بين الوطنية والعنصرية .. وبين الانتماء والتعصب
ضياء الشكرجي
مقالة كتبت على شكل حلقات لصفحة «كتابات» على الإنترنت. تعيد البيان نشرها بعد المراجعة والتصرف من قبل الكاتب تعميما للفائدة.
نريد أن نتناول هنا عراقيتنا نحن العراقيين، وانتماءاتنا الأخرى في إطار عراقيتنا هذه تارة، وأخرى بما يتجاوز هذا الإطار، ونشير إلى ما هو انتماء وولاء مقبول وطبيعي، أو ربما ما يكون تأكيده مطلوبا وراجحا، وبين ما يمثل لونا من ألوان العنصرية، ونميز بين الانتماء الخاص المتوجه إلى داخل الجماعة ذات الانتماء المشترك، وما هو موجه إلى الخارج، أي باتجاه دوائر الانتماءات الأخرى الوقعة حارج دائرة انتمائي بنسبة أو بأخرى، وبين ما هو ذاتي في تحديد طبيعة العلاقة من موقع الفعل، وما يمثل ردة فعل من موقع الانفعال بموقف الآخر من أصحاب ردة الفعل.
نحب أن نتناول جميع الانتماءات والولاءات في الدوائر التي هي أخص من (العراقية)، وكذلك في الدوائر التي هي أوسع من ذلك. شيعية الشيعي، كردية الكردي، تركمانية التركماني، فيلية الفيلي، مسيحية المسيحي، آشورية الآشوري، وإلى غير ذلك، من أجل أن نحاول أن نضع الحد الفاصل بين الانتماء والولاء والقناعة من جانب، والعصبية والانغلاق من جانب آخر، كي لا تتحول القومية إلى شوفينية، والوطنية إلى عنصرية، والمذهبية إلى طائفية، والحزبية إلى صنمية، هذا من جانب، ومن جانب آخر كي لا تختل الأولويات في تحديد الانتماءات والولاءات، فتلغي حالات الانتماء الفكرية أو المذهبية أو الدينية الواسعة نسبيا الانتماءات الخاصة نسبيا، من خلال نظرة ربما فيها شيء من المثالية الدوڠمائية الداعية إلى الأممية، بالعناوين الإنسانية الكبرى، والتي هي من حيث المبدأ عناوين صحيحة ولا ينبغي أن تلغى، ولكن لا ينبغي أن تلغي من جانبها الخصوصيات الخاصة كخصوصياتنا ومشتركاتنا العراقية التي هي موضوع حديثنا، لا سيما في هذه المرحلة. نعم قد يكون المطلوب أحيانا أن تطغى إنسانية الإنسان فوق كل اعتبار، أو إسلام المسلم (أو إسلامية الإسلامي)، أو إيديولوجية صاحب الإيديولوجية، ولكن لكل راجحية أو مرجوحية ولكل تقديم أو تأخير في سلم الأولويات ظرفه ووقته وميادينه وزوايا النظر المختلفة إليه، فليس هناك ثابت ومطلق على طول الخط وفي كل الظروف، ومع هذا هناك في مرحلة معينة ما هو أثقل في الميزان. ومثال تبدل أولويات الانتماء، نجد الآن في أورپا اتجاها يريد تأكيد الانتماء الأوربي أكثر من الانتماء القومي أو الوطني، وهذا الاتجاه ما زال في مرحلة المراوحة بين الانتماءين، ومع هذا فليس من الصحيح أن يلغي أحد الانتماءين الآخر، بل ربما تتغير الأولويات حسب المراحل، ثم الأولويات تتغير ليس فقط عبر المرحل الزمنية، بل هي متفاوتة في المرحلة الواحدة من فرد إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، ومن موضوع إلى آخر.
لخص رسول الله (ص) المعادلة كالتالي: «ليست العصبية – وفي رواية (الجاهلية) – أن يحب المرء قومه، بل الجاهلية – أو (العصبية) أن يرى المرء شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين».
