العراقيون يدشنون حقهم في الفرح من جديد

 أول مقالة لي عام 2008 وفي أول يوم من أيام 2008

 

حقا انتابتني نشوة وبهجة، عندما شاهدت عبر الفضائيات مشاهد الفرح للعراقيين وهم يستقبلون عام 2008، كما انتابتني حسرة لبعدي عن العراق، وعدم مشاركتي أفراح العراقيين، حيث اضطرتني تيارات معاداة الفرح إلى أن أكون سياسي منفى من جديد، كما كنت في زمن الطاغية، آملا ألا يطول هذا الظرف الاستثنائي، ليشهد عام 2008 فيما يشهد عودتي وعودة كل الذين اضطروا لمغادرة العراق مكرهين من مثقفين وسياسيين وأكاديميين.

 

مرة بعد مرة خرج العراقيون في الآونة الأخيرة إلى الشوارع، مُتـَحَدّين الإرهاب والعنف والتطرف ومحرمات قوى الظلام باسم الدين؛ مرة بعد مرة خرج العراقيون ليجربوا أن يعيشوا الفرح من جديد. كان ذلك عند فوز أبنائنا الأحبة أسود منتخب كرة القدم بكأس آسيا، ومؤخرا بعيد الأضحى وأعياد ميلاد المسيح (ع)، وأخيرا بليلة الأول من 2008 حيث احتفل العراقيون بالسنة الجديدة، مستبشرين بها، مصرين بعناد على مواصلة الحياة، وتدشين الفرح من جديد، رغم الظلاميين من أعداء الفرح وأعداء الجمال وأعداء الحب وأعداء السلام.

 

فنانون وفنانات، مطربون ومطربات، شعراء ومثقفون، شاركوا سائر الناس فرحتهم. وعندما أرى العراقيين يدشنون الفرح، أتصورهم كطفل يدشن المشي لأول مرة، عندما يكتشف أنه يستطيع كالكبار أن يقف على قدميه وأن يمشي، أو عندما يدشن طفل النطق لأول مرة، أو لنقل كأني بكسيح يشفى من مرضه الطارئ، فيدشن خطواته الأولى من جديد، ولكن بإصرار وعناد، رافضا أن يكون مقعدا.

 

نعم حاول الإرهاب أن ينغص أفراح العراقيين بتفجير الزيونة مثلا، ولكن هيهات، فسنـُصِرّ على تدشين الفرح، وسنصر على التمتع بحقنا في حرية التعبير عن الرأي، وحرية النقد والمعارضة، لنقول للذين يحرمون علينا معارضتهم، إن تحريم صدام على الشعب العراقي الرأي والمعارضة قد شهد نهايته، ولذا فعلى كل جهة تحاول أن تتخلق بأخلاقية صدام، رغم معاداته التاريخية له، أن تعلم أن طغيانها وقمعها للرأي وتهديدها لمعارضيها لن يقتل روح التوق للحرية عند العراقيين، الحرية بكامل مداها الذي يحدده العراقيون وحدهم، ويحدده الدستور والقانون، لا الفتاوى، والقرارات الحزبية، وإجراءات الميليشيات القمعية، وفرق شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقاعدة والاطلاعات الإيرانية.

 

إني على يقين أن قوى الظلام كانت غاضبة على تعبير العراقيين عن فرحهم برأس السنة الجديدة، لكونهم ارتكبوا المحرمات، فغنوا، ورقصوا، وفرحوا، وضحكوا، ثم لكونهم زاولوا (بدعة) بتقليد الغرب (الكافر) بالاحتفال برأس السنة. وهم لا يعلمون مع فرض أن المحتفلين أو بعضهم ارتكب (مفارقة شرعية) حسب معاييرهم طبعا، لا يعلمون أنهم إنما يرتكبون هم أشد المعاصي، وأكبر الكبائر، وأبغض الذنوب إلى الله، بمحاولة قتل حرية الناس واستعبادهم باسم الدين.

