فلسفة الأعداد .. العدد بين الرياضيات والفلسفة واللاهوت
ضياء الشكرجي
الموضوع كتب في نهايات التسعينات في ألمانيا وباللغة الألمانية من خلال تأملات في الفترة التي كنت أدرس العقائد بالألمانية لعدد من الطلاب والطالبات المسلمين من جنسيات مختلفة بما فيهم من الألمان، وفي تشرين الثاني 2005 (رمضان 1426) باشرت بترجمته مع موضوع ثان كنت أيضا بالألمــــانية في نفس الفترة عن فلسفة الألوان. وتمت مراجعته النهائية في مطلع 2006.
قبل كل شيء حري بنا أن نواجه السؤال: ما هو العدد؟
لعلنا نستطيع جوابا على السؤال آنفا تعريف العدد كالآتي:
العدد هو ما يُعبِّر عن حقيقة التعدُّد، أو عما هو أكثر من واحد من شيء متعدد أو قابل للتعدد، ويجيب على سؤال „كم“ بتحديد مقدار محدَّد لأفراد المتعدِّد.
من هنا فالذي يصح أن يقرن بالعدد، ويكون معدودا له، هو المتعدد، والقابل بالتالي للعدّ حصرا. وهذه النتيجة تـُخرج الواحد من مفهوم العدد لعدم تعدده. وإذا اعتبرنا الواحد عددا بالضرورة والبداهة، وجب تصحيح التعريف أعلاه، ليكون:
العدد هو المعبر عن مقدار ما يكون قابلا لأن يَـتـَعَدَّد ويُعَدّ، وبالتالي جوابا على السؤال عن الكم العددي للمتعدد المعدود أو القابل للتعدد والعد، بقطع النظر عما إذا كان موجودا بالفعل أو معدوما، متعددا بالفعل أو منفردا.
وهذا التعريف يشمل حتى الصفر واللانهاية، وإذا قيل أن اللانهاية لا تـُعَدّ، يمكن القول بأن العدّ من الناحية النظرية وبالتالي فلسفيا ممكن، وإن كان يستغرق زمنا يمتد إلى خارج حدود الزمن بما لا نهاية له، فيكون امتناع العدّ امتناعا عمليا، وليس امتناعا فلسفيا ولا علميا، وإن كان في حدود العلم النظري دون التطبيقي، بسبب الامتناع العملي. ولعله يمكن اختصار التعريف الثاني أعلاه على النحو الآتي:
العدد هو التعبير عن مقدار المتعدد المعدود بالفعل أو بالقابلية.
لكن في الواقع لا يمثـل التعريف الثاني المفصل أو الموجز تصحيحا للأول، من أجل جعله جامعا، بل هو تعريف ثان مغاير، فكل من التعريفين صحيحان، ولكن كل منهما ينطلق من زاوية فلسفية مغايرة لها في الآخر. نرجع إذن إلى التعريف الأول الذي يمثـل الفلسفة التي تعتمدها هذه النظرية، فنقول:
العدد هو ما يُعِّبر عن حقيقة التعدد، ويجيب على سؤال (كم؟) بتحديد مقدار محدَّد لأفراد المتعدِّد المعدود.
بهذا يتصف كل معدود بعدد بخصوصيتين؛ هما التعدد والمعدودية، أي كل ما يتعدَّد ويُعَدّ بالفعل. هذا التوصيف، وبالتالي الفلسفة التي ينطلق منها، يقسم إذن ما يعرف رياضيا بالأعداد، إلى أعداد حقيقية، وأعداد اعتبارية، أو مجازية، أو لعله وهمية. فهنا لا نتحدث عن العدد الرياضي، بل عن العدد الفلسفي، وبالتالي سنجد أنفسنا مضطرين لوضع ما جرى التعارف على كونه عددا في خانة الأعداد المجازية، كالصفر واللانهاية والواحد وجزء الواحد أي العدد الكسري أو العدد غير الصحيح.
وحيث ذكرنا أن هناك أعدادا حقيقية، وأخرى سميناها إما اعتبارية أو مجازية، يكون من المهم والمفيد والضروري تحديد هذه المصطلحات كالآتي:
- العدد الاعتباري: هو العدد الرياضي، ويشمل كل ما اعتبرته الرياضيات عددا، أي يشمل ما نعتبره على ضوء هذه النظرية أعدادا حقيقية أو أعدادا مجازية.
- العدد الحقيقي: هو العدد الفلسفي، الخاضع لتعريفنا الذي اعتمدناه، ويقـتصر على ما يحدد مقدار كل ما هو متعدد ومعدود بالفعل، وليس بالافتراض النظري، أي بالإمكان العملي دون الإمكان الفلسفي أو العلمي النظري. وقد يرى البعض تناقضا بين كوننا نصطلح على هذا النوع من الأعداد أعدادا فلسفية من جهة، ونخرج من التعريف المتعدد المعدود بالإمكان الفلسفي، ونقـتصر على ممكن التعدد والعد عمليا. فنجيب بأن هذه الفلسفة تميز بين العدد في عالم المحسوسات، وهو وحده المسمى عندها عددا، والعدد الاعتباري في عالم ما وراء المحسوس. ثم لا تناقض بين تقرير أن العدد هو ممكن العد والتعدد عمليا، وبين ان تكون نفس هذه المقولة مقولة فلسفية، لأن من شأن الفلسفة أن يكون لها رأيها فيما يقع في دائرتها، وفيما يقع خارج هذه الدائرة على حد سواء. وإنما سميناه عددا فلسفيا، كونه مما تعتبره الفلسفة أو هذه الفلسفة بالذات عددا.
- العدد المجازي: هو كل الأعداد الرياضية الأخرى الخارجة عن مفهوم العدد الحقيقي أو الفلسفي، أي تشمل الصفر واللانهاية والواحد وجزء الواحد.
