قصة الإخوة عابد وعاقل وحائر
كن غبيا يرضَ الله عنك
قصة من الخيال، تكمن وراءها ثمة فكرة. أعتذر، إذ لست روائيا، ولم أفكر أن أخوض هذا المضمار، بل كانت لدي أفكار، رأيت أن أفضل ما يمكن أن تصاغ بها هي هذه القصة. كتبتها لأول مرة في 04/08/2007، ثم عدت قراءتها وعدلت فيها وأضفت إليها ثلاث في 15/08/2007، وفي 19/08/2007، واليوم في 26/09/2007. أرجو من الأساتذة والأستاذات كتاب وكاتبات القصة أن يعذروني لاقتحامي ما لا تجربة لي فيه، كما أرجو ممن يجد الوقت في أن يتحفني بنقده، حتى لو كان بصورة نصيحة في ألا أكرر المحاولة، أكون شاكرا لهم. وملاحظة أخرى أني عندما اخترت لشخصيات القصة أسماء رمزية، لا يعني أني أرى أن كلا منهم يجسد تلك الصفة التي يوحي إليها اسمه، بما أرى أن تتجسد تلك الصفة، كفهم فهمان، وعبادة عابد، وعقلانية عاقل، وحيرة حائر، بل كل من تلك الصفات تمثل ملمحا بارزا على نحو النسبية، وبحسب ما هو متعارف عليه في العموم. اليوم في 26/09/2007 وصلت إلى قرار أن أجازف، فأنشر محاولتي هذه، راجيا النقد البناء لمن يحب.
الشيخ فهمان آل زين العشاير كان الولد البكر لشيخ عشيرة زين العشاير. وكان بالتالي عرفا من الطبيعي أن تؤول المشيخة بعد أبيه إليه، علاوة على أنه كان بشهادة الجميع يتمتع بكل مؤهلات المشيخة، إلا أنه كان زاهدا فيها، ولذا رشح الابن الأكبر لأكبر أعمامه لرئاسة العشيرة بعد أبيه، باعتبار هذا العم المتوفى كان الأكبر من بين الإخوة، إلا أنه توفي قبل أبيه، مما جعل المشيخة تؤول إلى والد فهمان الشيخ حكيم. وكان يعلل ذلك، أنه لولا القدر الذي شاء أن يختطف الموت عمه قبل وفاة جده، لآلت المشيخة إليه، ومن بعده لابنه الأكبر هذا الذي رشحه بدلا عنه لرئاسة العشيرة. وهو رغم تخليه عن المشيخة كان يُعامَل من قبل الجميع وكأنه هو شيخ العشيرة. وهذا لم يسبب لتعكر صفو العلاقة بينه وبين عمه الشيخ الجديد، إذ كان من جهته يحاول أن يحيل الناس إلى ابن عمه فيما من شأنه أن يرجع به إلى شيخ العشيرة، والشيخ هذا ابن عم فهمان، كان هو الآخر لا يتحسس من حظوة ابن عمه بين أفراد العشيرة والعشائر الصديقة، لأنه كان يشعر بأنه ذو فضل عليه، فلولاه لما آلت المشيخة إليه. من هنا كان مضيف الشيخ فهمان، رغم كونه ليس بشيخ العشيرة، ملتقى لوجوه العشيرة ووجوه العشائر الصديقة المجاورة. كان يتمتع بحكمة حاضرة لكل حادث وفي كل حديث، وكان يتمتع ببلاغة وبيان، ويحفظ الشعر وينظمه أحيانا. كان باختصار يتمتع بكل ما يتمناه المرء؛ مكانة اجتماعية مرموقة، يحترمه ويحبه القاصي والداني، الصغير والكبير، الرجل والمرأة.
