إجاباتي على أسئلة الأهالي الليبرالية
تطرأ مفردة التسامح على قاموس الحياة السياسية والاجتماعية في بلداننا الشرق أوسطية، فما هو تعريفكم للتسامح؟
التسامح tolerance هو من حيث اللغة تـَحمُّل وجود رأي آخر، الذي يعني السماح بوجوده، والقبول بذلك كحد أدنى، بل واحترامه، لأن الاحترام شرط من شروط العدالة، التي هي أساس المعاملة، والتي لا تتحقق بدورها إلا بالتعامل بالمثل، وبالتالي بتحقيق أخلاق الحد الأدنى، أي معاملة الآخر بمثل ما يحب المرء أن يعامله ذلك الآخر. وحيث أن كل صاحب قناعة، يتمنى على المخالفين له فيها أن يحترموا قناعته رغم اختلافهم معه فيها، من هنا وجب عليه أن يحترم هو قناعاتهم، ولا يستثنى من ذلك إلا الفكر الذي يقوم على أساس اللاتسامح (intolerance)، ويؤسس لثقافة اللاتسامح، ويؤدي بالتالي إلى تكدير صفو مناخ السلام داخل كل مجتمع، وبين عموم المجتمع الإنساني، هذا يقال أيضا عن الفكر المعادي للديمقراطية، الذي يكون من لوازم الديمقراطية عدم السماح له ليستغل أجواءها وآلياتها، فيهدم المشروع الديمقراطي من خلال الديمقراطية نفسها. والتسامح من لوازم الحياة السياسية القائمة على أسس الديمقراطية، والذي لا يمنع الاختلاف على وفق الالتزام بأخلاقية الاختلاف، والتنافس النزيه في إطار الآليات والروح الديمقراطية، ولكن فرق بين أن أختلف معك بكل موضوعية، وبين أن أعاديك أو أستعديك.
هل يختلف المدلول اللغوي للفظة في اللغة العربية عما هي عليه من مدلول في موطنها الأوربي، حيث ظهر مفهوم التسامح كحل للاحتراب الديني والطائفي في أوساط الكنيسة في القرن السابع عشر الميلادي على حرية التفكير واحترام الآخر؟
tolerance بمعنى التسامح وفعلها tolerate الذي يعني تحمل/يتحمل/تحملا وجود رأي أو عقيدة أو قناعة أو موقف مخالف لرأيه أو عقيدته أو قناعته أو موقفه، والسَّمِح أو المتسامح tolerant هو من يمارس أخلاقية التسامح. فالذي يتبادر إلى الذهن باستخدام المصطلح الأورپي (أخذنا الإنڠليزية كمثال) هو أن تتحمل الآخر المختلف واختلافه معك وتصبر عليه وتحترمه. وهذا ما نعبر عنه بالعربية بـ(التسامح). فليس العبرة في تطابق المفردتين المستخدمتين في معنى ما من حيث اللغة، بقدر ما تختزن المفردة كـ(مصطلح) وليس كـ(مفردة لغوية) كل تلك المعاني لذلك المصطلح التي تتبادر إلى الذهن بمجرد استخدامه. وحيث أن المصطلح لا يحمل لغويا كل تلك الدلالات من حيث اللغة، يحتاج المصطلح إلى تعريف، لأنه كلغة له معنى بسيط، وكمصطلح ذو معنى مركب. ولعل المصطلح العربي أكثر سماحة من المصطلح الأورپي، فالثلاثي سمح له يعني أذن ورخص وأجاز له، وهذا فيه معنى السماح العمودي من الأعلى إلى الأدنى، أو من الأقوى إلى الأضعف، ولكن عندما يصاغ الفعل على وزن تفاعل، يكون هناك طرفان متكافئان يتعاملان أفقيا وليس عموديا بمسامحة أحدهما الآخر لمخالفته له، أو تحمل تلك المخالفة والقبول بها واحترامها، وعدم اختزان عقدة مستأصلة ضد المخالف، التي يمكن أن تتحول إلى احتقانات قد تنفجر إلى فعل عنيف، إذا ما تهيأت الظروف الموضوعية لاستحالة الاحتقانات الداخلية إلى عنف. فالمشكلة ليست مشكلة المصطلح كمفردة لغوية، بل بما يختزنه من مدلول، والمدلول ينمو مع الوقت في المجتمع من حيث إدراك معناه والتفاعل مع مدلولاته، وهذا ينمو بثلاثية التثقيف، والتربية، والمران.
هل يتعارض مفهوم التسامح مع المفاهيم الإسلامية التي تعطي الدين الإسلامي دور الخاتمية وأنه الدين الأمثل؟ وكيف ينسجم ذلك مع الكثير من النصوص التي تبيح دم المرتد والكافر والأحكام المشابهة؟
عندما نتناول موقف الدين عموما وموقف الإسلام خصوصا من مثل هذه القضايا، لا بد من النظر إلى الدين من زاويتين، من زاوية ضرورات العقل، ومن زاوية النص الديني، وبالتالي يكون لدينا دينان، الدين الفلسفي أو العقلي، والدين الوحيوي أو النصي، والأصل أي المرجع هو الأول الذي يقوم على أسس منها، وبمقدار ما يتعلق الأمر بهذا السؤال، هي أسس (العقلية) و(التأويلية) و(الظنية) و(الجوهرية). فدين الوحي يُعرَض على دين العقل، لأن العقل هو بمثابة المحكمة الدستورية العليا لمعرفة الصواب من الخطأ فيما هو العقل الفلسفي، والحسن من القبيح فيما هو العقل الأخلاقي، فإن أقر دينُ العقل دينَ الوحي، كان الأخير صادقا، وإلا فيتعالى الله علوا كبيرا عن إنزال دين يتقاطع مع ضرورات العقل. فلو صح ما يذهب إليه فهم بعض الفقهاء والمفسرين والمتكلمين للإسلام بأنه لا يسمح بحرية الرأي وحرية الاعتقاد، لا يمكن للعقل أن يعترف به كدين إلهي، للامتناع على الكمال المطلق لله المعبَّر عنه بالحمد، والمُنزَّه عن أي قدر من نقص، والمعبَّر عنه بالتسبيح، أن يوحي بدين يأمر بقتل المغاير في العقيدة، أي المغاير ابتداءً أو ارتدادا، أي مما يصطلح عليه بمصطلح (الكافر)، أي الكافر النسبي، أعني من لم يؤمن بالإسلام تحديدا، حتى لو كان يؤمن بالله (التوحيد) واليوم الآخر (المعاد الذي هو من لوازم العدل الإلهي، الذي هو بدوره من لوازم كمال الله المطلق)، ويعمل عملا صالحا على المثل الإنسانية، أو على ضوء جوهر الدين، أي على ضوء التحسين والتقبيح العقليين، المعتمَدين من المدرستين الكلاميتين العقليتين للمعتزلة والإمامية، كما يمتنع عقلا على الله أن ينزل دينا يشرع قتل المغاير في العقيدة ارتدادا، سواءً كان مرتدا فطريا أو مرتدا ذميا. إذن يكون الإسلام إيحاءً بشريا، وليس وحيا إلهيا، إذا صحت مقولات مدرسة الإقصائيين والنصيين والمعطلة للعقل. ولكن حسب فهمي للإسلام في جوهره الثابت (مبادئ الأحكام كالعدل)، لا في شكله المتغير (نفس الأحكام، كحكم المرتد، والجزية، وأهل الذمة، ودار الحرب، وغيرها)، يكون من الواجب إسلاميا، نعم أقول من الواجب الشرعي، القبول بالعقيدة المغايرة، وحتى بحرية انتقال المسلم إلى عقيدة أخرى، لاستمتاع المسلم بحرية دعوة المسيحيين وغيرهم في بلادهم إلى الإسلام، مما يتطلب أن يعطي لأتباع الديانات الأخرى نفس الحق، لوجوب الالتزام بشرط التعامل بالمثل، الذي هو شرط العدالة، كأساس ثابت للتعامل مع المغايرين دينيا غير المحاربين للإسلام، يوجبه القرآن، بقوله تعالى «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين»، وقوله «لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى»، وكذلك «ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط». فالتزام المؤمن بالإسلام هو (إلزام ذاتي طوعي)، وهو غير مكلف بل غير مسموح له بممارسة (الإلزام الغيري القسري). فإذا دعا إلى دينه، يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى وفق مبدأ العدالة التي تعني التعامل بالمثل، أي منح الآخر الديني هو الآخر أن يدعو إلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأما الدعوة الداخلية التي يصطلح عليها بـ(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فمن شروطها هي أن تزاول بـ(الرفق) كما عبر النبي (ص). وكل من مصطلح (الرحمة والموعظة الحسنة) ومصطلح (الرفق)، هما ما يمكن أن يصطلح عليهما اليوم بـ(الآليات الديمقراطية) و(التسامح) و(المساواة في حقوق المواطنة)، لأن المواطن إما (أخ في الدين)، أو (أخ في الوطنية)، أو (أخ في الاعتدال والعقلانية)، أو (أخ في المثل الإنسانية)، أو (أخ في المواطنة)، أو (أخ في البشرية) المعبر عنه على لسان علي (ع) بـ(نظير لك في الخلق).