باعتبار أن الإسلام كان يمثل ثورة ثقافية وحضارية وأخلاقية، وباعتباره جاء يصحح الكثير من المعايير الخاطئة، فألغى التمايز على الأساس العرقي، فصدح القرآن بـ «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وصدحت الأحاديث الشريفة بأن «لا فضل لعربي على أعجمي (أي أجنبي) ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى»، وأكد الإسلام مسألة الانتماء إلى الأمة بمعناها العقائدي الأممي، أو لنقل الإنساني الجديد، وكنتيجة طبيعية لكل عملية تصحيحية ولكل ثورة ثقافية، أن يكون هناك تطرف في بعض الجوانب، من خلال سوء فهم، أو تعميم وإطلاق، حيث لا يجوز التعميم والإطلاق، فجاءت مجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة لتحفظ التوازن والاعتدال الذي عبر عنه النص القرآني بـ «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» والنص النبوي بـ «خير الأمور أوسطها». ومن هذه التصحيحات التي أجرتها النصوص على الفهم المتطرف للثورة الثقافية، فيما هي العلاقة مثلا بالنسبة لأصحاب الديانات الأخرى، الذين واجهوا في تلك المرحلة الديانة الجديدة بالرفض والتعصب والمحاربة النفسية والإعلامية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ثم المحاربة على مستوى القتال، فجاء النص القرآني يحذر من تعميم الموقف تجاه كل من اختلف مع المسلمين في العقيدة ليقول «ليسوا سواءً»، وفي آية أخرى يصحح القرآن شبهة أن المعاملة الإنسانية والأخلاقية ومشاعر المودة مقتصرة على علاقة الأخوة بالمعنى الأخص أي أخوة الانتماء العقيدي، ليقول الله تعالى «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين». وهكذا غالى البعض في الإعراض عن الوشائج الخاصة، كالعلاقة الوطنية أو القبلية أو غيرها، متصورين أن الإسلام بطرحه لمشروعه الإنساني الذي يتجاوز كل تلك الأطر الضيقة، جاء ليلغي كل تلك العلاقات بشكل قاطع، مما جعل البعض يحمل تصورات بأن أي إحساس بانتماء سابق للإسلام، كالانتماء للقبيلة أو الوطن أو غيره هو ضرب من الجاهلية، فجاء الحديث ليصحح هذا المفهوم المتطرف «ليست الجاهلية أن يحب المرء قومه، بل الجاهلية أن يرى المرء شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين».
هذا الحديث يبين مجموعة حقائق:
إن هناك انتماءات وولاءات إنسانية ضمن دوائر متعددة، والتي تعبر عنه لفظة «قومه»، أي جماعته أو بالعراقية (ربْعَه)، ويمكن تعميم هذه العلاقة إلى مختلف العلاقات باتجاه التوسـّع والتعميم أو التضيـّق والتخصيص، كالعلاقة بالأسرة، القبيلة، الوطن، القومية، الدين، المذهب، الحزب ...
هناك إحساس إنساني طبيعي بالقرب النابع من أحاسيس المودة، أو القناعة الفكرية والاعتقادية إلى من هو أقرب، بقطع النظر عن موارد وسعة أو ضيق القرب.
وهناك حالات من اختلال التوازن إفراطا أو تفريطا، لابد من إعادة التوازن والاعتدال فيها.
فالعصبية (العنصرية، الطائفية، الفئوية ...) مرفوضة كمقياس يحل محل المقاييس والمعايير الصحيحة، وهي المقاييس الإنسانية ومقاييس التقوى والاستقامة وغيرها من مقاييس التفاضل كالعلم والسبق وما إلى غير ذلك، كل حسب سياقه ومجال استخدامه. ولكن هذا لا يعني أن الإنسان لا ينبغي له أن يشعر بمشاعر أكثر قربا وحميمية تجاه (جماعته)، سواءً كانت قبيلة أو أسرة أو وطنا أو قومية أو دينا أو مذهبا أو مدينة أو حزبا أو تيارا سياسيا أو فكريا، بل حتى لو خصهم بالمعروف والعمل الصالح وأعمال الخير الإنسانية والبر وأولوية الاهتمام، فهذا هو الآخر طبيعي، لا بل هو راجح، مع غياب اعتبارات أخرى تغير معادلة الترجيح والأولوية، وذلك من خلال قاعدة «الأقربون أولى بالمعروف».
هذه المقالة تريد أن تبين الحد الفاصل:
- بين أولوية الوطنية والانتماء العراقي من جهة، وبين العنصرية العراقية من جهة أخرى.