وكانت لفهمان آل زين العشاير هذا زوجة اسمها طِيبة، اشتهر عنها بين أبناء تلك القرية وأبناء القرى المجاورة القول بأن «طِيبة طـَيْبة». كانت معروفة برجاحة عقلها وحبها للناس، تفرح لأفراحهم وتشاركهم أحزانهم، وتواسيهم في الشدائد. أما بالنسبة لزوجها، فعلاوة على كونها زوجة كما يكاد كل رجل يتمنى، كانت له علاوة على ذلك صديقة، ونديمة شعر، ومستشارة؛ يحبها وتحبه، وتملأ حياته سعادة، كما يملأ حياتها سعادة. وكان الشيخ فهمان يعطي زوجته طيبة هذه مكانة اجتماعية خاصة، خلاف الأعراف السائدة آنذاك، بحصر مهمة المرأة في شؤون المنزل، وتربية الأطفال، وتوفير مستلزمات كل الراحة لزوجها، وتبييض وجهه أمام ضيوفه في إعداد موائد الطعام المتنوعة، والمشتملة على كل ما لذ وطاب. من بين أقرانه كان الشيخ فهمان الوحيد الذي يشمر عن ساعديه، ليعين زوجته في أعمال المنزل وخدمة الضيوف. علاوة على ذلك كان يقحمها إقحاما في الشأن الاجتماعي والأدبي، على سبيل المثال فيما كان يُقام من ندوات شعرية، لأنها كانت هي الأخرى حافظة وناظمة وناقدة للشعر، وملمة بأنواعه كلها، وعارفة بجل الشعراء والشاعرات، بل هذه الخصلة كانت في البداية أول ما اجتذبه فيها، حيث تحول الإعجاب إلى اجتذاب، ثم إلى مشاعر حب، فهما عاشا قصة حب قبل زواجهما في حدود ما تسمح به الأعراف.
كذلك كان يقحمها في المشاركة في الندوات التي تناقش القضايا الاجتماعية، من إصلاح بين الأسر المتقاطعة، أو فك لنزاع بين القبائل، أو غيرها من الشؤون الاجتماعية التي كانت عادة حكرا على الرجال. ولكن هذا الرجل وبحكمته وذكائه، وبشخصيته المؤثرة في المجتمع، استطاع أن يُعوِّدهم على مخالفة المألوف والموروث في هذه القضية وفي كثير من قضايا أخرى، والغريب إنهم ورغم محافظتهم وتمسكهم الشديد بأعراف العشيرة، كانوا يحترمون مخالفته هذه للمألوف، كما لو كانوا قد ألفوها خلفا عن سلف وأبا عن جد، وذلك لما كانت هي من جانبها تملك من شخصية قوية وحكمة وبلاغة، تتفوق فيها على كثير من الرجال، بما فيهم الوجهاء، مما كان يجعل الرجال عند حضورها بينهم ينسون نظرتهم الدونية للمرأة، ويتعاملون معها ككفء لهم، وكواحد منهم.
مع كل هذه الحظوة في المجتمع والسعادة في الزواج، كان هناك شيء واحد ينقص الشيخ فهمان وزوجته طيبة من مستلزمات السعادة، ألا هو الذرية. فقد بقيا أكثر من عقد من الزمن يتمنيان أن يرزقهما الله بأطفال، وكان بالنسبة له شخصيا لا فرق بين أن يكون الطفل ذكرا أو أنثى، خلاف الأعراف السائدة، لاسيما لمن هو في موقعه من جاه اجتماعي، وذلك في تمني الأولاد الذكور، وإن كانت هي تتمنى أن يرزقهما ذكرا، ليكون عضدا لأبيه.
ولطالما كان الناس يحثونه كالعادة على الزواج بزوجة ثانية، لعل الله يرزقه ولدا منها. لكن تعلقه بزوجته طيبة كان يمنعه من الرضوخ لهذا الإلحاح، لأنه لم يكن ليسمح لنفسه، أن يكون سببا لإيذائها، ولو قيد شعرة، إضافة إلى أنه كان دائما راضيا بما يرزقه الله، ويعتبر التذمر في مثل هذه الحالة خلافا للتوكل عليه، والرضا بقضائه، والشكر له سبحانه على كل ما رزقه من نعم، باستثناء الذرية. بل كان يرى حتى في هذا المنع ثمة نعمة خفية، إذ كان يقول دائما: من يدري لعل الذرية كانت ستكون لي نقمة، أكثر مما تكون نعمة، ولعل الله سبحانه قد أراد بي خيرا، بمنعها عني، تلطفا منه بي، وكان يخاطب الله سبحانه بالدعاء المأثور «لعل الذي أبطأ عني هو خير لعلمك بعاقبة الأمور».