على ضوء تعريفنا المعتمَد والخصوصيتين المذكورتين، التعدد والمعدودية، نريد أن نختبر كل عدد اعتباري، حقيقيا كان أم مجازيا. وعلى ضوء هذا الاختبار سنكتشف كلما لم نجد انطباقا للتعريف على المراد تعريفه أو اختباره على ضوء التعريف، أن هناك أحد أمرين منع من الانطباق؛ إما هناك ثغرة في التعريف الذي اعتمدناه، تستدعي منا أن نسدها بالتصحيح أو التكملة، وإما أن العدد الاعتباري بالفعل كما افترضنا ليس عددا حقيقيا، ومن هنا تثبت صحة نظريتنا بعده اعتباريا. وعندما سنثبت عدم حقيقية عددية بعض الأعداد، سنبين أن هذا لا يكون لازمه إخراجها من عالم الرياضيات، بحيث تستطيع الرياضيات أن تستعير تعريفنا، دون أن تطرأ أية ثغرة رياضية.
وقبل المباشرة بالعرض والمقارنة واختبار المطابقة، لا بد من إشارة إلى فهم لمعنى التعدد والمعدودية. التعدد والمعدودية إنما ينتجان عن عملية جمع أو عملية ضرب، وفي الواقع إنما هي من الناحية المنطقية لا الرياضية عملية جمع حصرا، لأن الضرب ما هو إلا تكرار لجمع العدد بنفس العدد بعدد مرات المضروب به. ولكن إذا اعتبرنا العملية الحسابية التصاعدية الثانية أي عملية الضرب ما هي نفس العملية الحسابية التصاعدية الأولى أي عملية الجمع، قد لا نستطيع تطبيق ذلك على العملية المعاكسة للضرب، ألا هي القسمة أو العملية الحسابية التناقصية الثانية، مما يمكن الإقرار بها كمنتجة لعدد حقيقي جديد أصغر. وللتذكير والتنبيه، وكما هو واضح من العتبير آنفا، فإن المقصود بالعدد هو العدد الحقيقي، أي كل عدد صحيح تعدى الواحد، لذا فهنا تقبل القسمة، طالما أنتجت عددا صحيحا، ونفس الشيء يقال عن عملية الطرح، فأنها تقبل كعملية بشرط ألا تكون دون أصغر متعدد معدود، وهو الاثنان. وحتى مع القبول بالواحد كعدد، فلا يمكن فلسفيا وبالمعنى الحقيقي للعدد أن يعتبر عددا ما دون الوحدة الأساسية الصغرى للأعداد أي الواحد. وكما تكلمنا عن عدد حقيقي وعدد مجازي، نستطيع أن نتحدث عن عمليتي طرح وقسمة حقيقيتين ,اخريين مجازيتين. وللتوضيح نورد الجدول أدناه الذي يبين أي العمليات الحسابية تنتج بالضرورة عددا حقيقيا، وأيها تنتج بالضرورة عددا مجازيا، وأيها تنتج بالإمكان عددا حقيقيا أو مجازيا.
- كل عملية جمع لعددين حقيقيين تنتج بالضرورة عددا حقيقيا.
- كل عملية جمع يكون طرفاها أو أحدهما عددا مجازيا تنتج بالإمكان عددا حقيقيا أو عددا مجازيا.
- كل عملية ضرب بين عددين حقيقيين تنتج عدد حقيقيا.
- كل عملية طرح لعدد حقيقي من عدد حقيقي تنتج بالإمكان عددا حقيقيا أو عددا مجازيا.
- كل عملية طرح يكون أحد طرفيها عددا مجازيا تنتج بالضرورة عددا مجازيا.
- كل عملية طرح يكون كلا طرفيها عددا مجازيا تنتج بالإمكان عددا حقيقيا أو عددا مجازيا.
ولعلنا نحتاج إلى توضيح تطبيقي للجدول أعلاه، ولكن نستغني عن ذلك تجنبا للإطالة، وتعويلا على أن يقوم ذوو الفطنة الرياضية بتجريب القواعد أعلاه على الحالات المختلفة. وهذه القواعد أعلاه إنما هي قواعد إجمالية اقتصرت على التقسيم الثنائي الإجمالي للأعداد الحقيقية والأعداد المجازية. وهناك قواعد تفصيلية، تنتج عن التقسيم التفصيلي للأعداد المجازية؛ الصفر، واللانهاية، والواحد، والكسور، والأعداد السالبة.
إذن هناك على ضوء هذه النظرية خمسة أنواع من الأعداد الاعتبارية، أي التي تعتبر رياضيا من الأعداد، ولا تعتبر أعدادا حقيقية من وجهة النظر الفلسفية. هذه هي:
1. الصفر.
2. الواحد.
3. اللانهاية.
4. الكسر (جزء الواحد).
5. السالب (الناقص أو ما دون الصفر).
من الوهلة الألولى قد تبدو مشروعة المخاوف من كون الرياضيات ستكون مهددة بالانهيار، إذا ما اعتمدت هذه النظرية، فالرياضيات لا تكون رياضيات بفقدان أي من هذه الأعداد الخمسة، فكيف بها إذا ألغيت كلها مرة واحدة. وقد أجيب على هذا الإشكال، ولكن للتأكيد نورد الإجابة مرة ثانية، ونجعلها تنقسم إلى قسمين؛ الأول أننا هنا بصدد معالجة فلسفية وليست رياضية للعدد. فهذان ميدانان مختلفان من المعارف، وإن توحد موضوعهما ألا هو العدد، وهذا شبيه الفرق بين التناول المنطقي من جهة، والتناول اللغوي، أو التناول الرياضي لذات الشيء من جهة أخرى، فالجمع المنطقي مثلا هو أعم من الجمع اللغوي فيما يتعلق الأمر باللغة العربية، فهو في المنطق يشمل المثـنى والجمع، كما أن بعض المركب اللغوي يعتبر من الناحية المنطقية مفردا كاسم العلم عبد الله. أما القسم الثاني من الإجابة فكما سنبين أن الرياضيات حتى لو اعتمدت الأعداد الحقيقية على ضوء هذه الفلسفة، لن تقع أبدا في أية أزمة، بل ستجد حلا في إطار هذه الفلسفة. إذن لن تـتعرض فلسفتنا العددية هذه للرياضيات بأي قدر من انتقاص أو مساس.