هل يعتبر التسامح قيمة عليا تعطى من قبل المتسامح الذي يكون بمثابة صاحب الحق إلى الأدنى الذي يكون بمثابة الآخر المخطئ أو الأقل حقية؟ أي هل يوجد هنالك غالب ومغلوب في التسامح؟
سبق وأشرت في جوابي على السؤال الثاني إلى العلاقتين العمودية والأفقية في التسامح. وأقول هنا مكملا المعنى بما يكون جوابا على هذا السؤال، إن من الطبيعي أن يعتقد كل صاحب قناعة عميقة بأنه على صواب - اجتنابا لاستخدام مفردة الحق -، وبالتالي ليس هناك أعلى وأدنى في العلاقة ما بين المتغايرين دينيا أو فلسفيا أو سياسيا أو ثقافيا. التسامح هو أن أحترم قناعة الآخر بمثل ما أنتظر منه أن يحترم قناعتي، وأن تحترم قناعة مغايرة لقناعتك، لا يعني الإقرار بصوابها، بل القبول بالتعايش معها ومع أتباعها واحترامها واحترام أصحابها. أما إذا أقررنا صحة العلاقة العمودية لا الأفقية، أي بتسامح من أصاب الحق مع من أخطأ الحق، فهذا التعامل العمودي النازل يلزم تبادل المواقع، فتكون نظرة كل صاحب قناعة إلى المغاير من أعلى إلى أدنى، بالقبول بوجود من هو على خطأ. وهذا يمكن أن يكون على نحو ما مقبولا، إذا اقتصر على ما يختزن كل من الطرفين أو الأطراف من إحساس، يعتبر إفرازا طبيعيا لقناعته بصحة ما يؤمن به، بشرط ألا يتحول إلى إحساس سلبي، مما سميته بالعقدة أو الاحتقان الداخلي، يمكن أن ينبعث سلوكا يكون بصورة الاضطهاد والقمع، إذا كان صاحب النظرة العمودية النازلة صاحب سطوة أو سلطة أو أكثرية، أو بصورة احتراب في حالة التساوي والندّية المتكافئة، أو شبه المتكافئة. وهذه الحالة السلبية التي هي من الضد من مفهوم التسامح، يمكن معالجتها بإشاعة ثقافة العدالة في التعامل، كقيمة أخلاقية ودينية وحضارية، أي التعامل بالمثل، أو معاملة الآخر بما يحب المرء أن يعامله الآخر به، وكذلك إشاعة ثقافة النسبية، بحيث مهما يبلغ الإنسان أو تبلغ الجماعة من قناعة بمتبنياتها، لا تشعر أنها تملك كامل الحقيقة، بل جزءها، كما لا تملك جزء الحقيقة ما هو نهائي لا يمكن مراجعته، وهذا ما يراد تأسيسه أو تجذيره وإشاعته في ثقافة دينية وديمقراطية على حد سواء، بحيث تتبنى الثقافة الدينية فهم الدين على ضوء (العقلية)، و(التأويلية)، و(الظنية)، و(النسبية)، و(الجوهرية)، و(العقلانية)، و(الإنسانية). وإشاعة (المذهب الظني) لفهم الدين، أي دين كان، من قبل أصحابه مهم جدا لمعالجة سلبيات النظرة الفوقية للمغاير الديني. والمذهب الظني يعني أن يؤمن المرء يقينا بالواجبات العقلية من مقولات الدين، بينما يبقى إيمانه بالممكنات العقلية، أي ممكنة الصدق وممكنة عدم الصدق من الناحية العقلية المجردة، حتى لو كانت درجة الظن بنسبة 90%، فالظنية تعالج التعصب. لأن أصحاب اليقين في رأيي ثلاثة أصناف، المتعصبون تعصبا أعمى، والبسطاء السذج، ومن كشفت لهم حجب الغيب، الذين لا وجود لهم بيننا، وادعاؤها يحتاج إلى دليل. فالإيمان العقلي والعقلاني هو إيمان ظني فيما يتعلق الأمر بالمقولات الدينية الممكنة عقلا، والثابتة للمؤمن بها بالنص لا بالعقل، بل العقل ينتهي دوره بإقرار إمكانها، وهذا فيه تفصيل لا مجال له هنا.
ما هي رؤية الإسلام عن نسبية الحق برأيكم؟
هذا ما تضمنت إجابتي السابقة شيئا عنه، ولكن إجابة على هذا السؤال بالتحديد أقول لا بد من تحديد أي إسلام نقصده في هذا السؤال. فالإسلام العقلي والقرآني يؤكد نسبية الحق: «قل إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين»، «إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون»، «وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد». ومن أجل ألا نكون اقتنائيين، فنختار من النصوص ما يؤيد رؤيتنا، لا بد من أن نذكر أن هناك من النصوص ما يستفاد منه لدعم مفهوم دعوى احتكار الحق عند المسلمين، وهكذا فكل دين يكاد يدعي احتكار الحق وامتلاك الحقيقة دون غيره. ومن هذه النصوص، وأقتصر هنا على النصوص القرآنية «من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه»، «إن الدين عند الله الإسلام». وفي تصوري إن مما يؤدي إلى استنباط إسلام إقصائي لا يعترف بالآخر من مثل هذه النصوص، ويحتكر امتلاك كامل الحقيقة بصورتها النهائية والمُلغِية لكل حقيقة مغايرة، هو الفهم المجتزئ للنصوص، الذي يفصلها عن سياقاتها، وعن سائر النصوص التي تتناول نفس الموضوع للخروج عبر التفسير الموضوعي بنظرية قرآنية، كالمنهج الذي اعتمده المفكر الشهيد محمد باقر الصدر، وكذلك عن الروح العامة للقرآن، واستبعاد العقل الفلسفي في التفسير، وإضافة إلى هذا عدم القدرة على التمييز بين الثابت والمتحول، وبين الجوهر والشكل في الإسلام. شخصيا أفهم الإسلام في ضوء مذهب عقلي تأويلي ظني كما أشرت، يعتمد فيما يعتمد من أسس لنظريته وفلسفته في فهم الدين النسبية. وكل دين أو فهم بشري للدين، وكل إيديولوجيا شمولية لا تقر بالنسبية، مآلها التطرف والتعصب والنأي عن العقلانية والإنسانية، وبالتالي تكون عنصر إرباك للسلام المجتمعي.
