حوار الأعداد
ضياء الشكرجي
الموضوع كتب في نهايات التسعينات في ألمانيا وباللغة الألمانية من خلال تأملات في الفترة التي كنت أدرس العقائد بالألمانية لعدد من الطلاب والطالبات المسلمين من جنسيات مختلفة بما فيهم من الألمان، وفي تشرين الثاني 2005 (رمضان 1426) باشرت بترجمته مع موضوع ثان كنت أيضا بالألمانية في نفس الفترة عن فلسفة الأعداد وفلسفة الألوان. وتمت مراجعته النهائية في مطلع 2006.
الصفر:
إنكم تدعون أني لست أكثر ولا أقل من كوني لاشيء. وسأريكم ما الذي يستطيع أن يقوم به هذا اللاشيء، مما لا يقوى عليه أي منكم. صحيح أني لا أغير شيئا من العدد الذي أجمع إليه أو أطرح منه. ولكن حالما تجرب قدراتي في عملية الضرب، وحالما أقترب من أي عدد، مهما كان حجمه بعملية الضرب، تجدون أن ذلك العدد، مهما بلغت عظمته، ينهار أمامي كليا، ويتحول إلى لاشيء بالمرة. وبالعكس إذا ما قاربت عددا مهما كان ضئيلا وحقيرا وغير ذي أهمية بعملية قسمة أكون فيها المقسوم عليه، تجدني أحوّل ذلك العدد المحدود إلى المطلق اللامحدود، إلى اللانهاية.
اللانهاية:
ولكن أيها الصفر لا يأخذك الغرور في قابلياتك، فأنت مهما استطعت أن تفعل مع سائر الأعداد، لا يمكنك أن تـُحدث علي أي تحول، فإني أتحداك في أن تعدمني وتحولني إلى لا شيء، كما ادعيت قدرتك على فعله مع كل الأعداد، ناهيك عن عجزك عن أن تحولني إلى ما أنا عليه، أي إلى لانهاية. فلا شيء يمكن أن يغيّر فيّ شيئا، حيث مهما جمع إلي أو طرح مني، ومهما تعرضت لأي عملية حسابية، سأبقى أنا اللانهاية، سأبقى المطلق اللامحدود.
الواحد:
أما انا فلا أريد أن أدخل معكما أو مع أي منكما أنتما الاثنين في نزاع أو سجال. أنا من عموم سائر الأعداد الأخرى العدد الأكثر تواضعا، رغم أني أمثل الوحدة العددية الأساسية. فأنت أيها الصفر، وكما عبرت عن نفسك، تبقى وتبقى دائما ومهما حاولت لا شيء آخر غير أنك لاشيء. من الممكن القول أني في كل من عمليتي الضرب والقسمة لا أستطيع ان أظهر قابلياتي، حيث أكون عديم التأثير، رغم أن نفس هذه الحقيقة تمثل عنصر قوة بالنسبة لي، إذا ما نظر إليها من زاوية أخرى. فمعي تشعر جميع الأعداد عندما تكون قريبة مني في عملية ضرب أو قسمة بالاطمئنان والثبات. ولكن بمجرد أني أستخدم للجمع أو الطرح، أكون قادرا على تغيير العدد إلى ما هو أعلى وأكبر، أو إلى ما هو أدنى وأصغر؛ حتى الصفر، حتى هذا العدم، هذا اللاشيء، هذا اللاعدد أحوله إلى شيء عندما أجمع إليه أو أطرح منه.
الاثنان:
وأنا ايضا أريد بكل تواضع أن أبين خصوصياتي. فبدوني ما كان شيء في عالم الوجود المادي، فذا الخالق سبحانه وتعالى يقرر حقيقة أنه خلق كل شيء بلا استثناء من زوجين اثنين، ولا يستثنى من قانون الزوجية هذا شيء في عالم الممكن، بل واجب الوجود وحده المستثنى من ذلك. بي ينصَّف كل ما قابل للتنصيف. ولكن الأهم من ذلك هو ظهور قابليتي التي تؤثر كتأثير السحر، وذلك بأني وبمجرد أن يضرب بي أي عدد كان، تتجلى قدرتي على تحويل كل الأعداد المضروبة بي إلى أعداد زوجية، فلا تجد عندها أي عدد فردي. وأنتما أيها العددان المتميزان عن كل الأعداد، أو لنقل أنتما العددان اللاعدديان اللذان يمثل أحدكما المطلق اللامحدود، بينما يمثل الثاني اللاشيء. هناك ورغم تناقضكما مشترك جوهري بينكما، إنكما غير قادرين إلا أن تكونا ما أنتما عليه، فالصفر لا يقدر إلا أن يكون عدما، واللانهاية لا تقدر إلا أن تكون وجودا مطلقا.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::