ابتداءً أريد أن أثبت عدم إمكان تجزيء الوحدة العددية الأساسية (الواحد) تجزيئا حقيقيا من وجهة النظر الفلسفية، على نحو يمكن اعتبار الجزء عددا. إذا اعتبرنا الواحد هو الوحدة الأساسية للعدد، فهذا يعني أنها تمثـل الوحدة الصغرى، وبالتالي لا يمكن أن يوجد ما هو أصغر من الوحدة الصغرى، وهذا يختلف عن بعض الماعيير والمقاييس الوضعية، كالأوزان) والأطوال والمساحات والأحجام وغيرها كوحدات قياس الحرارة والضغط والطاقة الكهربائية وغيرها، فالوحدة الصغرى الوضعية هي صغرى اعتبارية، وبالتالي نسبية، بينما الوحدة العددية الصغرى من زاوية النظر التجريدية إليها كعدد مجرد وبسيط غير مركب، أي لا بلحاظ المعدود، فهي صغرى حقيقية، ولذا ليس هناك من وحدة أصغر منها.
لنطرح السؤال: كيف تـتعاطى الوحدة الأساسية، أي الوحدة الأساسية الحقيقية، لا الاعتبارية أو النسبية، أي الوحدة الصغرى مع كل من التضعيف والتجزيء، أي عندما تخضع لكل من عمليتي الضرب والقسمة الحسابيتين.
عندما نضعّف أو نكثــّر شيئا ما، أي نضيف إليه عدة مرات وبعدد المضروب به نفس مقداره، نكون قد أوضحنا لأنفسنا الإمكانية النظرية والتحقق الفعلي لعملية الضرب الحسابية، التي سبق واعتبرناها عملية جمع من زاوية ما. فالضرب هنا يمثـل حقيقة رياضية وفلسفية في آن واحد، ومتحققة أو ممكنة التحقق على الصعيدين النظري والتطبيقي.
هذا فيما يتعلق الأمر بالتضعيف، فما هو موقف العدد من العملية الحسابية المقابلة للضرب أي القسمة أو التجزيء؟ وفي الوهلة الأولى وعلى سبيل البداهة سيجيب تقريبا كل من يطرح عليه السؤال باستثناء الفلاسفة الذين سيتأملونه قبل الإجابة عليه، بأن القسمة ما هي إلا الوجه الآخر من الضرب، وبالتالي فهي ممكنة التحقق، ما زال الضرب ممكنا.
وهذا الذي يبدو بديهيا بالذات هو ما أستهدفه بالنقض فلسفيا. ففي اللحظة التي نكون قد جزأنا الوحدة الأساسية، أي الواحد كحقيقة مجردة ومفهوم في الذهن، أو كمعدود أي مصداق في الخارج، لن نحصل على عدد من تلك الحقيقة أو ذلك الشيء في الخارج، كما هو الحال مع عملية الضرب. ولنأخذ أفراد التفاح كمثال؛ فعند الضرب أو الجمع نحصل على عدد جديد من أفراد التفاح، أي من تفاحات كاملات. أما في التجزئة فلن نحصل على عدد معبَّر عنه بالجزء من المعدود الذي هو التفاحة الكاملة، إلا إذا تكلمنا عن مادة التفاح لا عن مفردة وشخصية التفاحة الواحدة الكاملة. ففي التجزيء لن تكون هناك تفاحات على المستوى الشخصي لا النوعي، بل عدد من أفراد جديدة تسمى واحدتها، بربع التفاحة أو ثلث التفاحة أو نصف التفاحة. فقولنا ربع تفاحة لا يشبه قولنا أربع تفاحات، إذ لفظ أربع تفاحات هو من الألفاظ المركبة ليس لغويا فحسب بل منطقيا، والتركيب هنا ثنائي يتركب من عدد ومعدود، أو من عادّ ومعدود، بينما لفظ ربع تفاحة هو لفظ مركب لغويا، إلا أنه بسيط منطقيا، أي معبِّر عن حقيقة جديدة تسمى ربع تفاحة. ومن أجل توضيح هذه الحقيقة وهذا الفرق بين اللغة والمنطق، أو بين الرياضيات والفلسفة، فيما هو بسيط وما هو مركب من المركبات اللغوية، كان ينبغي - لو سمحت اللغة العربية كما بعض اللغات كالألمانية بذلك - أن نميز البسيط عن المركب باصطلاح (رُبعُ تُفّاحَةٍ) أو (نِصفُ تُفّاحَةٍ) للمركب و(رُبْعُتُفّاحةٌ) أو و(نِصفُتُفّاحةٌ) للبسيط، وفي حال التعريف (رُبْعُ التُّفّاحَةِ) أو أو (نِصفُ التُّفّاحَةِ) للمركب و(الرُّبْعُتُفّاحَة ُ) أو (النُِّصفُتُفّاحَة ُ) للبسيط، وهذا ممكن مثلا باللغة الألمانية، وللتوضيح أقدم للقارئ بعض المعلومات عن اللغة الألمانية فيما يتعلق الأمر بهذا المثال، مقتصرا على مثال النصف.