- بين الانتماء القومي أو الأثني من جهة، وبين التعنصر القومي والشوفونية من جهة أخرى.
- بين المذهبية كقناعة أو انتماء موروث من جهة، وبين التعصب المذهبي والطائفية من جهة أخرى.
- بين الإيمان والالتزام من جهة، وبين التعصب الديني من جهة أخرى.
- بين الحزبية من جهة، وبين التعصب الحزبي والفئوية من جهة أخرى.
- بين الولاء والانقياد لقيادة قائد ما من جهة، وبين الشخصانية والصنمية من جهة أخرى.
- بين القناعة الفكرية أو السياسية من جهة، وبين التعصب للفكرة ودعوى احتكار الصواب من جهة أخرى.
فحيث أن لكل شخص أو مجموعة عدة هويات تتفاوت أولوياتها، وعدة علاقات خاصة بأفراد كل هوية من تلك الهويات (مثال: هوية حزبية، هوية مذهبية، هوية قومية)، يمكن القول بأن هذه الهويات والعلاقات الخاصة تتقاطع وتتداخل في كثير من الأحيان، وهذا التقاطع والتداخل يخفف من حدة الولاء الخاص الذي يشتمل على خطورة التحول إلى عصبية. فأنت تشعر بعدة انتماءات تتداخل تارة، وتتقاطع أخرى، أو تتكامل أو تتمازج تارة ثالثة أو رابعة، وتضيق دائرة الانتماء بالنسبة للأخرى فتكون أخص منها تارة، وتتسع فتكون أعم منها تارة أخرى. للتوضيح إذا كنت وطنيا عراقيا من جانب، وإسلاميا من جانب آخر، فتارة تكون إسلاميتك أخص من عراقيتك، باعتبار أن التيار الإسلامي بالنسبة للعراقيين يمثل واحدا من التيارات الوطنية – وإن كان يمثل التيار الأوسع -، وتارة تكون إسلاميتك أعم من عراقيتك فيما تلتقي به مع عموم الإسلاميين العراقيين منهم وغير العراقيين، ونفس الشيء يقال عن الشيوعي، وعن الكردي، وعن المسيحي، وعن الشيعي، والليبرالي، وإلى غير ذلك من الانتماءات والولاءات بكل أنواعها، الموروثة منها أو المتبناة عن قناعة ذاتية. ففي الوقت الذي تكوّن مع (جماعتك) أو (قومك) - حسب المصطلح في الحديث الشريف - على نحو من الأنحاء ومعنى من معاني الانتماء على مستوى الوحدة أو التحالف، تشكل وحدة أو تحالفا آخر مع بعض - وليس كل - من هم من داخل هذه الدائرة، وآخرين ممن هم من خارجها، ولكن على أسس أخرى من الالتقاء. مثال ذلك إذا لم يكن كل الإسلاميين يتبنون فكرة المواءمة بين الديمقراطية والإسلام، وكذلك ليس كل الماركسيين أو عموم اليساريين يتبنون الديمقراطية، وهكذا بالنسبة للتيارات الأخرى من قوميين وغيرهم، فيكون هنا نوع من تحالف للديمقراطيين من كل التيارات. أو يكون التحالف على أساس موقف ما، كما حصل قبل سقوط الطاغية من مواقف من الحرب مثلا أو من مؤتمر المعارضة لندن/أربيل أو غير ذلك، فيلتقي الديمقراطيون المؤتمرون من جانب، والديمقراطيون المقاطعون للمؤتمر من جانب آخر. وهكذا هناك أمثلة كثيرة للتقاطع، التداخل، التمازج، التكامل، التوسع إلى ما هو أعم، التضيق إلى ما أخص، وهكذا. تنوع الانتماء يخفف من حدة كل انتماء ويساعد على اختفاء حالات التعصب، كما يعطي الفرصة للانفتاح من جانب ولتداخل دوائر الانتماءات من جانب، وهذه التداخلات تمثل بالنتيجة كذلك جسورا تمتد بين انتماء وآخر من خلال الأطراف متعددة الانتماءات. فالشيعي العلماني على سبيل المثال، يمثل جسرا بين الإسلاميين الشيعة والعلمانيين الشيعة، وبالتالي جسرا بين الإسلاميين والعلمانيين، إضافة طبعا إلى الجسور الأخرى الممتدة بينهما، كالوطنية والديمقراطية وغيرها.