تتعامل الفرق السياسية والدينية مع بعضها استنادا على رواسب إيديولوجية وحوادث تاريخية وأخرى معاصرة، ويعد النظام الديمقراطي الأكثر رواجا للحكم في البلدان متنوعة النسيج الاجتماعي، فهل يفلح الحل الديمقراطي في العراق مع كل هذه التقاطعات والتعارضات التي ينطوي عليها الفرقاء السياسيون؟ وهل بالضرورة أن يؤمن الجميع بفصل الدين عن الدولة لكي يتم ذلك الأمر؟ أم إن العلة ليست بالدين؟
أبدأ من حيث انتهى السؤال، فأقول، بلى، بل العلة في الدين، ولا أعني الدين كوحي إلهي، وكحقيقة في عالم التجريد، بل الدين كفهم وتطبيق بشريين. فقد جعل أتباع الأديان على ممر التاريخ من الدين عامل تباغض واحتراب، بينما أراده الله رحمة وسلاما ومحبة. وفي تقديري، ولا أنفرد في ذلك، أن المشكلة ليست مشكلة عراقية، بل هي مشكلة عموم الشرق الإسلامي، ومن هنا فنحن نحتاج ظاهرة مارتين-لوثرية على مستوى الثقافة الدينية لتصحيح مسار (الإسلام السلفي) حسب اصطلاح المفكر أحمد القبانجي، وظاهرة أتاتوركية على مستوى الثقافة السياسية لتصحيح مسار (الإسلام السياسي) حسب اصطلاح نفس المفكر، والذي يقدم في مقابل هذين الفهمين للإسلام (الإسلام المدني)، ويستدل بأدلة متينة على أنه هو الذي يمثل حقيقة الإسلام في جوهره. والعملية التصحيحية هذه تحتاج في تقديري إلى كامل القرن الذي نعيش فيه. ولكن هذا لا يعني الانتظار، بل لا بد من البدء بإنجاز الممكن من المشروع الإصلاحي، فلعلنا أو لعل من يأتي بعدنا يختصر الزمن بإذن الله تعالى رحمة منه بعباده. أما عن سؤال ما إذا سيفلح الحل الديمقراطي في العراق، فإذا كان السؤال عما ينبغي أن يكون، فلا خيار لنا ولعموم شعوب المجتمع الإنساني، غير الديمقراطية، الذي أبدعته التجربة الغربية، لتـُكفـِّر عن كل عصور التعصب والأصولية والاحتراب والعنصرية والاستعمار. وأما إذا كان السؤال عما إذا سيكون هذا أو لا يكون، فلا أميل إلى طرح التخمينات، ولكن أقول إن عملية التحول الديمقراطي ستواجه تحديات كبيرة، وأملي ألا ينهار المشروع، ليقف رواد الإسلام السياسي في يوم قيامة التاريخ، وفي يوم قيامة الله، ليسألوا عن مسؤوليتهم في مآل فرصة دمقرطة العراق إلى الضياع، ومآل المشروع الوطني الديمقراطي إلى الانهيار. المشروع أمامه كما قلت تحديات خطيرة، ولذا لا بد من مشروع سياسي، وآخر ثقافي، وثالث ديني فيما هو إصلاح الفكر الديني كفهم بشري، لمواجهة تلك التحديات.
كثير ما تثير بعض الانتقادات مثل الضجة التي أحدثتها الرسوم الكاريكاتورية وكتاب سليمان رشدي ردود أفعال متباينة في الأوساط الإسلامية تتدرج بين الإدانة والمقاطعة الاقتصادية وصولا إلى العنف وفتاوى هدر الدم. ما هو الضابط برأيكم من وجهة نظر إسلامية تجاه الفكر الناقد وحرية الفكر؟
في وقت تلك الضجة التزمت الصمت، ولكن بعد أن هدأت العاصفة نسبيا، كتبت أن الذي رسم تلك الرسوم المسيئة إلى نبينا الكريم (ص)، إنما كان المسلمون المنتسبون إلى كل من (الإسلام السلفي) بنسختيه الشيعية والسنية، و(الإسلام السياسي) أيضا بنسختيه الشيعية والسنية، ولم تكن مهمة الصحيفة الدانماركية أو رسام الكاريكاتير، إلا القيام باستنساخ الصورة التي رسمها أولئك المسلمون أنفسهم عن نبيهم وعن دينهم بأيديهم هم، وعرضوها بتلك التشويهات للعالم، ولذا كان لا بد للمسلمين من أن ينظموا تظاهرات غضب صاخبة ومستنكرة، ليس ضد الدانمارك، بل ضد أنفسهم في إطار ثورة من الداخل على الذات، كما عبرت عام 2003 في مقالة دعوت فيها إلى مثل هذه الثورة التصحيحية. فحري بنا أن نوجه غضبنا إلى أنفسنا. لا أقول إننا يجب أن نلزم الصمت تجاه الإساءات المقصودة أو غير المقصودة تجاه مقدساتنا، بل علينا أن نتعلم كيف تكون احتجاجاتنا حضارية، وذات تأثير إيجابي، حتى على من يختلف معنا، ومحرج لخصومنا، ولا نكون في ردود أفعالنا هيستيريين كمن مسه مس من الخبال، فنثير علينا الضحك حتى الإعياء، والاستقباح حتى التقيؤ. ولا تحل القضية بإصدار فتاوى إهدار الدم كما حصل مع فتوى الخميني بقتل سلمان رشدي، متحديا القوانين الدولية. المشكلة أن الكثيرين من المسلمين فهموا التدين صلاة وحجا وطقوسا وحضور مساجد ودماء لا بد أن تراق، إما دماؤنا لنحظى بحسنى الشهادة، أو دماء عدونا لنحظى بحسنى النصر. انظر حتى في شهر رمضان المبارك، الذي هو شهر السلام والرحمة والمحبة، كثير من الفضائيات تعرض مسلسلات تاريخية من شأنها بعث روح ما يسمى بالجهاد ضد كل من هو غير مسلم، وكأن إراقة الدماء هي الركن السادس، ومن ضرورات الدين التي تتقدم على الصلاة والزكاة والصدق والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والإنفاق والعفو. كما إننا نقرأ في الأدعية الرمضانية التي اعتاد الشيعة أن يقرؤوها «وأسألك أن تجعل وفاتي قتلا في سبيلك تحت راية نبيك مع أوليائك، ووأسألك أن تقتل بي أعداءك وأعداء رسولك»، وكأني لا أكون مؤمنا حق الإيمان، إلا أن أَقتـُل أو أُقتـَل. فمثل هذه الأدعية إما أنها موضوعة، أو إنها قيلت في ظرف خاص، ولذا تكون سالبة بانتفاء موضوعها.
هل يجب أن يكون للتسامح حدود يتوقف عندها؟ أم إن حرية الفكر والمعتقد مكفولة للجميع إلى أبعد الحدود؟ (وأؤكد حرية الفكر وليس حرية العمل أو الممارسات!)