- تفاحة باللغة الألمانية = Apfel (آپفِل)
- التفاحة (معرفة) = der Apfel (دير آپفِل)
- تفاحة (منكرة) = ein Apfel (آين آپفِل)
- نصف = halb (هالب)
- التركيب من كلمتين فأكثر بتكوين كلمة واحدة من أفراد التركيب جائز بالألمانية.
- الاسم بالألمانية عموما، وليس فقط سم العلم يكتب بحرف كبير في البداية.
- الصفة تكتب بحرف صغير بالبداية، إلا إذا حلت محل الاسم.
- المركب نصف التفاحة (معرف) = der halbe Apfel (دَِير هالبَه آپفِل)
- البسيط النصفتفاحة (معرف) = der Halbapfel (دَِير هالبْآپفِل)
- المركب نصف تفاحة (منكر) = ein halber Apfel (آيْن هالبَر آپفِل)
- البسيط نصفتفاحة (منكر) = ein Halbapfel (آيْن هالبْآپفِل)
مما مر نرى أن الواحد يـبقى هو الوحدة العددية الصغرى التي لا عدد حقيقيا أصغر منها.
ولكن كما سنرى فالعدد الكسري أو جزء الواحد ليس وحده الذي يتعرض من قبل هذه النظرية للتشكيك في حقيقة عدديته بل ونفيها، بل حتى الوحدة الأساسية (الواحد) سنطرحه أمام إعادة النظر والتشكيك في عدديته؛ هذا التشكيك الذي يراد منه أن يقودنا من جهة أخرى بإثبات عددية الواحد ولكن دون تعدديته. ومما نثبت به عددية الواحد هو حقيقة عددية ما يتركب من أفراد منه، إذ لا يمكن أن نقر بعددية المجموع المركب من أفراد الوحدة الأساسية للعدد، ثم نقع في التـناقض بنفي عددية كل فرد من أفراد المركب أي المجموع. وإذا قيل أن هذا النوع من الاستدلال يصلح أيضا كدليل على عددية جزء الواحد، كون الواحد يتركب من أجزائه، ، يـبقى نجيب بأن الفرق واضح، لأننا بالتركيب إنما نجمع الأفراد دون صهرها في مكون جديد، فتعدد التفاحات يـبقي على هوية وشخصية وماهية كل تفاحة كتفاحة، أي بمادتها وبشكلها، أما التجزيء فينتج فردا جديدا هو جزء التفاحة الذي يشبه التفاحة في مادتها دون شكلها، لأن نصف أو ربع التـفاحة شكل جديد للتـفاحة يختلف في الشكل عن كامل التـفاحة، والشبه بينهما كالشبه بين كامل التـفاحة وكامل البرتـقالة، فهما يشتركان في الكمال وعدم التجزؤ، لكنهما يختلفان في المادة، أو النوع. ولكن ومع ثبوت عددية الواحد، وإقرارنا بأن الواحد عدد بلا أدنى شك، نعي أنه وبعد التأمل أنه عدد ليس كغيره من الأعداد، بل له خصوصيته التي ينفرد بها، وهذا ما سنثبته لاحقا.
سنضع الآن كلا من الواحد والصفر واللانهاية والجزء تحت مجهر ثبوت أو عدم ثبوت عددية كل منها، ولنكتـشف المشتركات والمفترقات بين كل منها.
ابتداءً نعرض إحدى عشرة قاعدة للعدد، والتي بها يكون العدد عددا، لنرى كم يخضع كل من (الأعداد؟) الأربعة (الخمسة باستثناء السالب) لهذه القواعد، أو كم يستوفي لشروط تحقق عددية العدد القابل للتعدد والعد. وسنضيف عددا آخر خامسا نسميه (س) أو (×) وهو أي عدد باستـثـناء الأعداد الأربعة، ثم نخضع كلا من الأعداد الأربعة لعمليات قسمة وضرب مع العدد ذاته، ومع كل من الأعداد الثلاثة المراد فحص حقيقة عدديتها (الواحد والصفر واللانهاية).
|
|
س ÷ س = 1 |
x : x = 1 |
|
|
|
س ÷ 0 = ∞ |
x : 0 = ∞ |
|
|
|
س ÷ 1 = س |
x : 1 = x |
|
|
|
س ÷ ∞ = 0 |
x : ∞ = 0 |
|
|
|
0 ÷ س = 0 |
0 : x = 0 |
|
|
|
1 ÷ س = 1/س |
1 : x = 1/x |
|
|
|
∞ ÷ س = ∞ |
∞ : x = ∞ |
|
|
|
س × س = س2 |
x . x = x2 |
|
|
|
س × 0 = 0 |
x . 0 = 0 |
|
|
|
س × 1 = س |
x . 1 = x |
|
|
|
س × ∞ = ∞ |
x . ∞ = ∞ |
|
ومن أجل اختبار عددية كل من الصفر واللانهاية والواحد، نخضع كلا منها لهذه العمليات الإحدى عشرة. ونبدأ بالصفر. وسنضع أمام علامة المساواة لبعض العمليات علامة استفهام نوضح سببها لاحقا.
الصفر:
|
1. |
0 ÷ 0 = ؟ |
|
2. |
0 ÷ 0 = ؟ |
|
3. |
0 ÷ 1 = 0 |
|
4. |
0 ÷ ∞ = ؟ |
|
5. |
0 ÷ 0 = ؟ |
|
6. |
1 ÷ 0 = ∞ |
|
7. |
∞ ÷ 0 = ∞ |
|
8. |
0 × 0 = 0 |
|
9. |
0 × 0 = 0 |
|
10. |
0 × 1 = 0 |
|
11. |
0 × ∞ = ؟ |
وفي خطوة لاحقة نحذف ما هو مكرر، كون العمليتين الثانية والخامسة تكرارا للعملية الأولى، والتاسعة تكرارا للثامنة، فتختزل العمليات الإحدى عشرة بثمان عمليات:
|
1. |
0 ÷ 0 = ؟ |
|
3. |
0 ÷ 1 = 0 |
|
4. |
0 ÷ ∞ = 0 |
|
6. |
1 ÷ 0 = ∞ |
|
7. |
∞ ÷ 0 = ∞ |
|
8. |
0 × 0 = 0 |
|
10. |
0 × 1 = 0 |
|
11. |
0 × ∞ = ؟ |
وإذا تأملنا لماذا وضعت علامة الاستـفهام أمام المعادلتين الأولى والأخيرة، سنكتشف أن السبب يكمن أن لكل عملية ثلاث نتائج، بحيث يكون صدق أي منها نفيا لصدق الأخرى، مما يخرج الصفر عن خضوعه لأربع من القواعد الواجب خضوع كل عدد لها، ألا هي:
1. قاعدة أن كل عدد إذا قسم على نفسه ينتج عنه الواحد.