ثم إنه لم يكن مقتنعا أصلا بأن سبب عدم الإنجاب يكمن في زوجته، لأن أسرته عُرفت بعقم الرجال، دون النساء، ولذا كان يحتمل أن يكون السبب فيه هو، وليس في زوجته، وكان يتحدث في هذا الأمر بدون أي حرج، رغم أنه يُعتبر عرفا نوعا من المثلبة في رجولة الرجل أو في مكانته الاجتماعية، إذا قيل عنه أنه عقيم، فكيف إذا كان هو بنفسه يروج لهذه المعلومة، حتى لو لم تكن إلا على نحو التخمين والاحتمال، وهو عند كان احتمالا راجحا، فالطب لم يكن قد تطور آنذاك لمعرفة سبب عدم الإنجاب، أفي الزوج هو أم في الزوجة. وبقطع النظر عن فيمن كان السبب، كان يردد: «والله حتى لو نزل عليّ جبريل، ليخبرني أن العقم في زوجتي، وليس فيّ، وأني سأرزق بذرية حال تزوجي بزوجة ثانية من تلك الثانية، لا والله لما تزوجت عليها، فبرها أحب إلي من السعادة التي تتحقق بالذرية، فأقل ما أرد برها بي أن أبرها، وهذا ما لا يسمح لي بإيذائها حتى فيما أحله الله لي وفيه سعادتي».
وفي يوم من أيام الربيع، وكان قد مر أكثر من عقد على زواجهما، وبينما كان الشيخ فهمان عائدا من أحد مضايف القرية، إذا بزوجته طيبة تستقبله بوجه ملؤه البشر والسرور، فهي وإن كانت قد عودته أن تستقبله دائما ببشر وجهها وابتسامتها التي لا تغرب عن وجهها حتى في أشد حالات شعورها بالتعب، إلا أن انبساط سرائرها كان باديا على عينيها اللتين ازدادتا بريقا، وعلى كل ملامح وجهها زيادة على عادتها. من الوهلة الأولى لاحظ على زوجته فهمان فرحها ما هو فوق الاعتيادي هذا، فسألها عن سر ما يجعلها بهذه الحالة المنشرحة. قالت:
- جاءتك هدية.
- هدية مِن مَن وما هي؟
- هدية ممن هو معروف بكرمه.
- بالله عليكِ أخبريني ما هذه الهدية التي تجعلكِ سعيدة إلى هذه الدرجة؟
- قبل أن أخبرك بالهدية، فإن الباعث بهديته هذه إليك اشترط شرطا عليك أن تقبل به.
- عجيب، وهل الكريم يشترط على الهدية شروطا؟
- لا، والمعاذ بالله، ليس شرطه مما يتعارض مع الكرم، فشرطه فقط أن تودع هديته عندي، وأبقى مؤتمنة عليها لتسعة أشهر، قبل أن تكون بين يديك، فهل ترضى بالانتظار؟
ثم مرت ثوان لم يقل فيها شيئا، كما توقفت هي أيضا عن الكلام، وكأنهما استعاضا عن كلام اللسان بكلام وحوار عيني كل منهما. إذ حق بعينيه في وجهها برهة بنظرات فيها تأمل وسرور واستفهام، وردت هي عليه بنظرة فيها إيجاب على ما تستفهم عيناه عنه، وفيها ما يوحي بالتهنئة، مغمضة عينيها وكأنها تقول له: نعم هو ما تفكر به وتستفهم عنه، هو الحلم الجميل القديم، الذي كدت تكف عن أن تحلم به. قرأ كل هذه الكلمات في بريق عينيها، وفي إغماضتهما، ثم تلؤلهما بدموع الفرح، فما كان منه إلا أن أخذها بقوة؛ لكنها قوة فيها رقة ودفء، ثم قبلها، بين وجنتيها، من رأسها، على شفتيها، ومن كل مكان من وجهها، ورمق السماء، رمقة شكر وامتنان، وتمتم بكلمات الشكر لله، راح يكرر «شكرا لك ربي، شكرا لك ربي، شكرا لك ربي، ... »، ثم يعقب بقوله: «ما أعظم كرمك رب إذ أجبت لنا دعواتنا، بعد أن تسرب إلينا اليأس، وسلمنا للأمر الواقع، وما أحبها من مؤتمَنة ومستودَع ائتمنت واستودعت عندها هديتك». وظل يكرر عبارات الشكر لله مرات ومرات، ويعود فيقبل زوجته، وتقبله، ويرمقها تارة فيقول لها «شكرا»، ثم يرمق السماء تارة أخرى، فيقول لربه «شكرا».