أما عن تفاوت أولويات ومدى قوة الانتماءات، فمن الأمثلة على ذلك، أنت شيعي تشعر بوحدة انتماء مع بقية شيعة العالم، ثم تشعر بخصوصية علاقة مع من هو شيعي مثلك ومشارك لك في القومية، كأن يكون شيعيا عربيا، أو شيعيا كرديا وهكذا. وتارة تكون خصوصية الانتماء إلى العراق في مجال ما هي الأقوى، فترى أن ما يجمعك مع السني العراقي أكثر بكثير مما يجمعك مع الشيعي اللبناني أو الإيراني، بل تجد ما يربطك مع المسيحي العراقي وفق اعتبارات معينة أوثق من روابطك بالشيعي او حتى المسلم غير العراقي. وهكذا كمسلم مؤمن وملتزم، يجد المتمذهب تارة علاقة قريبة مع المنتمين إلى مذهبه بقطع النظر عن التزامهم، ووفق اعتبارات أخرى يجد نفسه مع المؤمنين الملتزمين من المذهب الآخر علاقة أوطد وأوثق من أبناء مذهبه غير الملتزمين. وقد يجد الإسلامي – المتزم بالضرورة – ما يجمعه مع العقلاء من العلمانيين المنفتحين الوضوعيين المعتدلين أكثر مما يربطه مع الإسلاميين المنغلقين اللاموضوعيين المتطرفين.
وعندما تكون بهويتين مثلا عراقيا وكرديا، أو عراقيا وإسلاميا، أو عراقيا وماركسيا، أو عراقيا وشيعيا، أو عراقيا وعربيا. ويمكن استبدال العراقية بأية هوية أخرى وتقرنها بالهويات الأخرى. الهوية الثانية تأتي تارة على نحو التخصيص والتضييق، وتارة على نحو التعميم والتوسيع. يعني أنت عراقي من جانب، وإسلامي عراقي، فتكون الإسلامية أخص وأضيق، أو أنت إسلامي عراقي من جانب، وإسلامي أعم من عراقي من جانب آخر، فتكون هنا بالعكس إسلاميتك أعم من عراقيتك. ثم تارة تكون هذه أو تلك العلاقة هي الأقوى وتارة تكون الأضعف.
وتغير مواقع الأولويات هذه تتفاوت تارة:
من شخص إلى شخص داخل نفس المجموعة (القومية، الحزب، المذهب ...).
تارة من مجموعة إلى مجموعة أخرى.
تارة من مرحلة إلى مرحلة أو من ظرف إلى ظرف.
تارة حسب الموضوع، يعني تكون لدي أولوية في الخط العام وبقطع النظر عن خصوصية الموضوع الذي أنا في صدد التعامل فيه أو معه، ثم تتغير مواقع الأولويات ضمن حالة معينة، أو على أساس تناول موضوع معين، أو ضمن تحالف معين، وهكذا.
وهكذا تجد نفسك كإسلامي تلتقي مع كل الإسلاميين على أرضية هذه الهوية المشتركة، وهكذا كعلماني، لكن قد يطغى الانتماء العراقي أحيانا – كما هو الأمر في ظرفنا الراهن -، لا بل حتى الانتماء داخل الدائرة العراقية، فيما هو توزع الناس بين إسلاميين وعلمانيين، فقد يجد إسلامي نفسه - وفق اعتبارات معينة - أقرب إلى العلماني الذي يشاركه في مجموعة نقاط يراها أساسية، كالانتماء الوطني، والديمقراطية، والعقلانية والموضوعية، فإنه عندما يفتقدها عند إسلامي مثله، ويجدها عند علماني، يشعر من هذه الزاوية بقرب العلماني إليه ثقافيا بل وعاطفيا وبالتالي عمليا أشد، من قرب الإسلامي إليه وهكذا.
إن إدراك هذه المعادلات والتداخلات والتحولات أمر ضروري جدا لإدراك كيفية التعاطي مع موضوعة التعددية ومع الهم الوطني.
