الأشكال الأساسية منظورا إليها من ثلاث زوايا
هناك ثلاثة أقوال أو ثلاث نظريات في عدد وماهية الأشكال الأساسية. وقبل عرض هذه النظريات الثلاث لا بد من الإشارة إلى اثـنين من هذه الأشكال ما لا خلاف فيه، هما الدائرة والمثـلث. أما النظريات الثلاث فإحداها هي النظرية المشهورة الثلاثية، بينما النظريتان الأخريان الثـنائية والرباعية فهما من ابتكار كاتب السطور.
قبل ذكر النظريات الثلاث وتـقسيماتها، من الجدير ذكره هو أني وخلاف المشهور أريد التميـيز بين المثـلث والثـلاثي، وهكذا بين المربع والرباعي، والمخمس والخماسي، وهكذا، وأعني بالمثـلث مثـلا هو المثـلث متساوي الأضلاع، وبالتالي متساوي الزوايا (3 × 60°)، وما سواه أسميه بالثلاثي، وهكذا. فالمربع هو الرباعي متساوي ومتوازي الأضلاع ومتساوي الزوايا (4 × 90°)، بينما تـقع تحت الرباعي إضافة إلى المربع جميع الأشكال رباعية الأضلاع، كالمستطيل والمعين ومتوازي الأضلاع وغيرها.
كما إننا نميز بين الشكل البسيط والشكل المركب، وبين المركب المتماثـل والمركب المتغاير، وبين المركب والمجزأ، كجزء الدائرة؛ نصفها أو ربعها، أو أيّ جزء منها. كما نميز بين الشكل الأساسي البسيط، والشكل الأساسي المركب.
1. النظرية الثلاثية:
هي كما ذكر سلفا النظرية المشهورة والمتبناة، ومفادها أن هناك ثلاثة أشكال أساسية هي:
أ- الدائرة: وهو شكل أساسي بسيط، وهو الشكل الوحيد المتـشكل من خط واحد، لا يسمى ضلعا بل محيطا، وهو الشكل الوحيد الذي يتـشكل من خط منحن. وبقية الأشكال البسيطة (غير المركبة) تـتـشكل من ثلاثة أضلع فأكثر، وكلها خطوط مستـقيمة.
ب- الثـلاثي: وهو شكل أساسي بسيط أيضا، وما المضلعات من خماسية وسداسية وغيرها إلا عبارة عن أشكال مركبة تـتـشكل من مجموعة مثـلثات أو ثـلاثيات بعدد أضلع المضلع، فالمخمس أو الخماسي يتـشكل من خمسة ثـلاثيات (مثـلثات حسب المصطلح المشهور)، والمسدس أو السداسي من ستة، وهكذا.
ت- الرباعي: وهو - حسب ما أتبناه - شكل أساسي مركب، إذ أنه يتـشكل من ثلاثيـين (مثـلثين حسب المصطلح المشهور).
2. النظرية الثـنائية:
وهذه النظرية الذاتية تعني بالأشكال الأساسية فقط ما هو بسيط منها دون المركب، والشكلان هما:
أ- الدائرة: ومنها يـتـفرع البيضوي (ellipse).
ب- المثـلث: واعتبر المثـلث أو الثلاثي كأول مضلع بسيط متكون من أقـل عدد ممكن من الأضلاع، حيث لا يمكن تـشكيل شكل من ضلعين، إذ يبقى الضلعان إذا كانا ملتـقيـين في نقطة مفتوحين من النهاية الثانية، ما لم يربط بينهما ضلع ثالث يكوّن مثـلثا أو ثلاثيا، ويبقى غير الملتقيـين أي المتوازيان مفنتوحين من جهتين، ما لم يربط بين نهايتي كل جهة ضلع؛ أي ضلعان يكوّنان مع المتوازيـين مربعا أو رباعيا. المثـلث يبقى هنا هو الشكل المضلع الأساسي، أي الشكل المتكون محيطه من أكثر من خط مستـقيم يمثـل كل منها ضلعا من أضلعه. أما الرباعي من مربع أو رباعي أي مستطيل أو متوازي أضلاع أو معين، فهو بالنسبة لهذه النظرية شكل مركب، يتركب من أكثر من مثـلث أو ثلاثي؛ من اثـنين في الرباعي، ومن أكثر في المضلع ما فوق الرباعي.
3. النظرية الرباعية:
هي:
أ- الدائرة: هي الشكل المتكون من خط واحد يسمى محيطا للدائرة، ينحني بانسيابية دون انكسار، أي خاليا من الزوايا، ودون طروء تغيـير على القطر.