في تصوري، ليس كديمقراطي وحسب، بل حتى من زاوية فهمي للدين نفسه، أن حرية الفكر والتعبير والاعتقاد واللاإعتقاد يجب أن تكون مكفولة بلا حدود، إلا ما فيه إساءة واستفزاز للمشاعر، أو ما فيه هدم لنفس مبدأ حرية الرأي والاعتقاد، فلا يمكن أن تستغل هذه الحرية فيمارسها طرف لقمعها عند الآخر. فحتى الذي يشك بدين ما على أنه وحي الله، يجب أن نكفل له الحرية غير المشروطة، إلا بما ذكرت، ليعرض شكوكه وأفكاره بلغة علمية وبأخلاقية مراعاة المشاعر العامة، وفرق بين مراعاة المشاعر واحترام القناعات الطوعية، وبين أن يكون المرء مرعوبا وهو يحمل قناعات لا يرتضيها المجتمع، خشية أن يكتشفه ذلك المجتمع، أو تكتشفه المجموعات أو المؤسسات الدينية متلبسا بجريمة أن يفكر أو يفهم الأشياء خلافا لما يريدون له أن يفكر ويفهم، فيعيش مرعوبا من أن تشن عليه حرب التكفير، ويُلوَّح له بحبل مشنقة هنا، أو سيف سيّاف هناك، تنفيذا لما يسمى بحكم المرتد. والذي يخاف على دينه من حرية الفكر، فهو من غير شك متزعزع الثقة بذلك الدين، لأن من يكون واثقا بأنه دين الله، لا يخاف عليه من الحرية. بل حتى من موقع الحرص على الترويج للدين، بما يسمى (دعوة) حسب المصطلح الإسلامي أو (تبشير) حسب المصطلح المسيحي، لا يكون قادرا على ممارسة دعوته في أجواء قمع الحريات، حيث تكون قلوب الناس مرعوبة منه ونافرة بالتالي نفسيا من دعوته، لأن القلب المطمئن وحده، وليس القلب المرعوب يستطيع أن يتلقى خطاب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
طرأت على العملية السياسية في العراق قضية اجتثاث البعث، واختلفت تفسيرات واضعي هذا القانون في أنه يختص بالبعثيين الذين تورطوا بجرائهم وانتهاكات ضد الشعب العراقي، وبين من يعتبره ضد فكر البعث عموما. ومع محاكمة رؤوس النظام قضائيا وسقوط حقبتهم، هل يجوز أن تعتبر عودة حزب البعث للمشاركة بالعملية السياسية حقا مشروعا للبعثيين وخصوصا من المعارضين لسياسات النظام السابق؟
من غير شك إن تجربة الشعب العراقي مع حزب البعث لما يقرب من أربعة عقود كانت تجربة قاسية جدا، مما لا يمكن السماح لعودة التجربة بأي حال من الأحوال. ولكن إذا تجردنا وانتزعنا أنفسنا من التجربة الصدامية، وتناولنا فكر حزب البعث كفكر، بقطع النظر عن تقييم مدى ما له من عمق، أو مدى انسجامه مع مبادئ الديمقراطية، فلا يمكن أن يحارَب ويستأصَل، بل يمكن أن ينقـَد من قبل مخالفيه، ويصحَّح من قبل أتباعه، كما صحح الشيوعيون فكرهم من ديكتاتورية الپروليتاريا إلى الاشتراكية الديمقراطية، ومن اعتماد الترويج للإلحاد إلى الإيمان بحرية الاعتقاد واللاإعتقاد على حد سواء، وكما صحح بعض الإسلاميين فكرهم من الإيمان بالدولة الإسلامية التي يحتكر الإسلام السياسي فيها السلطة والثقافة، إلى الإسلام المدني المؤمن بالديمقراطية، وصحح بعض القوميين فكرهم من التوجه الذي يقترب من العنصرية إلى الفكر القومي الليبرالي. إني من ناحية لا أميل أبدا إلى خوض المجازفة مرة ثانية بإتاحة الفرصة للبعثيين للعودة، ولكن إذا كان ذلك ضمن الدستور والآليات الديمقراطية، وكان يخدم مشروع المصالحة الوطنية وبالتالي الإبحار بالعراق نحو شاطئ الأمن، فمن حق غير المجرمين منهم وغير الموالين للنظام السابق المشاركة - أسوة بغيرهم - في العملية السياسية. أما إذا قيل أنهم يضمرون العداء للمشروع الديمقراطي، فلدينا أكثر من مثال على عدم جواز محاسبة أي جماعة على وفق ما يضمرون، أو ما يُعتقـَد أنهم يضمرون من نوايا، بل على وفق خطابهم وأدائهم. فالموالون للفكر الفاشي والنازي في أورپا استطاعوا أن يؤسسوا أحزابا بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، وحاولوا أن يجعلوها منسجمة مع الشروط الدستورية، وسُمح لهم، رغم قساوة التجربة لاسيما في ألمانيا النازية، بالمشاركة في الحياة السياسية، رغم أنهم ليسوا ديمقراطيين في العمق، ومعظم قوى الإسلام السياسي المشاركة اليوم في موقع القيادة وإدارة شؤون الدولة لا تؤمن في العمق بالديمقراطية، ولنا في السيرة نموذج (المنافقين) الذين عاملهم الرسول (ص) على وفق ظاهرهم ومُدَّعاهم، أي كمسلمين، لهم ما للمسلين وعليهم ما عليهم. فإذا قلنا أننا نخاف من هؤلاء البعثيين على مستقبل التجربة الديمقراطية، فمعظم - ولا أقول كل - قوى الإسلام السياسي وقوى الطائفية السياسية من الفريقين السني والشيعي ليست أقل خطرا على المشروع الديمقراطي، ولا أكثر إيمانا بالديمقراطية. بالرغم من شدة مقتي للحقبة البعثية أقول، نعم لغير المجرمين، ولغير الصداميين، ولغير رموز النظام السابق منهم، نفس الحق تماما. فها هم الشيوعيون في أورپا الشرقية يشاركون بعد سقوط الديكتاتوريات الشيوعية في الحياة السياسية، بعدما نقدوا التجربة وقاموا بعملية تصحيحية، وأصبحت أحزابهم اليوم ولو بأسماء جديدة من الأحزاب المهمة والديمقراطية في أكثر من بلد أورپي، ليس فقط في شرق أورپا، بل في بعض دول غرب أورپا، مع الفارق طبعا بين الفريقين، لأني إنما أشبه حالة البعثيين بحالة قوى اليمين القومي في أورپا، التي تلتزم بالدستور منها طبعا، أو حتى المتظاهرة بالدستورية، لأن الشيوعيين رغم تجربتهم الديكتاتورية، ففكرهم يحمل قيما إنسانية، وشيوعيو العراق يعتبرون اليوم من القوى الديمقراطية الوطنية المعتدلة، وإن كان بعضهم ما زال يختزن الفكر الشيوعي الكلاسيكي.
هل ترون أن التسامح سمة أخلاقية قيمية، أم إنها من المبادئ التي يجب تقنينها كأساس من أساسات بناء الديمقراطية قانونيا واجتماعيا وحتى دينيا؟
كلاهما صحيح. والدوران متكاملان، لا يمكن الفصل بينهما، بل لا بد من أن يسيرا في مسار متواز، يكمل أحدهما الآخر. وقد كتبت قبل سنوات عن كون الثقافة الديمقراطية والتربية الأخلاقية الديمقراطية يعتبران شرطا أساسيا من شروط إنجاح عملية التحول الديمقراطي. حتى الدين لم يكتف بالتربية الأخلاقية أو عملية تزكية النفوس، بل قنن الكثير من المثل الأخلاقية بصورة أحكام شرعية أو تكاليف إلزامية على مستوى الوجوب والحرمة، أو تكاليف ترخيصية على مستوى الندب والكراهة. وكذلك في دول العالم الحر قـُنـِّنت الكثير من القيم الأخلاقية والإنسانية بتشريع قوانين، تضمن الالتزام على أقل تقدير بما يسمى بأخلاق الحد الأدنى، أي بعدم جواز الإضرار بالآخر، أو تعريضه للخطر، أو إقلاق راحته. التسامح يجب أن يشيع كثقافة وكتربية أخلاقية وكقوانين في إطار سيادة القانون ومبادئ الديمقراطية على حد سواء. وعندما أتحدث عن دور التثقيف والتربية، فهذا يشمل المدرسة، ومناهج التدريس، لاسيما فيما يتعلق بدروس مادتي الدين والتاريخ، وما أدراك ما درس الدين ودرس التاريخ وتأثيرهما، وكذلك مادة الاجتماع والأخلاق، كما تشمل الثقافة وفعالياتها والإعلام، ضمن حرية الرأي والتعبير، ولكن على أن تكون الحرية حرية بناءة ومسؤولة، دون أن تـُقمَع هذه الحرية أو تـُسيَّس أو تـُؤدلـَج.