وبعد مضي فترة ائتمانها على الهدية، بعد تسعة أشهر من الحمل الخفيف، كان الحدث السعيد، كانت ولادة يسيرة، وكان المولود ذكرا. كم كانت فرحتهما به عظيمة، وتعبيرا منهما عن شدة استشعارهما لمنة الله عليهما، وعظيم شكرهما له سبحانه، اختارا لمولودهما أن يكون اسمه (عابد)، أملا منهما أن يكون عابدا لله شاكرا له، تعبيرا عن شكرهما هما له سبحانه على هديته.
ومرت أيام وأشهر، وهما يرقبان نمو هذا المولود الجميل، وهما يحنوان عليه بكل حنو الأمومة والأبوة، وبينا هما يعيشان سعادتهما بهذا المولود الذي انتظراه طويلا، سرعان ما أحست بحملها الثاني، فاستقبلاه بين التصديق بواقع جميل، وبين الإحساس وكأنهما يعيشان حلما جميلا. وبعد سنة رزقا بمولودهما الثاني، وجاء ذكرا هذه المرة كذلك، بالرغم من أنهما، وهو بالذات كان يتمنى أن يكون القادم هذه المرة أنثى. وعند قدوم الجديد الذي فرحا به كفرحتهما الأولى، أصرت أن يختار هو اسم مولودهما هذه المرة أيضا، ولكونه كان يحب مجالسة العقلاء، ويستزيد منهم، ويأنس برفقتهم، اختار أن يكون اسم مولودهما الثاني (عاقل).
ومع بلوغه السنة جاء الثالث، ومرة أخرى جاء ذكرا، رغم رغبتهما الشديدة في أن يُرزَقا ببنت، لكنهما كانا مع هذا يشكران الله على هذه النعمة العظيمة، التي كانت بحق حلما جميلا، كانا قد أوشكا أن ييأسا من تحققه، وإذا به يتحقق بالتوالي. وكانت هذه المرة أمامهما مجموعة غير قليلة من الأسماء طرأت على ذهنيهما أثناء فترة الحمل، أو اقترحت عليهما من هذا أو ذاك، وهذه أو تلك من الدائرة القريبة من الأقرباء والأصدقاء، لكنهما بقيا حائرَين بين كل هذه الأسماء التي بين أيديهما. فقالت له زوجته:
- أسيبقى ابننا هذه المرة بلا اسم؟
- اختاري أنتِ له من بين هذه الأسماء، أو من غيرها.
- بصراحة لا أدري، لم لا تختار أنت؟
- حائر.
- أتريد أن نسميه حائر؟
- لا، لا يا امرأة، إنما أقول لكِ أنا حائر.