ب- المثـلث: هو الشكل المتكون من ثلاثة خطوط مستـقيمة تحيط به، هي أضلعه، ويمكن اعتبار المثـلث هو المضلع الأساسي البسيط المتكون من أقل عدد ممكن من الأضلع، مع عدد مماثـل من الزوايا، وهكذا تكون عدد زوايا كل مضلع بعدد أضلعه. ويمكن ضم الثلاثي إلى المثـلث، مع أن المثـلث يعتبر هو الأساس، وفرقه عن سائر الثلاثيات أنه يتكون من أضلع متساوية في الطول، ومن زوايا متساوية في الدرجة، ومجموع زواياه ككل ثلاثي هي 180°، يتميز المثـلث في كون كل منها 60°، بينما تـتـفاوت في الثلاثي غير المنتظم مع ثبات المجموع بطبيعة الحال، فإذا تساوت اثـنتان عرف ذلك الثلاثي بمتساوي الضلعين.
ت- المربع: هو الشكل المتكون من أربعة خطوط مستـقيمة تحيط به، هي أضلعه، ويمكن اعتبار المربع هو المضلع الأساسي البسيط المتكون من أقل عدد ممكن من الأضلع والقائم على أساس التناظر (symmetrie)، مع عدد مماثـل من الزوايا. ويمكن ضم الرباعي إلى المربع، مع أن المربع يعتبر هو الأساس، وفرقه عن سائر الرباعيات أنه يتكون من أضلع متساوية في الطول، ومن زوايا متساوية في الدرجة، ومجموع زواياه ككل رباعي هي 360°، يتميز المربع في كون كل منها 90°، بينما تـتـفاوت في غيره من الرباعيات، مع ثبات المجموع بطبيعة الحال. فإذا تساوت كل الزوايا، مع عدم تساوي الأضلع، وتساوى كل ضلعين متـقابلين، فذلك هو المستطيل، وإذا تساوت كل زاويتين متـقابلتين، فذاك هو متوازي الأضلاع، وإذا تساوت كل زاويتين متجاورتين، فذاك هو المعين، والرباعي غير المنتظم هو ما لا تـتساوى فيه الأضلع ولا الزوايا.
ث- المسدس: ويتـشكل من ستة أضلع وست زوايا، ومجموع زواياه 720°. ولكن ما معنى أن يضاف المسدس دون ما قبله (المخمس) وما بعده (المسبع فما فوق)، فلأن للمسدس خواص لا يملكها غيره من الأشكال، كما سيتبين، وهو الشكل الذي يجمع بين الدائرة والمربع من جهة، وبينها والمثـلث من جهة أخرى. وهذا تـشرحه النقطة الآتية.
المشتركات بين الأشكال الأساسية للنظرية الرباعية: كل من الأشكال المضلعة - ولنا إلى الدائرة عودة -، أي المثـلث والمربع والمسدس تـشترك في خاصية لا نجدها في المضلعات الأخرى؛ ذلك أن عددا غير محدود من الأشكال المتماثـلة يمكن أن تـتجاور من كل جهة، أي بمحاذاة كل ضلع من أضلاعها، دون فراغ يضطر إلى ملئه بشكل أجنبي عن الأشكال المتماثـلة المتجاورة، ففي حال المثمن تجاور أربعة أضلع منه فقط مثمنات مثـله، بينما نحتاج للجهات الأربع المتبقية من المثمن إلى أربع مربعات، ضلع كل منها بطول ضلع المثمن.
خصوصيات المسدس: المسدس هو من زاوية نظر معينة عبارة عن دائرة حاولت أن تحاكي المثـلث والمربع في لا نهائية التجاور للمتماثلات دون فراغ، فاضطرت إلى أن تـلغي انحناء وأحادية محيطها، ليتعدد وتستـقيم أفراده، فيتكسر المحيط أو يتضلع إلى ستة أضلع، زاوية كل منها 120°. إذن المسدس هو المضلع الأشبه شيء بالدائرة، مع اشتراكه مع المربع بخصوصيته في التجاور المتماثـل اللانهائي، وقـلنا المربع دون المثـلث، مع أن المثـلث يشارك المربع في هذه الخصوصية، لأن الدائرة تمثـل وقبل المربع غاية التناظر (symmetrie) وهذا التناظر نجده في الدائرة وفي المضلعات المنتظمة ذات العدد الزوجي من الأضلاع، ومن هنا كان مشترك إضافي بين الدائرة والمسدس والمربع دون المثـلث. وقد يقال أن المضلع إنما يقـترب من الدائرة، كلما زاد عدد أضلعه، فلماذا اعتبر المسدس ذو الأضلع محدودة العدد هو المضلع الأشبه شيء بالدائرة، يكون الجواب أن المسدس امتاز دون غيره بكونه المضلع المتـشبه بالدائرة، أو بكونه الدائرة المستحيلة مضلعا، لخاصية التجاور اللانهائي للأشكال المتماثـلة. من هنا فإن النحلة عندما جعلت خليتها على شكل مسدس، لم تـقصد المسدس لذاته، بل أرادت الدائرة التي تمثـل شكل الفطرة الأول، ولكنها حيث أرادت تعديد الدوائر المتجاورة بلا فراغ بين الواحدة والأخرى، تـشكلت المسدسات.
