الأمم ومخاضات الولادات الكبيرة والانعطافات الخطيرة في تأريخها

 

قال الله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». نعم .. فعَون الله لا يتنزل بشكل غيبي وإعجازي إلا في مقاطع استثنائية، وإلا فالقاعدة أن تسري ما أسماه الشهيد محمد باقر الصدر العظيم بسنن التاريخ أو سنن الله في التاريخ، حيث جعل الله لكل مسبَّب سببا، وهذا لا يسري فقط على مفردات الطبيعة في عوالم الفيزياء والكيمياء والفلك وغيرها، بل يشمل حركة المجتمع والتغيُّرات الاجتماعية التاريخية، بحيث أن الظاهرة التاريخية تكون وليدة لمجموعة عوامل ومقدمات، منها ذاتية في أفراد ومجموعات المجتمع، ومنها موضوعية تتعلق بالظروف المحيطة، أو الخارجية، أي من المحيط القريب المباشر، أو المحيط البعيد غير المباشر، ومنها ربما حتى الطبيعية، مع أن هذه الصرامة القانونية لحركة المجتمع والتاريخ لا تظهر لكل إنسان، أو لا تظهر من غير ثغرات في حسابات العلل والأسباب، ومنها تأتي المفاجأة لا من رحم الصدفة، إذ لا صدفة محضة، بل يحصل غير المتوقــَّع لأن الناس لا يحيطون بكل الظروف والحيثيات والعلل لظهور الظاهرة التاريخية المفاجـِئة على نحو الإيجاب أو على نحو السلب.

 

العراق يقف أمام منعطف تاريخي خطير ليكون وينعم بكينونته الجديدة أو لا يكون بأن يضيع عليه حاضره ومستقبله لا قدر الله. إننا نتطلع إلى مجتمع عراقي حر حضاري موحد ديمقراطي متنوع تعددي متعايش بمحبة ووئام بأخلاقية قبول الآخر يرفل في ظل عدالة اجتماعية وسياسية وتصان فيه كرامة وأمن ومال وعرض الإنسان أيا كانت هويته، عراق مستقل ذي سيادة وطنية كاملة، متعايش مع الشعوب المجاورة وعموم الممجتع الدولي على أساس السلام والتعايش وحوار الحضارات، والمصالح المشتركة أو المتبادلة، طاوين ملف الصراعات الحادة والحروب إلى الأبد. ولكن الطريق حتى بلوغ هذا الهدف المصيري محفوف بالكثير من المخاطر من الخارج ومن الداخل، من جهل وعصبية ومغالاة هنا، وطائفية هناك، وصدامية ما زالت تصارع الموت هنالك، وأنانية مخابراتية إقليمية غير مسؤولة في موقع آخر، وقد يتحالف أكثر من طرف ضمن حلف غير مقدس ضد مستقبل العراق. وفي الواقع لا ينبغي أن يهمنا في الوقت الحاضر، إلى أي تيار أو نظرية سياسية ينتمي هذا أو ذاك بقدر ما يهمنا اطمئناننا إليه أنه يحب الخير للعراق وللعراقيين كل العراقيين. ويتوهم من يدعي أنه يحب العراق والعراقيين، من يتعصب لنظريته ورؤيته، ويمارس أخلاقية التسقيط بالتكفير تارة، أو بالتخوين ثانية، تجاه كل النظريات والرؤى والمواقف السياسية الأخرى، وتجاه أصحابها، إسلامية كانت أم علمانية، أصيلة أم طارئة على حد سواء، ويشطب على شرعية كل من لا يلتقي معه بكل التفاصيل بدون أي استثناء في تلك التفاصيل، بما في ذلك الخضوع التام والمطلق لتوجياته، فيضع كل هؤلاء في خانة المارقين عن الدين أو الخائنين للوطن أو يرميهم بكلا التهمتين.

  1. أقول يجب أن تتوحد كلمة كل المحبين للعراق، كل العقلانيين، كل الحريصين على الوصول إلى ساحل الأمل المنشود، بقطع النظر عن خصوصياتهم القومية أو المذهبية أو الدينية أو ألإيديولوجية أو السياسية، ليفوّتوا الفرصة على كل مُخربّي المشروع الوطني العراقي، عن علم أو عن جهل، أو جهل مركب، من الداخل ومن الخارج، كي لا يحولـّوا العراق - لا قدر الله - إلى محرقة رهيبة أو مطحنة مُروّعة.

  2. والمطلوب الثبات والإصرار على الهدف كاملا وعدم الشك ببلوغه مهما كانت الصعاب والتضحيات، فالعراق يستأهل ويستحق أن يصل إلى ذلك الشاطئ الآمن بعد كل ما مر به.

  3. كما علينا تجنب الدخول في صراعات جانبية مع أي طرف، باستثـناء البعثيين الصداميين وأعني بالذات المصرّين على صداميتهم، بل يجب توفير كامل جهودنا للبناء الثقافي والتربوي الأخلاقي والسياسي والبنيوي والمؤسساتي والدستوري. وبدل الدخول في صراع مع من يشتهي أن يجرّنا إليه، نقدم لجمهورنا بكل أطيافه البديل؛ الثقافة البديلة، والأخلاقية البديلة، والأداء البديل، والأطروحة البديلة، والحقيقة البديلة، والواقع البديل على الأرض من خلال قرن الرؤى والمبادئ والأسس بالخطوات العملية الملموسة، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا وتتحقق سنة من سنن الله في التاريخ، إذا وفرنا أرضيتها، وهي «أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».

 

نسأل الله تعالى أن يفرغ علينا صبرا ويُخلِص نوايانا ويسدّدنا للصواب بما فيه خير هذا البلد وهذا الشعب المظلومَين ظلما مزدوجا من أعدائه، لا سيما النظام الذي جثى على صدره قرابة أربعين عاما، والاخوة الحاسدين له، وظلما من الداخل من جهّالنا، وأن يُصلح كل فاسد من أمورنا، من جهلنا وعصبياتنا وأنانياتنا، وأن يأخذ بيد العراق إلى شاطئ الحلم الجميل المنشود، عليه توكلنا وكفى به وكيلا.

 

ضياء الشكرجي

2003

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::