كيف يصار التوفيق بين النصوص الإسلامية التي تدعو إلى احترام الأديان وحرية المعتقد مع النصوص التي تدعو إلى تخطئة الآخر واحتكار الحق، وأحكام مثل جواز قتل المرتد والكافر وغيرها؟
أجبت ضمنا على هذا السؤال في سياق جوابي على السؤال الثاني. ولكن أعيد الإجابة ربما من زاوية أخرى، أو بما يكمل الفكرة. الخروج من هذا المأزق، يكون بعدة حلول أو خطوات أو برامج؛ منها إشاعة مفهوم حاكمية العقل الفلسفي والعقل الأخلاقي في فهم النصوص، وبالتالي تقرير، ليس جواز، بل وجوب تأويل النصوص إلى حيث تنسجم مع ضرورات العقل والفطرة الإنسانية السوية. ونحتاج أيضا إلى اعتماد منهج التفسير الموضوعي الشمولي، أي الذي لا يستقطع النص عن سياقاته، وعن عموم النصوص المعالجة لنفس الموضوع، وعن الروح العامة للقرآن. وإلى التعويل على النصوص التي تمثل المبادئ الثابتة وجوهر الدين، وليس على آيات الأحكام المتحولة بتحول الزمان والمكان مع ثبات ما مر من الثوابت: كثابت العدل. ونحتاج إلى شجاعة رفض الدين، لو تبين لنا ولو من قبيل الافتراض، لو ثبت أنه حقا يؤسس لقمع حرية الفكر والعقيدة، ويقتل على القناعة والاعتقاد، ويؤسس لثقافة كراهة الآخر ومعاداته واستعدائه، لأنه إذا ثبت أن ذلك يمثل الدين في حقيقته، وليس الفهم والتفسير والتأويل والاجتهاد البشري القابل للخطأ والصواب، لا بد أن نرفضه، لأنه بذلك لن يكون حتما وحيا إلهيا، لتنزه الله سبحانه برحمته وحكمته وعدله عن إنزال دين على هذا الغرار. هذه ليس دعوة إلى الارتداد، بل دعوة إلى فهم الدين في جوهره، وعدم الجمود القاتل على النص، مهما بدا مخالفا لضرورات العقل والضمير الإنساني. فأن يعتقد الإنسان أو لا يعتقد، لا يمثل فعلا إراديا، حتى يعاقب عليه، بل القناعة وعدمها تنبعثان لاإراديا من الداخل، وهذا ما لا يجوز لا عقلا ولا أخلاقا ولا دينا المعاقبة عليه. ثم حكم المرتد لم يشرع من رسول أو إمام منصوب، بل من خليفة اجتهد، يقول مريدوه أن له أجرين لو أصاب، وأجرا لو أخطأ، ولكن وفي نفس الوقت لو كان بذلك قد «سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». ولكني أريد أن أحسن الظن بالخليفة الذي شرع ذلك، بأنه رأى ثمة خطر على الإسلام ودولته آنذاك من ظاهرة الارتداد، مع العلم أن عددا غير قليل من فقهاء ومفسري ومفكري السنة يقولون أنه لم يكن هناك ارتداد عن الدين، بقدر ما كان الأمر لا يعدو أن يكون تمردا على الدولة في دفع الزكاة، لعدم قناعة المتمردين بشرعية آلية اختيار الخليفة، اجتهادا منهم، سواء أخطؤوا أو أصابوا. فبئس الدين - وحاشا للإسلام – أن يقتل من استجدت عند أحد من أتباعه قناعة أخرى مغايرة. فأين هذا من «لا إكراه في الدين»؟ ولماذا الخوف على الدين من الارتداد إذا آمنا بأن الله قد تكفل بحفظه حسب الآية «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»؟ فهل يعقل أن الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا يشرع قتل المرتد، فيجعل ذلك سببا من أسباب حفظه لدينه؟
غالبا ما يكون الدور الرسالي الذي يلقى على عاتق الفرد المسلم سببا في تقاطعه مع الآخرين وتدخله في شؤون يراها واجبا من واجباته أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر. فهل إن العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبيح للجميع التصرف تجاه كل شيء - وفق فهمهم للشريعة -؟ أم إن هنالك ضوابط؟
هذه حقا تمثل معضلة كبيرة ومعقدة، والسبب في هذا الفهم المشوه للدين، وفي موروثات ثقافة إسلام السلطة الذي اعتمد ثقافة دعوى احتكار الحق واحتكار الشرعية. إن (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) شـُرِّع لجعل (المسلم)، ونقول اليوم (المواطن) يعيش في العمق مسؤوليته الاجتماعية. وليس (الأمر والنهي) هذين تعسفا في حريات الآخرين، بل هما نصح بأساليب محببة لمن يريد أن يتلقى مني النصح، وإلا فغير مسموح لي أن أتعسف بنصح من لا يريد سماع نصيحتي. وإذا كان المسلم في العصر الأول للإسلام كان يقوم بمهمة الشرطي، فإن للدولة العصرية اليوم أجهزة أمنية، وشرطة، وقوانين، وقضاء، ولا يجوز فيها استخدام القضاء الذاتي. ثم الأمر والنهي القرآنيان ينطلقان من موقع المحبة والرفق، فـ «بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»، أي بعضهم يتعامل مع البعض الآخر من موقع الحب والمودة واللطف والتعاون والتعاضد، ولا يجوز على وفق الحديث الشريف القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالرفق في الأمر والنهي، كشرط إضافة إلى شرطي العلم بالمعروف والمنكر، والعمل بهما، وإلا وجب نهي من يزاولهما بغير شروطهما عن مزاولتهما، خاصة من لا يلتزم بشرط الرق. وفي الواقع أصبح ضرر ممارسة هذه الفريضة المقدسة (الأمر ... والنهي ...) أكثر من نفعها، فمع أن الأمر والنهي «فيهما منافع للناس»، غدا «إثمهما أكبر من نفعهما» للأسف الشديد، وحري بنا أن ننتهي عما كان إثمه أي ضرره أكبر من نفعه المرتجى. ثم نحن إذا أقررنا الديمقراطية كعقد اجتماعي، وجب علينا شرعا الالتزام بلوازمها، لأن العقد يمثل شريعة المتعاقدين، والإيفاء بالعقود من أهم الواجبات الشرعية في الإسلام. هذا لا يعني تعطيلا لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل تقنينها عقديا، أي ديمقراطيا، وبالتالي منع، لا أقول أصل مزاولتها، بل منع مزاولتها بطريقة تخل بلوازم العقد الاجتماعي، أي بمبادئ الديمقراطية، بحكم «وأوفوا بالعهود»، و«إن العهد كان مسؤولا».