رأينا كيف شارك بالأمس المسيحيون وأبناء الديانات الأخرى إخوتهم المسلمين أفراحهم بعيد الأضحى، رغم الفرق بيومين بسبب الغلو السني في المبالغة في التعجيل، والغلو الشيعي في المبالغة بالتأخير، وكيف شارك المسلمون بالأمس القريب أيضا إخوتهم المسيحيين بأعياد الميلاد، هكذا كما كان العراقيون دائما، ثم اشترك الجميع، المسلم والمسيحي والإيزيدي والصابئي، الملتزم وغير الملتزم، المصلي وشارب الخمر، المؤمن وغير المؤمن، صاحب اليقين وصاحب الشك، المفصح عن عقيدته والمتكتم عليها، العربي والكردي والتركماني والآشوري وغيرهم، كلهم احتفلوا بعيد ليس ذا بعد ديني، أو لنقل محايد دينيا، وهذا ما يحتاجه العراقيون بالذات، مع اعتزازنا بكل الأعياد الدينية الإسلامية والمسيحية والصابئية والإيزيدية، وكذلك أعياد الديانات المتكتم عليها أصحابها. أقول رأس السنة الميلادية عيد محايد دينيا، وإن اقترن بالميلاد، لأنه في الأصل لا يمثل تقويما كنيسيا، فجوليوس هو الذي أتى بهذا التقويم من مصر إلى أورپا، والذي كانت بدايته في آذار، إلا أن الپاپا ڠريڠور قد أجرى لاحقا تعديلات على التقويم، منها جعل بدايته في كانون الثاني، والذي لم تلتزم به الكثير من كنائس العالم كالكنيسة الشرقية، إلى أن فرض هذا التقويم نفسه كتقويم عالمي، لدقته النسبية بفضل عالم الرياضيات المصري الذي زود جوليوس بهذا التقويم ونظام الكبس، الذي ازداد دقة في التقويم الڠريڠورياني. أما التقويم القمري، فهو من الناحية الشرعية الإسلامية تقويم ملزم وغير مسموح بتعديله أو استبداله في إطار العبادات فقط (الحج والصيام). «إِنَّ عِدَّة َ الشُّهور ِ عِندَ اللهِ اثنا عَشَرَ شَهرًا في كِتابِ اللهِ يَومَ خَلـَقَ السَّماواتِ وَالأرضَ مِنها أربَعَة ٌ حُرُمٌ ...» ثم قوله تعالى «... إنـَّما النـَّسيءُ زيادَة ٌ في الكـُفرِ يُضَلُّ بـِهِ الـَّذينَ كـَفـَروا يُحِلـِّونـَهُ عامًا وَيُحَرِّمونـَهُ عامًا لـِّيُواطِئوا عِدَّة َ ما حَرَّمَ اللهُ، فَيُحِلـّوا ما حَرَّمَ اللهُ ...»، أما فيما يتعلق بالأمور المدنية فهناك ليس فقط جواز شرعي باستخدام التقويم الشمسي، طبقا لرأي معظم فقهاء السنة والشيعة، بل هناك ترجيح شرعي لرجاحة اعتماد الدقة في كل المقاييس والمعايير، بما في ذلك فيما يتعلق بالحساب الزمني، هذه الدقة التي لا تتأتى إلا عبر استخدام التقويم الشمسي، لكون معظم القضايا الاقتصادية والزراعية والاجتماعية مقيدة بتحولات الطقس، ومواسم السنة عبر الفصول الأربعة، هذه الدقة الراجحة شرعا التي يعبر عنها القرآن بقوله تعالى: «وَزِنوا بالقسطاس المستقيم» وغيرها.

ولكن حتى مع فرض أن التقويم ذو بعد ديني، فقد تحول في العرف العام إلى حساب زمني محايد دينيا. وليس هذا المهم، بل المهم أن الشعب العراقي أراد أن يزاول حقه الدستوري غير المكتوب، وهو حقه في الفرح، وذلك من خلال حق دستوري مكتوب، وهو حقه في الحياة، والذي لا يتم إلا بالاستمتاع بحق الفرح، لأنه لا يكون معنى للحياة مع فقدان الفرح. فمزيدا من الأفراح لشعبنا العراقي ولكل المجتمع الإنساني.

 

01/01/2008 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::