وإذا بها تقوم بحركة، وكأنها ألهمت فدأة إلهاما بحل قد هبط عليها من السماء، فقالت:
- وما المانع؟
- ما المانع من ماذا؟
- بعيدا عن المزاح، ما المانع من أن نسميه حائر؟
رغم تأكيدها أنها لا تمزح، تصور مع هذا لبرهة أنها إنما تمزح، ولكنها سرعان ما بينت له سبب ميلها إلى هذا الاسم، فانبرت تشرح له مبررات ميلها لهذا الاسم، كمن يشرح نظرية قد توصل إليها بعد تأمل:
- الحيرة يا أبا عابد تبدو أحيانا وكأنها حالة سيئة، ولكن الحيرة التي تعبر عن التطلع دائما إلى ما هو أفضل، والبحث عما هو أصوب، وعن قلق الاختيار لما هو أصلح، فيه معنى جميل. أليس كذلك؟
تأمل في كلامها، ونظر إليها، فقال:
- يا أم عابد عرفتكِ ذكية، كما عرفت لكِ خصالا حلوة كثيرة، لكني بصراحة يا طيبة لم أعرفكِ فيلسوفة.
فضحكت ضحكتها العذبة، قائلة:
- بعد كل هذا العمر الآن اكتشفت زوجتك؟
- نعم والله الآن فقط التفت إلى حقيقة انكِ فيلسوفة أيضا.
والتفت إلى مولودهما وخاطبه برقة:
- ولدي حائر، لا حيّرك الله.
ثم التفت إليها وقال:
- نعم يا طيبة يا أم عابد ليكن اسم ابننا هذا حائر، فلعل الله يجعل من حيرته عامل إبداع، فيكون مبدعا بحيرته إن شاء الله، ويكون فيلسوفا مثل أمه، ويكون ذا شأن كبير، هو بإبداعه الناتج عن حيرته، وأخوه الأكبر بعبادته، والثاني بعقله.
وكان حائر هذا هو المولود الثالث والأخير. وأخذ عابد وعاقل وحائر، وبين كل منهم من الفارق في العمر ما لا يزيد على السنة، أخذوا يكبرون، ويملؤون حياة أمهما وأبيهما فرحا وسعادة.
لكن لم تدم هذه الفرحة طويلا، إذ أصيب أبو عابد فجأة بنوبة قلبية، سرعان ما قضى على أثرها نحبه، فكانت صدمة كبيرة على زوجته وعلى الإخوة الثلاثة، وخيم على طيبة الحزن، الذي كانت تحاول أن تخفيه عن أطفالها، وتغسل وسادتها بدموعها عندما تخلو ليلا بنفسها في السرير، الذي كانت تفتقد فيه من كان إلى جوارها طوال كل تلك السنين السعيدة، وكان عزاؤها في حزنها أولادها الثلاثة عابد وعاقل وحائر، الذين بقيت ترعاهم، وترى فيهم امتدادا لأبيهم زوجها الفقيد الحبيب فهمان، كما وترى أمانته عندها، مما يجعل رعايتها لهم بأشد من مما كانت عليه في حياة زوجها، لأنها أرادت أن تكون لهم أما وأبا في آن واحد، علاوة على أنها كانت ترى فيهم امتداده من جهة، وأمانته المستودعة عندها من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة ترى فيهم عزاءها الوحيد في مصابها بفقد الزوج والحبيب والصديق.
لكن حتى هذا لم يُترَك لها طويلا، فأعراف العشيرة القاسية كانت تحتم أن تؤول تربية الأولاد الذين يفقدون أباهم إلى جدهم من أبيهم، وإلم يكن على قيد الحياة فإلى أحد إخوته، أي لأحد أعمامهم. ولذا ما أن مرّت سنة على وفاة زوجها، وكانت (طِيْبة)، أو (أم عابد) كما كانت تسمى، مُخيَّرة بين أن تتزوج شيخ العشيرة عم أولادها الأكبر، أو تتخلى له عن تربيتهم. وبالرغم من أنها كانت لا ترغب في الزواج بعد زوجها وصديقها وحبيبها وأبي أولادها، إضافة إلى أنها لم تكن مقتنعة بشخصية الشيخ شقيق زوجها هذا، فإنه كان يختلف عن أخيه في كل شيء تقريبا، لكن حرصا على أن تكون قريبة من أولادها، ولإلحاح من القريبات منها من النساء، قبلت بهذا الزواج.