يهاجر الكثير من مواطني البلدان العربية والإسلامية إلى بلدان غربية نتيجة سوء الظروف المعاشية في بلدانهم، ليعيشوا في بيئات جديدة منقسمين إلى جماعات تحكمها سلوكيات مختلفة، منها التقوقع على الذات والعيش الانفرادي، ومنها استغلال الحرية المتاحة للبدء بترويج أفكارهم ومعتقداتهم وممارسة الوصاية على العالم، ومنهم من يندمج بشكل كامل مع المجتمعات الجديدة بشكل يجرده من هويته الثقافية والفكرية بشكل كامل، ومنهم من يقف مترددا باحثا عن حل وسط؟ ما هو برأيك الحل الوسط للعيش في مجتمعات مختلفة الثقافة؟
فيما يتعلق بالنوع الأول فهي الازدواجية التي يعيشها المسلم على الأعم الأغلب، ومخالفته الواضحة لمبادئ القرآن، وفهمه الخاطئ للنصوص مثل «كنتم خير أمة أخرجت للناس»، التي استوحى منها أكثر المسلمين مفهوم «شعب الله المختار»، أو مفهوم الزعم بأنهم «أولياء لله من دون الناس»، وهذا جعله يخالف أهم ركن في الإسلام، وهو العدل والقسط، الذي أمر به القرآن كأساس للتعامل على حد سواء، في الدائرة الخاصة، ومع الآخر الديني غير المعادي في الدين: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم»، بل وحتى مع ألد الأعداء عداوة وخصومة وبغضا متبادلا: «لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى»، وكأنهم لم يفهموا أهم شرط للعدالة وهو التعامل بالمثل، إضافة إلى مخالفتهم لقيمة أخلاقية قرآنية غاية في الأهمية، وهي رد الإحسان بالإحسان، وليس بالإساءة، كتجسيد لأخلاق الحد الأدنى: «هل جزاء الإحسان إلا الحسان»، في الوقت الذي أمرنا القرآن أن نرد الإساءة بالإحسان، كتجسيد لأخلاق الحد الأعلى، من أجل تحويل العدو إلى صديق: «لا تستوي الحسنة ولا السيئة؛ ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم». فنرى أكثرنا أصبح يرد الحسنة بالسيئة، أو الإحسان بالإساءة، وأصبحنا فنانين ومتقنين لفن الاستزادة من الأعداء، توهما منا أن الاستزادة من الأعداء دليل الأصالة والرسالية والاستقامة، فهناك تمثيلان للمؤمن في حديثين نبويين، كلاهما صحيح في سياقه، تارة يُمثـَّل بأنه «أشد من الجبل، فالجبل يفل منه والمؤمن لا يفل من إيمانه»، والتمثيل الثاني بالسنبلة، تنحني مع الريح، فراق لنا التمثيل الأول، وجعلنا الثاني وراء ظهورنا. أما أولئك الذي عبر عنهم السؤال بأنهم يندمجون كليا في المجتمعات الجديدة، على نحو يجردهم من هويتهم الثقافية والفكرية بشكل كامل، فهم المصابون بالانبهار الأعمى، وأغلب هؤلاء يأخذ من الغرب شكل التجربة لا جوهرها، ومساوئها لا محاسنها. ولكني بصراحة أقول إن الاندماج، إذا كان يمثل قناعة واعية، لا يعتبر معيبا، فالخوف منه ناتج عن الإيديولوجيات الشمولية في رأيي. ويبقى كل من الاندماج والمحافظة على الهوية أمرين نسبيين. وليس المهم أي موقف من الموقفين الثانيين يتخذ الإنسان، مع التسليم برفض الأول، بل المهم أن يتخذ الإنسان موقعه عن وعي وقناعة يتحمل مسؤوليتها. وآن الأوان لنتخلص من عقدنا وإيديولوجيتنا وكبريائنا المفتعل وتفوقنا الموهوم، ونقر بإيجابيات التجربة الغربية، ونشخص أمراض تلك التجربة، ولكن الأهم من ذلك أن نشخص أمراضنا، وما أكثرها، وما أخطرها، وما أشد ضررها علينا ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا، إلم نبادر بإجراء عملية تصحيح شجاعة وشاملة، لنصنع مستقبلا مغايرا لواقعنا، فـ «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».
غالبا ما تعالج المشاكل والمستحدثات المعاصرة باستنباط أحكام وفتاوى تستند على نصوص نشأت في حقب زمكانية مختلفة دون الأخذ بنظر الاعتبار الظروف المحيطة بتلك الأحكام، لذلك هنالك من يتهم الإسلام بأنه أسير الماضي. ويمكن أن نضرب مثلا لذلك شروط الحجاب ومسألة الاختلاط بين الجنسين والاختلاط مع معتنقي الديانات أو المعتقدات الأخرى، مع تغير الوعي والدور الذي يلعبه كل من الرجل والمرأة في الزمن الحاضر عما هو عليه في السابق. ما هو تعليقكم على هذا الموضوع؟
هذه مشكلة الفقهاء - جلهم وليس كلهم طبعا - في تقديري أكثر مما هي مشكلة الإسلام، فليس الإسلام، بل الفقه أسير الماضي، والتفسير أسير الماضي، والفقهاء غالبا هم أسرى الماضي، والمفسرون غالبا هم أسرى الماضي. الإسلام يُظلـَم عندما يُسجَن في التاريخ ويُكبَّل بشكل النص، وما طرحتموه من أمثلة عالجتها وعالجها غيري في كثير من طروحاتنا، ولا أريد الآن التطرق لكل تلك الأمور تفصيلا، ولكن لو أخذنا مسألة الاختلاط بين الجنسين كمثال، فعدم الاختلاط من خلال التجربة لا يمثل ضمانة للعفة، بل العكس قد يكون هو الصحيح، لأن الشاب والشابة يكونان في مجتمع الفصل بين الذكور والإناث، مُستفـَزّا كل منهما ومُحفـَّزا ومُثارا جنسيا، أكثر بكثير مما هو الحال في مجتمع الاختلاط، الذي يكون فيه الشاب والشابة أكثر توازنا جنسيا، إذ تتحول العلاقة من علاقة ذكورة مُستفـَزّة جنسيا هنا، وأنوثة مُستفـَزّة أو مُستفِزّة جنسيا هناك، إلى علاقة زمالة وصداقة متوازنة، قائمة على أساس الاحترام، وليس على أساس التربص الغريزي للمستور. وكثير من هذه الفتاوى يتعامل فيها أكثر الفقهاء لا كمجتهدين، بل كمقلدين لما اشتهر بينهم، فهم أسرى المشهور الذي لايجرؤ الفقهاء على مخالفته على الأعم الأغلب، وهذا ليس قولي بل إقرار بعضهم، كالمفكر مرتضى مطهري الذي ذهب إلى أن معظم الفقهاء إنما هم مقلدون بمستوى عال أكثر منهم مجتهدون. وقد غفل كثير منهم عن مرونة وديناميكية الشريعة، أو بعضهم يخاف من مخالفة المشهور، خشية أن يسقطوا في أعين العامة، إذا ما شهّر بهم بعض المتربصين من الحاسدين أو أتباعهم، والكل يعرف ويقر بأن الحسد هي آفة الأوساط الحوزوية أي أوساط (الدراسات الشرعية)، وأوساط علماء الدين، مع احترامنا وإجلالنا لمن نزه نفسه عن ذلك منهم بتقواه وعقلانيته.