2. قاعدة أن كل عدد إذا قسم على صفر تنتج عنه اللانهاية.
3. قاعدة أن الصفر إذا قسم على أي عدد ينتج عنه الصفر.
4. قاعدة أن كل عدد إذا ضرب في اللانهاية تنتج عنه اللانهاية.
هذه القواعد لا تـنطبق على الصفر، حسب العمليات الأولى والثانية والخامسة، كما سنرى:
العملية الأولى والثانية والخامسة تـنتج عنها ثلاث نتائج:
0 ÷ 0 = 1 (لأن كل عدد إذا قسم على نفسه ينتج عنه الواحد)
0 ÷ 0 = 0 (لأن الصفر إذا قسم على أي عدد ينتج عنه الصفر)
0 ÷ 0 = ∞ (لأن كل عدد إذا قسم على الصفر تنتج عنه اللانهاية)
وحيث لا يمكن اجتماع ثلاث نتائج لنفس العملية الحسابية، بل تـنقض كل نتيجة الأخرى، وحيث أن التـناقض محال، لا يمكن تصحيح المتناقضين، فلا يمكن أن تكون النتيجة صفرا وتكون في نفس الوقت ليست صفرا، بحيث تكون واحدا أو لانهاية، وما يقال عن الصفر يقال عن النتيجتين الأخريـين الواحد واللانهاية. وحيث أن المفروض بهذه القواعد أنها تنطبق على كل الأعداد، فعدم انطباقها على بعضها، لا بد أن يخرج هذا البعض الذ يفترض به أنه عدد عن صفته هذه.
نفس الشيء يحصل في العملية الحادية عشرة (0 × ∞)، إذ تنتج عنها نتيجتان لا يمكن أن تصحا، بل إحداهما تـنقض الأخرى، وهي صفر، حيث إن ضرب الصفر بأي عدد ينتج عنه صفر، ولانهاية، حيث إن ضرب اللانهاية بأي عدد ينتج عنها لانهاية.
من هنا نقول إذا كانت أربع قواعد يجب انطباقها على كل عدد لا تـنطبق على الصفر، فلا يمكن تفسير ذلك إلا بإخراج الصفر عن صفة العدد، إضافة إلى ما مر ذكره من صفات للعدد، في أنه يتعدد ويُعَد، فالصفر لا يتعدد ولا يُعَد.
اللانهاية:
|
1. |
∞ ÷ ∞ = ؟ |
|
2. |
∞ ÷ 0 = ∞ |
|
3. |
∞ ÷ 1 = ∞ |
|
4. |
∞ ÷ ∞ = ؟ |
|
5. |
0 ÷ ∞ = 0 |
|
6. |
1 ÷ ∞ = ∞ |
|
7. |
∞ ÷ ∞ = ؟ |
|
8. |
∞ × ∞ = ∞ |
|
9. |
∞ × 0 = ∞ |
|
10. |
∞ × 1 = ∞ |
|
11. |
∞ × ∞ = ∞ |
العملية الأولى والرابعة والسابعة ينتج عن كل منها ثـلاث نتائج ينقض بعضها الآخر. فتـقسيم اللانهاية على اللانهاية ينتج عنها واحد، لأن تـقسيم أي عدد على نفسه ينتج عنه واحد، كما وينتج عنه صفر لأن كل عدد إذا قسم على اللانهاية ينتج عنه صفر، وينتج عنه لانهاية لأن اللانهاية إذا قسمت على أي عدد ينتج عنها لانهاية. ومن هنا تنهار مع اللانهاية ثلاث قواعد حسابية تعتبر من لوازم وضرورات كل عدد، إذا صدق اعتباره عددا. وهذه القواعد التي لا تـنطبق على اللانهاية، هي القواعد الآتية:
1. قاعدة أن كل عدد إذا قسم على نفسه ينتج عنه الواحد.
2. قاعدة أن كل عدد إذا قسم على اللانهاية ينتج عنه الصفر.
3. قاعدة أن اللانهاية إذا قسمت على أي عدد تنتج عنها اللانهاية.
وعدم انطباق هذه القواعد الثلاث على اللانهاية يخرجها عن الهوية العددية، إضافة إلا أنها كما الصفر لا تـتعدد ولا تـُعَدّ.
ويشترك (العددان) اللاعددان رغم تـناقضهما في أربع صفات سلبية تـفقدهما صفة العددية هي:
1. الصفر واللانهاية لا يتعددان.
2. الصفر واللانهاية لا يُجَزّءان بالقسمة.
3. الصفر واللانهاية لا يُضعَّـفان بالضرب.
4. الصفر واللانهاية لا يـُعدّان، وبالتالي لا يتحددان بحد ملموس ذي بداية ونهاية.