لكن الغرض من قبولها بهذا الزواج لم يتحقق لها كما كانت تحب، فالزوج الجديد، عم الأولاد الشيخ كان لا يسمح لها بمباشرتها لتربية أولادها، بل كان يأخذهم في أكثر الأوقات إلى عماتهم، وكان هو مهملا لهم تماما، ولم يتعب نفسه في تربيتهم، فنشؤوا من غير رعاية، لا من أب، ولا من أم، فالأب الجديد، العم وزوج الأم كان مهملا لهم كل الإهمال، ومن جهة أخرى كان يحول دون مزاولة أمهم لرعايتها لهم. ولكن مع قلة الفرص، كانت تحاول طيبة استثمار كل فرصة منها، لتزرع في نفوسهم ما تحب، وما كان أبوهم يحب لهم أن يزرع في نفوسهم من مُثل.
وبسبب شبه الانعدام لرعاية من أم أو أب، وبمجرد بلوغهم سن الشباب، شق كل منهم طريقه بشكل مستقل عن العائلة، وعن بعضهم البعض، وإن كانوا ظلوا يبرون أمهم، ويتواصلون فيما بينهم بشكل محدود.
وكأن الأسماء التي اختارها لهم أبواهم، كانت تمثل قدرهم، إذ كان يمثل كل منها المَعلـَم الأساسي لشخصية حامله. كان (عابد) معروفا بكثرة العبادة وبتشدده في التدين، إلى درجة قد تقترب من التزمت، وكان مولعا بأداء جُلّ النوافل من صلاة، وصيام، وزيارات، وارتياد للمساجد، واستماع إلى العلماء، ومعاودة تكاد تكون سنوية للحج، وكذلك للعمرة، وكأن تلك النوافل غدون بمثابة الفرائض الواجبة عليه، يحرص بشدة على عدم تركها، علاوة على أنه كان مولـَعا بقراءة الكتب الدينية، من كتب تفسير وسيرة وفقه وغيرها. لكن قراءته كانت من لون واحد، هو اللون التقليدي المحافظ، ولم يكن يحب أن يقرأ كتابا في ثقافة عامة، ولا حتى كتابا دينيا مخالفا في طرحه للمألوف، فكان يتجنب قراءة كتب المجددين، بل كانت أسماء هؤلاء المجددين إما غير معروفة رغم عظم شأنهم، وإما كانت لديه صورة سلبية تجاههم، تقترب من الانحراف، أو لا أقل عدم الأصالة.
والأخ الأوسط (عاقل) كان فعلا يُذكـِّر الناس بأبيه، من حيث رجاحة عقله وحكمته وذكائه، وإن كانت عقلانيته تقترب من الحالة التقليدية، لكن من غير تزمت كما هو الحال مع أخيه الأكبر. أما تدينه فكان تدينا متوسطا، يكتفي بالفرائض ولا يعير كثير اهتمام للنوافل والمستحبات، وربما يتخلل التزامه بين حين وآخر شيء من التسامح.
والأخ الأصغر (حائر) كان بحق الحائر المتمرد. فهو من جهة كان يتمتع بذكاء يقترب من ذكاء عاقل، بل يفوقه في العمق، ولكنه كان ورغم ما يتصف به من أدب جم وأخلاق عالية ونوع من الحياء، بالرغم من ذلك، كانت في داخله ثمة بذور للتمرد، التي كانت تطفح إلى الخارج بين آونة وأخرى في سلوك أو تعبير ما. وكان كاسمه حائرا في كثير من الخطوات التي يريد أن يتخذها في حياته، وكان يعيش قلق مراجعة الأعراف السائدة، ويرفض الكثير منها، ويحاول أن يثير التساؤلات على مدى صحة الكثير من الأعراف والتقاليد. وكان في سلوكه وانفتاحه على الثقافات الحديثة والمتنوعة أقرب إلى ابن المدينة من ابن الريف وابن العشائر. وكان من ناحية التدين يراوح بين الالتزام وعدم الالتزام، فتراه حتى في هذا المجال حائرا، حائرا في إيمانه، وحائرا في التزامه.