لا نريد أن نفصّـل أكثر مما فصّـلنا آنفا من الأمثلة ومن ذكر المزيد من الحالات المتعددة للتداخل والتقاطع والسعة والضيق والتكامل والتمازج، وتغير الأهميات والأولويات، وتحول الخاص إلى عام أو العام إلى خاص، في الانتماءات داخل وخارج حدود الوطن، داخل وخارج حدود الدين، داخل وخارج حدود المذهب، داخل وخارج حدود القومية، داخل وخارج حدود الحزب، أو داخل وخارج حدود الانتماء الفكري أو السياسي أو الإيديولوجي.
بشكل عام يمكن القول بأن أي نوع من أنواع القرب والمشتركات مقبول – على حد سواء عقلائيا ووطنيا وإسلاميا - ليكون مبررا للإحساس بقوة الانتماء أكثر مما هو مع من هو خارج تلك الخصوصية أو المشترك، ولو على مستوى الوقوع النسبي خارج الدائرة، ولكن لا ينبغي أن يكون الانتماء أو الولاء هو المقياس الوحيد للتقييم وتحديد المواقف، بل هو مقياس من المقاييس الذي تتفاوت أهميته وموقعه في سلم الأولويات حسب الظرف والزاوية التي ينظر منها إلى المسألة، والمهم أن «لا نرى شرار قومنا خيرا من خيار قوم آخرين»، أي السيئين - ولو جانب من جوانب السوء - من أفراد حزبنا، قوميتنا، مذهبنا، تيارنا، طائفتنا، عشيرتنا، مدينتنا ... أفضل ممن هم في واقع الحال أفضل – ولو في جانب من جوانب الأفضلية - منهم من الدائرة الواقعة خارج واحدة من دوائر الانتماء أو الولاء مما ذكر أو مما لم يذكر.
وأحيانا تتحدد العلاقة قربا أو بعدا ذاتيا من خلال حالة موروثة، أو بفعل التفاعل الذي يأتي كنتيجة للمعايشة المباشرة والقريبة، وأحيانا تتتحدد علاقات القرب والبعد ومداهما على أساس ردة الفعل. فتفرز العنصرية عنصرية مضادة، والطائفية طائفية مضادة، والفئوية فئوية مضادة. كأن يتحول الكردي في مواجهة العنصرية الموجهة ضده بصفته كرديا إلى عنصرية كردية، ويتحول الشيعي في مواجهة الطائفية الموجهة ضده بصفته شيعيا إلى طائفية شيعية، ويتحول العراقي المصاب بخيبة أمل من الشعوب الأخرى إلى عنصرية عراقية وهكذا. هنا لا بد من الانتباه بأن الخطأ لا يجوز أن يواجه بخطأ مثله، فعندما يكون آخرون عنصريين أو طائفيين أو متعصبين، لا يبرر لي ذلك أن أتحول إلى عنصري أو طائفي أو متحزب فئوي أو غير ذلك. ثم لا يجوز تعميم رد الفعل العنصري أو غيره على جميع من مارس من تلك المجموعة عنصرية تجاهك. فعندما كان المجرم صدام يضطهد الشيعة، لم يكن الشيعي العراقي يرى أنه إنما يضطهده من موقع كونه سنيا، وعندما كان يضطهد الأكراد، لم يكن ذلك من موقع كونه عربيا، وعندما كان يضطهد الإسلاميين فلا من موقع كونه علمانيا. بل حتى لو حاربت مجموعة مجموعة أخرى واعتدوا عليهم واضطهدوهم من موقع انتماء المعتدين إلى قومية أو دين أو مذهب، لا يجب تعميم تلك الممارسة على كل أتباع تلك القومية أو ذلك الدين أو المذهب فهم «ليسوا سواء»، بل يكون الموقف فقط تجاه من مارس العدوان والاضطهاد، ثم بعنوان أنه معتد أو ظالم، لا بعنوان أنه ينتمي الانتماء الكذائي، إلا إذا تحول ذلك الانتماء كله بكل أتباعه إلى حالة عدائية لك ولانتمائك، ولكن حتى في هذه الحالة، لعلك تظلم بتعميمك المطلق نسبة الخمسة بالمئة الذين لم يشاركوا قومهم أو جماعتهم بالممارسة والموقف والقناعة. مثال