فلسفة الألوان .. بين الألوان الجسمانية والألوان الضوئية
ضياء الشكرجي
الموضوع كتب في نهايات التسعينات في ألمانيا وباللغة الألمانية من خلال تأملات في الفترة التي كنت أدرس العقائد بالألمانية لعدد من الطلاب والطالبات المسلمين من جنسيات مختلفة بما فيهم من الألمان، وفي تشرين الثاني 2005 (رمضان 1426) باشرت بترجمته مع موضوع ثان كنت أيضا بالألمانية في نفس الفترة عن فلسفة الأعداد. وتمت مراجعته النهائية في مطلع 2006.
والآن لننتقل من عالم الإلهيات بأدلتها العقلية المتسمة ببرودة وموضوعية العقل، إلى حيث دفء نبضات القلب المتفاعلة مع حقيقة وجود المطلق، وتعلق القلب به بوله الحب لله الرحيم الودود المبدع المحبوب المعبود المَخـُوف المَرجُوّ.
مقدمة علمية في الألوان: عندما نتحدث عن الألوان، أي منها الأساسية، وكيف تمزج مع بعضها البعض، وما ينتج عن كل مزج لوني أولي أو ثانوي أو ما بعد ثانوي، لا بد من معرفة ما إذا يجري الكلام عن الألوان المادية أو الجسمانية التي نستخدمها عادة في تلوين الأشياء من لوحات فنية أو ملابس أو أثاث أو واجهات بنايات وكذلك ما تتلون به مفردات الطبيعة، وغيرها، أو ما إذا نعني الألوان الضوئية. فهناك فروقات أساسية بين كل من النوعين من الألوان، نلخصها كالآتي:
|
|
الألوان الضوئية |
الألوان المادية |
|
الألون الأساسية |
أحمر - أخضر - أزرق |
أحمر - أصفر - أزرق |
|
الأخضر |
لون أساسي |
لون مزيج من الأزرق والأصفر بالتساوي |
|
الأصفر |
لون مزيج من الأحمر والأخضر بالتساوي |
لون أساسي |
|
الأزرق |
لون أساسي |
لون أساسي |
|
الأحمر |
لون أساسي |
لون أساسي |
|
البرتقالي |
لون مزيج من الأحمر بنسبــــــــــــة الثلثين والأخضر بنسبة الثلث |
لون مزيج من الأحمر والأصفر بالتساوي |
|
البنفسجي |
لون مزيج من الأحمر والأزرق بالتساوي |
لون مزيج من الأحمر والأزرق بالتساوي |
|
مزج كل الألوان |
أبيض |
أسود |
|
تسميات أخرى |
الألوان النورانية |
الألوان الجسمانية |
|
|
الألوان الروحية |
الألوان المادية |
|
|
الألوان الفيزيائية |
الألوان الكيماوية |
|
|
ألوان ما وراء الطبيعة |
ألوان الطبيعة |
|
|
الألوان الأخروية |
الألوان الدنيوية |
عندما يحاول الإنسان أن يلون حياته بمجموعة من الألوان، ليكون ثمة تنوعات لونية، وتشكيلات لونية، وتضادات لونية، يحصل من خلال ذلك على سيمفونية لونية، تنشد على عزفها ذرات الكون أغنية الجمال. ولكن حالما يتحول إلى شره الاستحواذ على كل الألوان، فتختلط عنده الألوان في خليط غير متجانس في كم لوني مفرط، حالما يريد تملك كل الألوان الدنيوية، ينشأ سواد حالك وعتمة شديدة السواد، فيغوص في السواد، وينحدر في عمقه أعمق فأعمق، وأسفل فأسفل، حتى يستحيل كل شيء عنده إلى سواد وظلمة وانحطاط، ويستحيل من خلال انغماسه في السواد وتسرب السواد إلى كل مسامات وجوده المدي والمعنوي، يستحيل هو نفسه إلى سواد، إلى عتمة، إلى ليل لا فجر بعده. بينما إذا ما توجه الإنسان إلى الألوان الأخروية فابتغاها واستزاد منها، سيحصل كذلك على كم من الجمال اللوني، لكنه جمال أبدي. وعندما يحصل الإنسان على كل اللألوان الأخروية، يحصل على المزيج اللوني للألوان الضوئية (النورانية) الذي يكون بياضا محضا ونورا مصفى لا عتمة فيه، فعندما تمتزج كل الألوان الضوئية ببعضها البعض، وتنصهر ببعضها البعض، تستحيل نورا أبديا. عندها سيسبح الإنسان الطالب للألوان الأخروية في محيط الضوء اللامتناهي، سيغوص في عمق ذلك المحيط، الذي لن يبلغ قاعه مهما غاص في عمقه، والذي كلما غاص أعمق فأعمق فيه، كلما كان الضوء أبهج وأنور وأبيض. وعندما نقول أن محيط الضوء لا قاع له، لأنه ممتد بكل الاتجاهات بلانهايات، فلانهايات على امتداد الآفاق، ولا نهايات على طوله بين أعمق العمق وأسمى السمو. وفي الوقت الذي يغوص الغائص في عمق محيط الضوء، يسبح على سطحه، فيعيش تجربة تعانق محيط الضوء مع سماء الضوء في عناق يجعلهما يتماهيان ويتحدان، فيحلق في ذات الوقت، ويحلق ويحلق في الضوء، حتى يغدو والضوء شيئا واحدا لا يتمايز وإياه في شيء. فإن الضوء سينساب إلى كل مسامات وجوده، يتخلله حتى يكونه كله، فيستحيل المستضيء ضوءً محضا لا عتمة معه، يكون هو الضوء .. الضوء .. الضوء.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::