تبدأ عملية إدراك اختلافات وتنوع الخلقة والاعتقاد والثقافات لدى الأفراد الآخرين منذ سن مبكرة للأطفال، وتبدأ التوعية الثقافية والدينية منذ تلك اللحظات، وفي الأعمار التي تكتمل فيها شخصية الفرد تصبح هذه الثقافات جزءً لا يتجزأ من شخصية الفرد، فكيف يكون برأيكم اعتماد نهج تربوي سليم للتخلص من تنمية العنصرية واللاتسامح في هذه السن المبكرة؟
السؤال لامس قضية في غاية الخطورة والحساسية والأهمية. وهذا الأمر يحتاج إلى جهود مضنية ومنهج علمي وتجرد إيديولوجي، من أجل القيام بإصلاح شامل للمناهج التربوية والاستفادة من تجربة الدول المتقدمة في جانبها العلمي، والذي يحتاج فيما يحتاج إلى إصلاح في قبل ذلك أو موازيا معه للدراسات الجامعية المعنية بتخريج المربين. فنحتاج إلى مواد مستحدثة وإلى إجراء إصلاح للمواد الموجودة، وذلك فيما ينمي البعد الذهني عند الطفل، ويؤسس عنده للتوجه العقلي والعقلاني والعلمي، كما نحتاج إلى تنمية البعد النفسي والأخلاقي، وهذا ما تتكفل به دروس الأخلاق والدين والاجتماع، ونحتاج إلى استبعاد كل ما يؤسس لثقافة رفض الآخر وكراهته وإقصائه بأي عنوان كان. وأنا في الوقت الذي لا أدعي لنفسي الاختصاص في هذا الميدان، ولكني على ضوء السؤال أحاول أن أضع بعض وليس كل الخطوط العريضة لهذا الموضوع الخطير، الذي يشغلني منذ وقت طويل. والمشكلة مركبة ومعقدة، فلا يمكن على سبيل المثال القيام بأي خطوة بهذا الاتجاه، إذا كان وزير التربية والتعليم ينتمي إلى مدرسة الإسلام السياسي، أو إلى أي مدرسة ذات نهج شمولي يعمل على أدلجة المدرسة وأدلجة الطفل، وقد أشار الوزير الحالي مثلا منذ اليوم الأول لتسلمه الوزارة، وفي سياق رفضه لصبغ وزارته بصبغة الحزب الذي ينتمي إليه، وهذا أمر حسن، متداركا بأنه سيعمل لكن على صبغ وزارته بصبغة الإسلام، وهذا يعني بالتالي بصبغة الإسلام على وفق فهم الوزير للإسلام، وهو الإسلام السياسي. وهذا أمر غاية في الخطورة. لذا لا يمكن إجراء أي خطوة تذكر ما لم تتحول المسؤولية إلى أيدي وطنية علمانية غير مؤدلجة تحترم ثقافة وقيم المجتمع، دون اعتماد رؤية شمولية.
ما هي البيئة المناسبة لنشوء التعصب واللاتسامح، وما هي البيئة الصالحة لنشوء الاعتدال والتسامح؟
باعتبارنا لا نعاني من عنصرية أو تعصب قبلي أو أي نوع من ألوان التعصب الأخرى والمرفوضة كلها، كما نعاني من التعصب الديني، تعصب الإسلام الطائفي (السني أو الشيعي) لاسيما المسيس، وتعصب الإسلام التقليدي المحافظ والمتزمت وغير المنفتح على متغيرات العصر، وتعصب الإسلام السياسي، وقد يلتقي اثنان من هذه العناصر الثلاثة للتعصب، أو قد تجتمع كلها في فريق ما. والبيئة الصالحة لنمو مثل هذه الألوان من التعصب واللاتسامح، هي بيئة الأمية والجهل، وأهمها الأمية المعرفية حتى عند من يقرأ ويكتب، بل عند من يحمل الشهادات الأكاديمية في كثير من الأحيان. وفي مقابل ذلك تكون بيئة التعلم والثقافة والمعرفة المعمقة والمنفتحة وبيئة التطبيق الديمقراطي هي البيئة الصالحة لنشوء ثقافة الاعتدال والعقلانية والتسامح. وهذا مشروع أجيال، لكن يجب أن نسرع في الشروع.
تابع البعض ما يمكن أن ينعت بثمة سجال بينك وبين الكاتب د. فخري مشكور، والذي انتهى بمقالته «خلفية منهج الشكرجي»، وكان القراء المتابعون لهذا السجال أو سمه الحوار بينكما ينتظرون ردا منكم على هذه المقالة، والتي تحدث فيها عما أسماه «تضخيم للإحساس عند الأستاذ الشكرجي بخطورة آرائه وأهمية دوره في عالم الفكر، بحيث تقابله الصحافة كـ(مفكر إسلامي)، وهو لقب ما كان ينبغي أن يسمح الأستاذ الشكرجي للصحيفة بإطلاقه عليه، وهو يعلم أنه يطلق على أمثال محمد باقر الصدر ومحمد إقبال ومالك بن نبي ومحمد أركون وأمثالهم، لكن صديقنا العزيز الأستاذ الشكرجي حفظه الله يرى في نفسه شخصية استثنائية». فكيف ترك مثل هذا الاستنتاج الخطير من غير إجابة منكم، وعدم مناقشتكم لما أسماه « خلفية منهج الشكرجي» التي اعتبرها غير علمية؟ هل تعني عدم الإجابة أنه أفحمكم، أم أنكم لم تروا قيمة فيما طرح، فأعرضتم عن الإجابة، أم كيف نفهم ذلك؟
إعراض عن الإجابة في الواقع هو لا استهانة بالكاتب، ولا عجزا عن الرد، وقد كتبت له رسالة مختصرة بها المعنى، بل أولوياتي لا تسمح لي أن أواصل سجالا إلى ما لا نهاية، فأنت لا تستطيع أن تنجز كل أمر في حياتك إنجازا تاما، خاصة إذا تعددت الاهتمامات، وهذا ما آخذني الكاتب عليه، واستوحى منه ما استوحى. لكني أحب هنا أن أشير إلى مقطع من مقالته المذكورة يتعلق بما جاء في سؤالك. يكتب فخري مشكور:
إن ... أدى إلى تضخيم إحساس الأستاذ الشكرجي بخطورة آرائه وأهمية دوره في عالم الفكر بحيث تقابله الصحافة كـ(مفكر إسلامي) وهو لقب ما كان ينبغي أن يسمح الأستاذ الشكرجي للصحيفة بإطلاقه عليه، وهو يعلم أنه يطلق على أمثال محمد باقر الصدر ومحمد إقبال ومالك بن نبي ومحمد أركون وأمثالهم، لكن صديقنا العزيز الأستاذ الشكرجي حفظه الله يرى في نفسه شخصية استثنائية كما يعبر عن ذلك بوضوح في قوله:
[أما إنه يريدني أن أذكر أسماء بهذا الخصوص، وإلا فيكون قولي مشكوكا فيه، فمن حقه أن يشك، ومن حقي ألا أذكر الأسماء، والسبب إني كما ترى مقتحم أمرا، لا يقتحمه أي شخص].
فراح يستشهد على هذا الاستنتاج الظالم بعبارة، لو قرأ القارئ بأي سياق وردت، أدرك أنه لا يجوز لكاتب وباحث أن يكون متسامحا إلى هذه الدرجة، وهو يحاكمني لعدم علمية منهجي على وفق معاييره، وهي لا تخلو من ثمة صحة، فيستوحى منها هذا المعنى الذي ذهب إليه، بل أقحمها إقحاما، ليسوقها كدليل على استنتاجه الظالم، وأعني الظالم بالنتيجة، ولا أقول بالنية. فإننا إن أحسنا الظن - وعادتي أن أحسن، أو أحاول - فإنه أساء فهم العبارة، ومن هنا جاء تسرعه غير المقصود، ليعرضني للقارئ شخصا قد اختل توازنه من خلال اعتقاده بنفسه أنه شخصية استثنائية. فأجبته موضحا في رسالة لي إليه:
بقولي «أني مقتحم أمرا لا يقتحمه أي شخص»، لم أقصد به يا عزيزي استثنائية شخصيتي وعبقريتي كما فسرت وأوهمت القراء بهذا المعنى، ولست مهتما للدفاع عن نفسي أمام القراء، بل سأترك الأمر، ولكني أردت أن أوضح لك استعجالك بالحكم الذي يتعارض مع الموضوعية العلمية ومع الإنصاف. الذي قصدته أن ما أطرحه من آراء - رغم عدم علميتها وعدم قيمتها عندك - هي خطيرة، لا من حيث القيمة، فالله أعلم بقيمتها، وإنما من حيث ما يترتب عليها من تلقي سهام التكفير المحتملة، ولذا لم أرد أن أحرج الأساتذة كـ ... و... وأقحمهما فيما أقحمت نفسي فيه، فهذا ما لا يقتحمه كل أحد، لأن كثيرين يحملون نفس القناعات التي لدي، أو ما يقترب منها كثيرا، ولكن ليس لديهم جرأة المجازفة. فـ... هو الذي كان يصر على أن أدرس العقائد لحوزة النساء، وكنت أطلعه على بعض آرائي التي أختلف فيها مع المطروح في الكتب المقررة، فيقر لي تدريسها حسب رؤيتي جنبا إلى جنب مع ما هو مثبت في الكتاب المقرر، ويطلب مني أن أهيئ أوراقا بها أوزعها على الطالبات وكنت أفعل ذلك، ومن ذلك إشكالي على دليل اللطف، واستبدالي إياه بدليل آخر، لا يسع الوقت لشرحه. وكان يتحدث الرجل عن منهجي وينعته بكل احترام وجدية، لا مازحا، ولا متهكما، ولا مجاملا، بأنه يمثل (مبنى) خاصا بي. والسيدان ... في كلام لهما مع السيد فضل الله في وقتها ذكرا أن طرحي ومناقشاتي ترتقي إلى طرح ومناقشات وطريقة استدلال العلماء. لا أدري ربما كان هذا الإطراء، خاصة من قبل ...، بسبب أني كنت منهم (داعية)، وأرادوا أن يرفعوا من قيمتي، أو كان مقتنعا به حقا، وأرجح الاحتمال الثاني، لا ثقة بنفسي، وإنما بسبب وجوب حسن الظن بـ...، وعدم اتهامه باللاموضوعية بسبب خضوعه للنـَفـَس الحزبي، لكني أورد ذلك من قبيل الإمكان. المهم أردت أن أبين أن ليس من المسموح لي أخلاقيا أن أحرج ... و... بذكرهما على الإنترنت، لأن هناك من يتصيد بالماء العكر، وقد يحسب طروحاتي التي تقيم عند البعض انحرافا ونكوصا عليهما.