ولكن على جانب ما يشتركان به من مشتركات، يتمايزان فلسفيا عن بعضهما البعض فيما يشتركان به في نقطتين أساسيتين، ذلك أن الصفر واللانهاية لا يتعددان ولا يُجَزّءان ولا يُضعَفـّان ولا يـُعدّان ولا يتحدّدان لسببين مختـلفين اختلافا جوهريا هما:
1. الصفر لا يتعدد ولا يُجَزّأ ولا يُضعَّف ولا يـُعدّ ولا يتحدّد، لأنه (عدم)، أي (لاوجود)، أو هو (معدوم إمكانا أو وجوبا).
2. بينما اللانهاية لا تـتعدّد ولا تـُجَزّأ ولا تـُضعـَّف ولا تـُعدّ ولا تـتحدّد، لأنها (وجود مطلق)، أي (موجود وجوبا).
وبعد هذا السرد، لنعد إلى حقيقة فلسفية لاهوتية (إلهية)، ربما نستطيع من خلالها أن نكتشف تفسيرا لما استـنتجناه فيما مر. إننا نواجه في عالم المفاهيم الوجودية أمرين؛ نواجه الوجود (الكؤون) من جهة، كما نواجه العدم (اللاكؤون) من جهة أخرى، في الوقت الذي لا يوجد الأخير إلا كمفهوم في الذهن، بينما يوجد الأول تارة مفهوما في الذهن فحسب، وأخرى مفهوما في الذهن ومصداقا في الخارج في آن واحد. وفي كل من الوجود والعدم نعرف الإمكان والوجوب، فممكن الوجود هو ممكن العدم في آن واحد، بينما واجب الوجود ممتـنع العدم، وفي المقابل يكون ممكن العدم ممكن الوجود في ذات الوقت وعلى حد سواء، بينما واجب العدم هو ما كان ممتـنع الوجود.
العدم فـلسفيا - واجبا كان أو ممكنا - هو الصفر رياضيا. وممكن الوجود فلسفيا هو رياضيا أي عدد متعدد - سواء بالإمكان أو الفعل - وأي عدد معدود. أما واجب الوجود فلسفيا ولاهوتيا هو اللانهاية رياضيا. وحسب هذه النظرية يمثـل ممكن الوجود وحده عددا هو (س)، أما العدم وواجب الوجود فلا يمثل أحدهما عددا، بل هما أي الصفر واللانهاية إنما هما عددان اعتباريان رياضيا، وليسا عددين حقيقيـين فـلسفيا. ونوضح ذلك في ضوء الجدول أدناه:
|
رياضيا |
بالأرقام |
فلسفيا |
لاهوتيا |
|
صفر |
0 |
العدم |
المعدوم وجوبا أو إمكانا مما وجد من قبل أو لم يوجد |
|
لانهاية |
∞ |
واجب الوجود |
الخالق - علة العلل - الله سبحانه وتعالى |
|
عدد |
س |
ممكن الوجود |
المخلوقات فعلا والممكنات غير المخلوقة |
بقي لدينا الواحد بصفته الوحدة العددية الأساسية؛ لا بد أن نعرضها على العمليات أو القواعد العددية الاثـنتي عشرة، كما سنعرض عليها جزء الواحد (العدد الكسري):
|
1. |
1 ÷ 1 = 1 |
|
2. |
1 ÷ 0 = ∞ |
|
3. |
1 ÷ 1 = 1 |
|
4. |
1 ÷ ∞ = 0 |
|
5. |
0 ÷ 1 = ∞ |
|
6. |
1 ÷ 1 = 1 |
|
7. |
∞ ÷ 1 = 0 |
|
8. |
1 × 1 = 1 |
|
9. |
1 ÷ 0 = ∞ |
|
10. |
1 × 1 = 1 |
|
11. |
1 × 1 = 1 |
بعكس الصفر واللانهاية، نجد أن الواحد يخضع للقواعد الإحدى عشرة. ومن هنا لا يكون شك في عددية الواحد، رغم عدم تحقق التعدد فيه، لأننا إذا عنينا بالتعدد الجمع مقابل اللاتعدد أي الإفراد، لا يمكننا اعتبار الواحد متعددا. أما معدودية الواحد فحاصلة، ففي عدّ كل معدود توجد ثمة بداية وثمة نهاية، وكون البداية والنهاية تقعان في الواحد في ذات العدد، لا يعني عدم وجود بداية ونهاية للعدّ، وبالتالي لا يكون مبررا لإخراج الواحد من صفة العددية، لا أقـل من الناحية الرياضية. إذن يشترك الواحد مع كل الأعداد في المعدودية، لكنه لا يشترك معها في التعدّد. وفي كل اللغات جرى التميـيز بين صيغة المفرد (الواحد)، والجمع (سائر الأعداد)، بل ذهبت العربية إلى أبعد من ذلك باعتماد صيغة ثالثة هي المثـنى، لا لتميز الاثـنين عن غيره من أعداد الكثرة (ما هو أكثر من واحد) رياضيا أو منطقيا، بل لتميزه طبيعيا أو خـَلقيا، من خلال قانون الزوجية الذي أودعه الله تعالى في الطبيعة. ودليل آخر على عددية الواحد ومعدوديته هو أنه إذا سئلنا عن عدد شيء؛ كم واحد هو، صح من زاوية ما أن نجيب بواحد.
من الممكن أن يورد دليل على صدق عددية ما نفت نظريتنا عدديته من الناحية الفلسفية، ومن ناحية الانطباق على ما أسميناه بالأعداد الحقيقية. وهو إننا إذا ما طرحنا السؤال (كم؟) على شيء ما، صحت الإجابة بإحدى الأعداد الأربعة:
1. 0 (صفر).
2. 1/2 (نصف).
3. – 2 (ناقص اثـنان).
4. ∞ (لانهاية).
