الحقيقة إلى عبادة للنص من دون الله، فتراه مثل هذا الهارب من مواجهة الحقيقة في خضم هذا التجاذب بين ذا وذا يبدأ بمحاولة بائسة في الاستغراق في المنهج التبريري لفهم النص، مهما بدا النص لوعيه الباطني متعارضا مع ضرورات العقل الفلسفي أو العقل الأخلاقي، فيعيش أزمة داخلية يكابر في الاعتراف بها، لأنه يخشى مواجهتها، هذه الأزمة المتأتية من الصراع ما بين العقل الباطن الذي لا يسمح له أن يطفح من قعر اللاوعي إلى سطح الوعي فيتحول من عقل باطن محجوب إلى عقل ظاهر مسفر، مفصح عن رفضه لمضمون المقدس الموهوم، ولتأويلاته التبريرية الهروبية، أي التبريرية الهاربة من مواجهة حقيقة استحالة صدوره عن الله أو استحالة أن يكون مراد الله على وفق التأويلات اللاعقلية، عبر التمسك بثمة قداسة موهومة، حتى لو أدى ذلك التمسك إلى التضحية بقداسة الله السبوح االقدوس، أو إلى خدش تلك القداسة حماية لقداسة نص مشكوك السند أو تأويل أو استنباط غير معصوم من أن تُخدَش أو يُنتقَص منها، بحجة أن الدين لا يُدرَك بالعقول، وأن عرض الدين على العقل وإخضاعه لحاكميته إنما ذلك مدخل من مداخل الشيطان، غير ملتفت أنه إنما بذلك قد خدش جوهر الإيمان وانتقص منه وعكر صفو العلاقة بالله سبحانه، وأخل بمبدأ تنزيه الله الذي يمثل ذروة توحيده، والذي أي توحيده يمثل ذروة الإيمان به، وغير مدرك أن ما صنعه لنفسه من دين إنما كان صدا عن سبيل الله، عندما تحول الدين إلى عامل تنفير من الله بدل أن يكون عامل جذب إليه سبحانه، بتنقيته عبر التأويل المنسجم مع ضرورات العقلين الفلسفي والأخلاقي، وعندما صار الدين لا في جوهره الإلهي بل في قشوره البشرية طاغوتا يزاحم الله في ربوبيته، ووثنا يسجد له من دون الله، وندا يعبد من دون الله، ومقدَّسا يُقدَّس غُلُوّا فيه فوق تقديس الله تقدست وتنزهت من النقص محامده. ولذا لا بد من البحث عن جوهر الإيمان بتأويل مقولات الدين بما يتناغم مع الروح الإلهية التي نفخها الله في الإنسان، ومع الطاقة الإبداعية للعقل أشرف مخلوقات الله، ليكون الدين جاذبا إلى الله ومثله وأسمائه الحسنى، وعاملا لعقلنة وأنسنة الإنسان، يعقلن ويعلم عقله كي لا يكون جهولا، ويؤنسن ويزكي قلبه كي لا يكون ظلوما، وليحلق عقل الإنسان وقلبه مع آيات الله إلى آفاق المعرفة وصفاء الضمير، ويتمثل الإنسان دوره كخليفة لله في الأرض وما حولها من الآفاق التي يتأتى له أن يدركها حاضرا ومستقبلا، ويكون مؤتمنا حقا على الأمانة التي استودعه الله إياها، لا ظلوما ولا جهولا، بل راعيا الأمانة بعقلانية عقله المتنامي بالتعليم، وإنسانية قلبه المتسامي بالتزكية.

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::