وهذا ما كان يقلق أخاه الكبير عابد، الذي كان يحبه ويشعر بثمة مسؤولية أبوية تجاهه، رغم أن فارق العمر لم يكن كبيرا، وكان حريصا عليه، ويفتخر من جهة بذكائه، ولكن يشعر أن روح التمرد عنده تسبب أحيانا الحرج للأسرة، كما تمثل مصدر قلق يعيشه عابد تجاه أخيه حائر. فقرر يوما أن ينصح أخاه، حرصا منه عليه وعلى سلامة دينه، فأخذ يعظه ويعاتبه لتسامحه في بعض التزاماته الدينية، وفي إهماله أحيانا حتى لصلاته، أو أدائه لها بشكل سريع وفي آخر وقتها، بل سرعان ما كان يطوي سجادته، ليتناول كتابا من الكتب التي كان يرى فيها أخوه عابد أنها غير نافعة، ويتمنى لأخيه أن يعير اهتماما أكبر لتلك الكتب التي تعطي لقارئها معرفة أوسع وأعمق بدينه، مما يحتاجه لآخرته ولدنياه. وبقي ينصحه ويعظه تارة، ويعاتبه أو يعنفه بحكم العلاقة الحميمة بينهما أخرى، وهو يسرد له تقصيره في العبادات، فهو لم يره يوما أطال في الدعاء، أو تردد على مسجد، أو حضر مناسبة دينية، ونادرا ما يسافر للزيارة، ثم إنه لم يؤد حتى الآن فريضة الحج.
وكان حائر يتجنب الدخول في التفاصيل مع أخيه، كما ويتجنب الدخول معه في سجال وأخذ ورد، لذا كانت إجاباته مختصرة ومقتضبة وغالبا غير مباشرة، فيقر لعابد صحة البعض من ملاحظاته، أو يسكت عن بعضها الآخر، أو يعطي مبررا هنا أو هناك، أو يعده بالاهتمام بنصائحه، وإن كانت روح التمرد تطفح بين الحين والآخر.
بعد أن ازداد قلق عابد على أخيه حائر، ولم ير منه تغيرا باتجاه ما يراه الأصلح له والأسلم لدينه، فكر أخيرا أن يكون أكثر صراحة مع أخيه. وقدم له مقدمة يذكره فيها بمدى حبه له وحرصه عليه، وإنه يريد هذه المرة أن يكون أكثر صراحة ووضوحا، طالبا منه أن يعده بتقبل وتحمل هذه الصراحة. فوعده حائر بذلك، مذكرا إياه بقوله: «أخي عابد يفترض أنك تعرفني وتعرف كم أحب الصراحة، ولا أحب اللف والدوران، فقل كل ما عندك بلا استثناء وبلا تردد.» وكأنه كان يخمن طبيعة الموضوع الذي يريد أ يطرحه معه أخوه، وبالرغم من أنه كان يتمنى ألا يدور بينهما حوار حول هذا الموضوع، استجاب تلبية لرغبة أخيه، وأملا في أن توضع نهاية له. فبدأ عابد يبين له كيف أنه يحس منه أنه يعيش الشك في كثير من مقولات الدين، بل حتى في بعض الضرورات التي لا ينبغي الشك بها، فأخذ يعظه ويحذره من مغبة الوقوع في الشك، وما يختزن ذلك من مخاطر جمة لا ينبغي له الاستهانة بها. وفجأة شعر حائر بالحاجة لتجاوز ما يحول بينه وبين التحدث إلى أخيه عابد بشيء من الصراحة، أكثر مما اعتاد أن يفعله، فقال له حائر:
- يا أخي يا حبيبي عابد، كما أردت أن تكون صريحا معي، وأنا شاكر لك ذلك، لأني دائما أتمنى أن تكون الصراحة أساسا للعلاقة بيننا وفي كل شيء. أنا بدوري أريد أيضا أن أكون صريحا، وأرجو منك أنت أيضا أن تتقبل صراحتي.
- هذا بالذات ما أريده.