فأين هذا مما ذهب إليه مشكور، مشكورا، لا أدري أو غير مشكور، في هذا المقطع، ومشكورا في كثير غيره. ثم أنا لم أنعت نفسي بمفكر، وليس مطلوبا مني أن أمنع الصحافة والفضائيات أن تنعتني تارة بـ «مفكر إسلامي»، وأخرى «مفكر ديمقراطي»، أو «مفكر إسلامي ديمقراطي»، أو «مفكر عراقي». فلو لم يفعلوا ذلك لما طالبتهم به، ولا توقعته منهم، ولما ابتأست لعدم نعتهم إياي بأحد هذه النعوت. ولكني لا أرى من الواجب علي أن أمنعهم من ذلك، لأن تقدير القضية أمر نسبي، بينما أعترض دائما أو غالبا على أقران اسمي باللقب الأكاديمي (دكتور)، كما ينعتني كثيرون، فأنبه بأني لا احمل هذه الدرجة الأكاديمية. وهنا أقولها إني لا أحمل إلا شهادة هندسة، لا بدرجة دكتوراه ولا حتى ماجستير، بل هي درجة دون البكالوريوس لكنها فوق درجة المعاهد، كون نظام الدراسة في ألمانيا يختلف في ألمانيا عن النظام البريطاني، وأكثر المهندسين هنا هم خريجو الكلية التي تخرجت منها، وبالنسبة لدراسات العلوم الإسلامية، فبمجموعها عدة شهور مكثفة، معها جده شخصي. ولكن تقييم ما يحمل الإنسان من فكر، لا يقاس فقط بما يحمل من شهادات. على أي حال إن لي رسالة أواصلها، وأهل الفكر - والأخ مع احترامي لثقافته ليس منهم – هم الذين سيقيمون قيمة ما أطرح ومدى عمقه وصوابه.
أين ضياء الشكرجي من المخاض السياسي العسير الذي يمر فيه العراق؟
أنا بصراحة لست سياسيا بالمعنى الحِرَفي، لكني أحمل هما كبيرا، وحلما كبيرا، ورؤية سياسية إنسانية، ولي تأثيري الذي أريد أن أوظفه من أجل العراق، ومن أجل رسالة الديمقراطية، ومن أجل رسالة السلام، والمثل الإنسانية. لقد طرحت مؤخرا مشروعا، ليس من أجل أن يقال عني أني صاحب مشاريع، بل لإيماني بأهميته وبإمكان تحقيقه، رغم الصعوبات التي تقف في طريقه، سبق أن طرحته في كثير من المحافل، ولمست ما لاقاه من اهتمام. المشروع يتلخص بجمع القوى السياسية الديمقراطية الوطنية المعتدلة غير الطائفية وغير المسيسة للدين، في كيان سياسي توحيدي غير مؤدلج. ولي اتصالات مع شخصيات مهمة ومؤثرة، بدأت قسما منها وسأواصل ما لم أباشر به منها. فإن تحقق هذا المشروع، فهو ما أرى فيه أملا كبيرا لتغيير المعادلة السياسية لترجيح كفة الديمقراطيين، وإلا فكبديل، طرحت فكرة تعديل النظام الداخلي والاسم للتجمع الذي بادرت إلى تأسيسه في أواخر 2005، وهو «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين» ليكون تجمعا ديمقراطيا وطنيا من غير إضافة إيديولوجية، والذي يمكن أن تكون له آفاق لو توفرت الظروف المواتية. وبموزاة ذلك أسعى ليس وحدي بل مع آخرين لتكملة الشوط في تشكيل إطار لتحالف القوى الديمقراطية التي لا يمكن جمعها في كيان سياسي واحد (حزب واحد). وهناك جهود بذلتها لجنة دعم الديمقراطية في لندن والتي دعتني أن أسهم في عملها بحدود متواضعة، فالجهد الأكبر كان لهم، والتي آلت إلى عقد مؤتمر في أربيل، انبثقت منه لجنة تحضيرية مهمتها التحضير لمؤتمر تأسيسي، تلكأ عملها هي الأخرى، ولكن هناك مساع جدية من قبل لجنة دعم الديمقراطية لتفعيلها. كما كانت لنا مساع بهذا الاتجاه، عندما كنت ما زلت في بغداد، بين تجمعنا تجمع الديمقراطيين الإسلاميين وكل من التيار الإسلامي الديمقراطي والتحالف الوطني الديمقراطي والحزب الوطني الديمقراطي، ربما نسعى لإحيائها. وفي الواقع هي سلسلة مخاضات وجهود ومشاريع تصب في نفس المصب، وآمل أن نحقق أي شيء بهذا الاتجاه. ومؤخرا نشرت الرسالتان المتبادلتان بيني وبين السيد نصير الجادرجي بخصوص هذا المسعى. فسعيي المتواضع يسير بعدة اتجاهات؛ مشروع تأسيسي، مشروع توحيدي، مشروع تحالفي. وأرى أن يسارع الديمقراطيون الوطنيون في تشكيل تحالفهم العريض من جهة، وأن يتحلى قادة الأحزاب ذات الرؤى المتقاربة بالتجرد والإيثار ويتخذوا الخطوة الشجاعة في توحيد أنفسهم في حزب واحد من جهة أخرى، وهذا ممكن إذا توفرت الجدية والإيثار وبعض الإمكانات. وأدعو من هنا مرة ثانية السادة مهدي الحافظ ونصير الجادرجي وحسين العادلي وعبد فيصل السهلاني وغيرهم، أن تعالوا نجمع كل الشخصيات الأخرى المؤثرة والديمقراطية والنزيهة وغير المستقتلة من أجل المناصب وغير الطائفية وغير المسيسة للدين، لننطلق بحزب عريض يقوم على الثوابت والمبادئ التي نحن متفقون عليها، وقد اتفقنا عليها فعلا بأسس مكتوبة من غير أن نختلف اختلافا جوهريا في أي من المبادئ، بل هناك اختلاف في الوسائل والآليات والهيكلية، ومن المعيب علينا أن يعيقنا الاختلاف فيما هو غير جوهري عن تحقيق ما هو جوهري، وربما ما تتوقف عليه مصالح وطنية عليا له مردودات مستقبلية كبير.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::