والجواب يكون كالآتي:
1. الصفر لا يعبر عن كمية الشيء، بل عن حقيقة عدمه، وما كان معدوما لا يصح الكلام عن كميته أو مقداره أو عدده. فمثلا في سؤال «كم كتاب لديك؟» ينطلق السائل أن لدى المسؤول عددا من الكتب، يريد أن يعرف مقدار هذا العدد، حتى لو كان هذا العدد ليس إلا واحدا، فالسؤال يدور مدار الوجود، ولا محل فيه للعدم. أما إذا كان السؤال يضع في حسابه أن يكون المقدار صفرا، فلا بد أن يصاغ السؤال بصياغة أخرى، ألا هي «هل لديك عدد من الكتب؟»، والفرق واضح بين سؤال «كم هناك» وسؤال «ما إذا هناك». صيغة السؤال إذن، وإن كانت صحيحة من حيث اللغة، فهي غير دقيقة منطقيا، لأن السائل عندما يوجه سؤاله المذكور، إنما يفتقد إلى معلومة سابقة لسؤال «كم هناك»، وهي معلومة «ما إذا هناك»، مما يجعل سؤاله ملتبسا وموهما بأنه يملك تلك المعلومة، التي قد تكون «ما إذا هناك أصلا»، والمعبَّر عنها رياضيا بالعدد المجازي «صفر». أو هو سؤال جامع يضع كل الاحتمالات في الحساب، فيوجه السؤال «كم هناك» إلى من رصيده من المسؤول عنه يساوي عددا ما في الزائد (أي الدائن)، وإلى من رصيده منه يساوي صفرا، ومن رصيده من ذلك في الناقص (أي مَدين)، فتكون الحيازة لدى من له رصيد موجب حيازة حقيقية، بينما هي لدى من يملك صفرا أو من رصيده مدين ليست إلا حيازة مجازية. فالعدد (صفر) لا يمثل وجودا بل عدما، فهو ذو وجود اعتباري مجازي رياضي، لكنه لا يملك وجودا حقيقيا في الخارج، بل وجوده ذهني وذلك كمفهوم مجرد.
2. النصف أو أي كسر آخر لا يمثـل عددا، بقدر ما يـبـين شيئا جديدا، كما جرى شرحه بنصف التـفاحة. ومن هنا فالسؤال ينبغي إذا توخينا الدقة ألا يكون «كم هناك من كذا»، بل «أي جزء من كذا هناك». لنضرب مثلا بجزء التفاحة، فعندما يسأل «كم تفاحة هناك»، وكان هناك من عنده نصف تفاحة، فإنه لا يملك أي عدد من التفاحات، بل يملك شيئا آخر، وإن كان من نفس مادة التفاح، لأن السؤال عن «كم تفاحة» هو سؤال عن عدد التفاحات الكاملة، وليس عن أجزاء التفاحة. فنصف التفاحة، والتي لو جوّزت اللغة العربية الكلمات المركبة كما في بعض اللغات، وكما أوضحنا سابقا، لكان التعبير الدقيق عنها بـ «النـِّصْفـَتـُفـّاحَة» وليس «نِصفُ التـُّـفـّاحَة». صحيح أن من يملك نصف تفاحة ليس كمن لا يملك أية تفاحة، لكنه لا يملك عددا من كامِلِتـُفـّاحات. فالذي يملك أنصاف التفاحات يملك شيئا معدودا، لكنه يملك عددا من أنصاف تفاحات، وهذا العدد من هذه الأنصاف التفاحية في حالتنا هو واحد، ومن الممكن أن يكون العدد اثنين أي نصفين من التفاح، وهذا غير الذي يملك نصفين من نفس التفاحة، فعندها يقال أنه يملك تفاحة واحدة، قد توصف بأنها منصفة أو مشطورة على نصفين، إذا تساوى الشطران، وإلا فهي تفاحة مشطورة إلى شطرين (غير متساويين). فالقول بوجود تفاحة مشطورة أو منصفة إنما هو توصيف للتفاحة، كالقول بوجود تفاحة مقطعة، أو مقشرة، أو مغسولة، أو حامضة، أو حلوة. إذن الكلام يجري هنا عن حالة أو صفة التفاحة وليس عن عددها.
3. علامة السلب أمام العدد لا تمثـل عددا حقيقيا جديدا يتميز عن العدد الموجب، فالناقص بالنسبة لمثال (- 2000 دولار) يعبر عن مقدار من العدد هو (2000) حاله حال الـ (+ 2000)، وعلامة الـ (-) إنما هي وصف للمعدود، بمعنى أن هناك 2000 دولار في ذمة صاحب الرصيد، فهو مدين بـ 2000 دولار، فنفس مفهوم ومقدار الـ 2000 دولار لم يطرأ عليها تغيـير، فكما تـقول إن 2000 دولار في المحفظة أو في الخزانة أو مودعة كأمانة، أو أريد اقتراض 2000 دولار، تـقول ينقصني 2000 دولار، والذي يعبر عنه رياضيا ومصرفيا بأني أملك (- 2000 دولار)، وكلمة (أملك) إنما هي مجازية هنا، ففي الواقع أنا لا أملك شيئا، بل مطلوب مني أن أسدد 2000 دولار. نعم لهذه الـ (- 2000 دولار) اعتبار رياضي وحسابي، ولكنه لا يمثـل شيئا حقيقيا.
4. اللانهاية عدد لا يحاط به ولا يعد ولا تبلغ نهايته.
حيث إن المعني بالقسمة أو القابلية على التجزؤ هنا مأخوذ به التجزؤ الفلسفي، وليس التجزؤ الرياضي، لذا فلسنا معنيين إلا بعملية القسمة الناتجة عن أعداد حقيقية صحيحة. من هنا نعلم أن الواحد بصفته الوحدة العددية الأساسية غير قابل للقسمة، أي غير قابل للتجزؤ، وعدم تجزئه هو الذي جعله يكون الوحدة العددية الأساسية.
بالنسبة للأعداد الزوجية فالقدر المتيقن أنها قابلة للقسمة على اثنين. ومن الأعداد الزوجية ما يقبل القسمة على أعداد أخرى، بما في ذلك أعداد فردية أيضا.