- أخي، افرض عندي شك في بعض الأمور، فالشك لا يأتي أو يمنع بشكل إرادي، بل هو ينبعث تلقائيا، ومن غير إرادة صاحبه.
- لكنه لا يأتي إلا من خلال كثرة التفكير، فإني أراك تفكر كثيرا، وتـُعمل عقلك في قضايا الدين أكثر مما ينبغي، وهذا - وأرجو ألا تسيء فهمي - إنما هو - صدقني - مدخل من مداخل الشيطان.
بدا حائر مترددا وحائرا، لا يدري كيف يصوغ عباراته كي لا يساء فهمه، فقال:
- أنت تعرفني، وتعرف كم أتحرج عندما يمتدحني الآخرون، وعمري لا أحب أن أمدح نفسي، ولكن دعني أخالف ذلك لمرة واحدة، فأقول لك لا ما أفكر به أنا بنفسي، بل ما يقوله كل الناس عني، فالكل يقول عني أني ذكي ومتوقد العقل، وربما يمتدحونني في ذلك بأكثر مما أستحق، ولكن لا بد أن يكون في ذلك شيء من الصواب، والمشكلة في الأذكياء أنهم لا يستطيعون إلا أن يفكروا ويتدبروا ويتأملوا، وهذا أمر ليس بأيديهم، وبالنسبة لي فهو أيضا ليس بيدي، وبالتالي يقودني هذا التفكر والتدبر والتأمل إلى أن تثار في داخلي أسئلة، لا أملك أن أطردها، ولا أجد لها إجابات لا عندك ولا عند العلماء بما يشفي غليلي ويقنعني، وربما العيب فيّ وليس في العلماء، وهذا كله يا عزيزي عابد مما يجعل الشك ينبعث في نفسي.
- إذن وهذا ما أريد منذ وقت طويل أن أقوله لك، ولو إنك ربما لن تتقبله، أقول أليس هذا بدليل على أن كثرة تفكيرك وإعمال عقلك هو - واعذرني - مدخل من مداخل الشيطان، فالشيطان من شأنه أن يُزّين للإنسان خطأه، لأصحاب الأهواء بهواهم، ولأصحاب الذكاء بذكائهم، بل حتى أحيانا لأصحاب التقوى يأتيهم بمبررات التقوى من هنا ...
- إذن تقواك وتدينك يمكن أن يكون أيضا مدخلا للشيطان.
- هذا ممكن، لكن دعني أبين لك أنه من هنا، أقول بما أن الشيطان يمكن أن يدخل للذكي من خلال ذكائه، نعم وللمتدين من خلال تدينه أو تقواه، وهذا ما يمكن أن نتناوله بعد ذلك، لكني أقول بالنسبة للذكاء، لاسيما ذاك الذي هو فوق العادة، وأرجو أن تحاول أن تفهمني بشكل دقيق ولا تسيء فهمي، أقول من هنا فإن حتى الذكاء، حتى ذكاءك أنت بالذات على سبيل المثال، صدقني، ولا تستغرب من كلامي، نعم حتى ذكاءك، هو من مداخل الشيطان، وبالتالي يمكن أن تتحول هذه النعمة إلى نقمة، وتكون من أشد المحرمات، لأن بعض النعم تكون بمثابة الابتلاء والامتحان والفتنة، إذا ما وظفت بالاتجاه الخطأ، ولو من حيث لا يشعر صاحبها، - فتتحول، كما يمكن أن يتحول ذكاؤك - ولا تتأذى من صراحتي - إلى رجس من الشيطان، صدقني، هذا ممكن، وإنما أقولها من شدة حرصي عليك، فأنت تعلم ما تعني أنت بالنسبة لي.
بقي حائر برهة من الزمن صامتا، تارة ينظر إلى وجه أخيه، وتارة ينظر إلى الأرض، أو يتشاغل بنظره إلى شيء آخر، ولكن تنفس أخيرا بعمق، وكأنه يستجمع أشياء كثيرة من أعماق دواخله ليطلقها من أسرها إلى الهواء الطلق