ذلك قد لا يكون من الصحيح أن يكون الصراع حتى مع إسرائيل على أساس كون الإسرائليين يهودا، بل بصفتهم صهاينة محتلين عنصريين، أو الصراع مع الغرب على أنه صراع مع المسيحية، باستخدام نعت الصليبية مما يوحي إلى دينية الصراع، حتى لو طرح هذا المفهوم من قبل الطرف الآخر، أو بعض من الطرف الآخر، فلا يبرَّر الخطأ على مستوى رد الفعل بالخطأ على مستوى الفعل. ففي مثالنا مع إسرائيل واليهود، لو كان هناك عشرة بالمئة من اليهود لا يعادون الفلسطينيين أو العرب أو المسلمين، بل ولهم موقف ناقد ورافض للسياسة الإسرائيلية الصهيونية العنصرية، فلماذا نحول هذه العشرة بالمئة إلى أعداء، في الوقت الذي يمكن أن نحيّدهم تجاهنا، بل ربما نضمهم إلى جبهتنا في الصراع، أو نشكل وإياهم نوعا ودرجة من تحالف أو ائتلاف. والقرآن حذر من رد الفعل العنصري – مثلا - بقول الله تعالى: «لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا، هو أقرب للتقوى». أي لا تكونن علاقة العداوة الشديدة والبغضاء تجاه جماعة ما – أو من قبلهم تجاهكم - مبررا لكم أن تمارسوا الموقف غير العادل، فتساوون بين المعتدي وغير المعتدي وبين الظالم وغير الظالم منهم، أو تنطلقون في تقييم خصومكم من موقع عقدة الحساسية تجاههم، فلا تكونوا موضوعيين مجردين في التقييم، أو تردون ظلمهم بما هو أشد وأعنف، فتتحولون من مظلومين إلى ظالمين، أو تنقضون عهودكم ومواثيقكم معهم، إلا إذا نقضوها هم. وكذلك يمكن هنا استيحاء معنى من معاني هذه الآية بمقدار ما يتعلق الأمر بموضوعنا هذا، وهو أن فرض وجود عنصرية وتعصب وفئوية الآخرين الموجهة ضدنا، مما ساهم في خلق عداوة شديدة مقترنة بكراهية شديدة بيننا وبينهم، لا ينبغي أن يكون مبررا لنا في أن نتعامل بنفس الطريقة من العنصرية والعصبية والتعميم. وهذا طبعا يختلف عن رد العدوان بمثله كوسيلة دفاعية.
وهنا نتناول أمثلة من دوائر الانتماء والولاء الضيقة أو الواسعة نسبيا.
عراقية الانتماء: لعل العراقيين – وأقصد الوطنيين منهم أي الذين يحملون هم الوطن – يجمعون اليوم على أولوية الانتماء العراقي في مقابل كل خصوصياتهم الأخرى، ولو على مستوى الممارسة والاهتمام والأداء في هذه المرحلة. وأسباب اكتساب (عراقيتنا) درجة الأولوية يعود إلى مجموعة عوامل يمكن تلخيصها كالتالي:
وحدة المحنة العراقية وحدت العراقيين وأشعرتهم بقربهم من بعضهم البعض أكثر من قربهم إلى غيرهم.
الظرف الاستثنائي الذي يمر به الملف الوطني العراقي يجعل الهم الوطني يتقدم على جميع الهموم والاهتمامات الأخرى التي يجد فيها العراقي ثمة مشترك مع غيره ممن له معه مساحة مشتركة من عقيدة أو إيدولوجية أو قومية أو نشاط ثقافي، مما يتسع إلى خارج المساحة العراقية (العروبة، الكردية، التشيع، التسنن، الإسلامية، العلمانية، المسيحية ...).
خيبة الأمل التي أصيب بها العراقيون من قبل بقية الدول والشعوب والأحزاب، حيث لم يجد العراقي الشيعي أن بقية الشيعة قد فهموا محنته وتفاعلوا معها كأبناء وطنه العراقي، ولم يشعر الإسلامي العراقي أن سائر الإسلاميين تعاطوا مع قضيته كما تستحق، ولم يشعر الكردي العراقي أن أكراد بقية مناطق كردستان استوعبوا خصوصية قضيته.