عدد الخطوط (الأضلع) المكونة للشكل الأساسي: هي وفق النظرية الأولى واحد وثلاثة وأربعة، ووفق النظرية الثانية واحد وثلاثة، ووفق النظرية الثالثة واحد وثلاثة وأربعة وستة. ولعله يكمن السر في تكرر العدد (اثـنا عشر) في قضايا لا تعد ولا تحصى، لأن الاثني عشر هو أول رقم يقبل القسمة على الثلاثة والأربعة والستة، فهو متكون من أربع ثلاثات، وثلاث أربعات، وستـتين، وهكذا نرى تكرر الثلاثة والأربعة والستة في الأشكال المضلعة الأساسية على ضوء النظرية الرباعية من جهة، وفي العدد اثني عشر من جهة أخرى.
الآثار النفسية والأبعاد المعنوية لكل شكل من الأشكال الأربعة:
لو تصورنا الأشكال آنفة الذكر مفرغة المساحة، ولو انتـقـلنا من البعدين إلى الثلاثة أبعاد، أي جعلنا من محيط هذه الأشكال (المساحات) الأحادي منها (في الدائرة)، أو الثلاثي أو الرباعي أو السداسي، أي حولنا الحدود من خطوط إلى مساحات قائمة على قاعدتها، أي جعلنا من المساحات أحجاما مفرغة أو حجرات، ولو تصورناها بمساحات متساوية، لتكون المقارنة قائمة على أساس التكافؤ، ولو تصورنا المساحة أربعة أمتار مربعة، وأقام في داخلها إنسان ما، ثم فحصنا أي إحساس سينتابه، وأي حالة نفسية ستعتريه، نجد ما يلي.
الدائرة: هي بلا شك أكثر الأشكال التي ترتاح إليها النفس الإنسانية، فالدائرة هي الشكل المغلق الأشبه بالمفتوح، والمحدد الأشبه باللامحدد، فهي المغلق المحدد الذي يضعف الإحساس بانغلاقه ومحدوديته أو تحدده أكثر مما هو الحال مع أي من المضلعات. والسر في ذلك يكمن في أمرين؛ في خلوها من الزوايا، التي تضيق النفس كلما ضاقت، وتـنفرج كلما انفرجت، وتكون في أقصى الانفراج كلما تلاشت في كثير الأضلع، وأقصى الانفراج يكون عندما تزول الزوايا كليا، كما هو الحال في الدائرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يكمن سر الانفراج، أن الضلع الأوحد للدائرة المنحني بكل انسيابية والمسمى بالمحيط لا يملك نهايات، حيث النهايات تـشعر بالحدود أكثر مما يشعر المحيط المنساب في دائريته.
المثـلث: وبعكس الدائرة يكون المثـلث أكثر المغلقات المحددات سببا لانبعاث مشاعر الضيق النفسي، فهو أضيق الأشكال للنفس الإنسانية، التي - كما مر آنفا - تضيق بمقدار ضيق وحِدّة زوايا الجدران المحيطة بها.
المربع: ومعه المستطيل أي الرباعي قائم الزوايا عموما، هو الشكل الأكثر عملية وواقعية، فهو ينفرج بانفراج زواياه نسبة إلى الزوايا الحادة للمثـلث، وإن كانت زواياه قائمة، وليست منفرجة، ولكننا نقصد الانفراج النسبي النفسي، لا انفراج الزوايا بالمصطلح الهندسي. والمربع شكل مريح للنفس الإنسانية، إذا غضضنا النظر عن قضية الحدود، وما تسببه من ضيق أو انفراج نسبيـين.
المسدس: هو أشبه المضلعات ممكنة التجاور المتماثـل بلا فراغ بالدائرة شكلا ونفسيا، أو قـل هندسيا وإنسانيا. فالنفس الإنسانية - بل والحيوانية أيضا - تـنفرج - كما بينا - كلما انفرجت زوايا المغلق المحدد غير الدائري (المضلع)، وتضيق كلما ضاقت. إذن المسدس هو المضلع المستدير نسبيا، أو الدائرة التي استحالت مضلعا أي هو الدائرة المتسدسة.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::