أما بالنسبة للأعداد الفردية فتنقسم إلى قسمين:
1. قسم غير قابل للقسمة.
2. قسم قابل للقسمة على عدد فردي واحد فأكثر.
هناك مشتركان بين الواحد واللانهاية؛ فكلاهما غير قابل للتجزؤ بواسطة القسمة، كما وكلاهما غير قابل للعدّ، مع فرق في ذلك بإمكانية البدء بعدّ اللانهاية ولكن دون بلوغ نهاية العد. وبالتالي هناك فرق جوهري بين الواحد واللانهاية، فبينما يكون الواحد محاطا به، لا يمكن الإحاطة باللانهاية.
لكن اللانهاية (= المطلق = واجب الوجود) رغم ما ذكرناه عن عدم إمكانية الإحاطة بها، فعدم الإحاطة يصح من زاوية، ولكن من زاوية أخرى يمكن اعتبار اللانهاية مما يحاط به. ومن أجل توضيح ذلك، لا بد من شرح الفرق بين التفسير الرياضي والتفسير الفلسفي.
- اللانهاية ومن خلال ما يعبر عنها اسمها غير قابلة للإحاطة بها بسبب لا نهائيتها.
- لكن اللانهاية تعتبر لا من حيث الحجم والسعة والامتداد، ولكن من حيث عدد ما هو اللانهاية أو لنقل اللامحدود، فهو واحد لا ثاني له.
- النسبي المحدود المحاط به لا يستطيع أن يحيط بالمطلق اللامحدود غير المحاط به.
- مع هذا يمكن يمكن الإحاطة بالمطلق اللانهائي كمفهوم، كون وجوده واجبا عقلا. إن المطلق إنما يُحسّ به بقوة إحساس العقل، ويُرى بقوة بصر القلب، ويُسمع بقوة سمع الفطرة الإنسانية.
كل واحد هو بنفسه واحد، ولكن لا يجب أن يكون الواحد وحيدا، بل الآحاد متعددة. لماذا يجب المطلق وحده أن يكون متوحدا لا ثاني له؟ فلأن المطلق يحيط بكل شيء، كونه مطلقا لانهائيا لامحدودا. وحيث أن مفهوم (كلـُّشيء) لا يمكن أن يكون كلـَّشيء إلا مرة واحدة، إذ فرض وجود كلـِّشيء ثان يمثل تناقضا لمفهوم كلـِّشيء، فيكون بالضرورة محالا عقلا. ومن هنا لا يوجد إلا مطلق واحد يحيط بهذا الـ (كلـِّشيء).
لكن لماذا لا يمكن للمطلق أن يتجزأ؟ إلى جانب الدليل الرياضي لعدم تقسيم، أي تجزئة اللانهاية، نريد هنا تناول فرق جوهري بين الواحد الممكن المتعدد، والواحد الواجب المتفرد (اللامتعدد). على ضوء مثال التفاحة قد يلتبس الأمر على البعض، ويطبق المثال خطأ على الواحد المطلق. فقد ذكر في مثال التفاحة أننا عندما ننصّف أو نثلـّث أو نربّع التفاحة، لم يعد لدينا تلك التفاحة، بل يكون لدينا وحدات جديدة تسمى أنصاف أو أثلاث أو أرباع التفاحة، على أن نصف التفاحة هنا وإن كان مركبا لغويا، إلا أنه يمثل من الناحية المنطقية مفردا وليس مركبا كما ذكرنا. وهنا قد يتبادر إلى ذهن من يريد تنصيف المطلق فيتحدث عندها عن نصف المطلق أو نصف واجب الوجود، وبالتالي عن نصف الإله. والفرق واضح إذ أنه رياضيا لا يمكن تنصيف اللانهاية، أو القيام بأي تجزيء لها، فتبقى اللانهاية لانهاية بدون أي تبدل في حجمها، وفلسفيا لا يمكن الكلام عن نصف واجب الوجود، فواجب الوجود بالضرورة العقلية ثابت غير متحول، وواحد غير متجزئ، لأن ما يتجزأ محتاج إلى جزئه، والحاجة نقيض الغنى الذي هو من لوازم الوجود الواجب، كما أن واجب الوجود ثابت غير متحول، والتجزؤ إنما هو تحول من الكل الواحد إلى الأجزاء المجزأة من ذلك الكل الواحد. فما هو قابل للتجزؤ، والمحتاج، والمتحول، لا يكون إلا ممكنا وليس واجبا، والممكن يتساوى فيه إمكان الوجود والعدم.
فالمطلق واجب واحد غير معدود، متوحد نسبة إلى غيره أي لا ثاني له، متوحد بالنسبة إلى نفسه أي غير قابل للتجزؤ، محيط بكل شيء، ليس كمثله شيء، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك مطلق آخر، كما لا يمكن أن يكون هناك جزء مطلق.
اللانهاية في عالم الإمكان يختلف عن اللانهاية (المطلق) في عالم الوجوب. فبينما تكون للنهاية في عالم الإمكان بداية، دون أن تكون لها نهاية، وهي من هنا أقرب إلى تصور الإنسان، فإن اللانهاية في عالم الوجوب هي لابداية ولانهاية، أي أزلية وابدية في آن واحد. لأن البداية أو الحدوث هي من سمات الممكنات، بينما القدم أي الأزلية أو اللابداية هي من سمات واجب الوجود، كون ما كان له بداية انبعاث للوجود، لا بد أن يحتاج إلى علة لانبعاثه إلى الوجود، والحاجة إلى العلة من خواص ممكن الوجود فقط، إذ قانون العلية يعرف بأن «كل ممكن يحتاج إلى علة لانبعاث وجوده، كما ولتحول ماهيته».
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::