ولكن هنا مسألة يجب الالتفات إليها وهي أن يجري التمييز بين جعل العراق على قمة أولوياتنا، وبين التحول إلى عنصرية عراقية، بحيث تتصاعد لدينا حساسياتنا تجاه الإيرانيين واللبنانيين والفلسطينيين وغيرهم لهذا أو ذاك السبب. صحيح أن أكثر من ذكروا إما لم يفهموا قضية العراقيين أو لم ينصفوهم، فحين كان البعض ينتظر منا أن نكون تابعين اتباعا أعمى لتجربتهم، نجد آخرين قد أداروا ظهرهم إلى قضية الشعب العراقي بموقف اللاإكتراث، فكنا إذن واقعين ما بين انغلاقية وفوقية هؤلاء، وأنانية توجه أولئك. بعض آخر لم ينصف قضية العراقيين أو لم يفهمها، فأعلن تأييده وحبه وولاءه عن جهل أو عن علم تجاه جزار العراقيين. وصحيح أن الدول العربية والإسلامية – أو معظمها - حكومات وشعوبا وحركات إسلامية قد خذلوا الشعب العراقي وقضيته العادلة، أو تعاملوا معها على أقل تقدير باللاإكتراث واللامبالاة. كل هذا صحيح ولكن يجب أن ننتبه إلى الحقائق التالية:
كل هذا لا يبرر لنا أن نتعنصر عراقيا ونحول عراقيتنا إلى حالة عنصرية تتعصب تجاه الآخرين. فنحن نقدم الشأن العراقي، ولكن لا نريد ان نتعامل كالآخرين بأنانية عراقية، بل علينا أن نحضرن ونؤنسن عراقيتنا ونجردها من كل عنصرية وعصبية وجاهلية، لتكون عراقيتنا عراقية حضارية إنسانية منفتحة. فإننا لا نريد فقط أن نكون – إن شاء الله – نموذجا للتحول الديمقراطي في المنطقة، ونموذجا لتعايش السنة والشيعة، وتعايش الإسلامية والعلمانية في العالم الإسلامي، ونموذجا لتكامل فسيفساء تنوع المجتمع العراقي، بل نريد أن نكون نموذجا للتعامل الإنساني والحضاري مع بقية الشعوب.
رد الفعل لا يجوز له أن ينحى نفس المنحى الخاطئ للفعل. «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم». أي ليكن رد فعلك على الممارسة السيئة تجاهك رد فعل جميلا وإنسانيا وعادلا، فسترى كيف تتحول هذه الممارسة إلى سحر يحول أولئك الذين لم يحترموك، ولم يكترثوا بقضيتك، ولم ينصروك، وربما لم يودوك، إلى حالة من الاحترام والإجلال والإكبار والحب والمودة.
فلا ينبغي أن تكون خيبة أملنا في بعض الاخوة والأشقاء المجاورين أو الأقل جوارا تكريسا للعنصرية تجاههم، قد تتحول إلى عنصرية أيضا تجاه من يرجع في جذوره من العراقيين إلى تلك المجتمعات، وهم ليسوا بقليلين، وهم في كل الأحوال شريحة مهمة من شرائح الوطن العراقي والشعب العراقي. فالموقف تجاه كل هؤلاء لا ينبغي أن يكون موقفا عنصريا. إننا لا نتحدث في مثاليات، بل نقول إذا كنت مسلما مؤمنا أو إسلاميا، فهذه من لوازم القيم الإسلامية، وإن كنت ديمقراطيا فهذه هي من أهم مستلزات الفكر الديمقراطي يساريا كان أو ليبراليا، علمانيا أو إسلاميا. إذن إذا كنا نؤمن بكل ذلك فلم لا نحول إيماننا إلى موقف وممارسة وأداء وتعامل ولغة خطاب مع الداني والقاصي.
كن شيعيا واقتنع بشيعيتك وانتصر لحقوق الشيعة، ومارس بحرية شعائرك المذهبية، ولكن لا تكن طائفيا تجاه أخيك السني، كن عربيا أو لنقل من عراقيي الوسط والجنوب، ولكن لا تسمح لنفسك ولو بنكتة أو طريفة تمس كرامة الكردي وإنسانيته، فهذه النكات التي انتشرت في وقت ما إنما هي في غاية الانحدار الخلقي الذي لم يلتفت الكثيرون إليه، وهي لا تمثل أي لون من ألوان الطرافة، فإنها ممقوتة من أصحاب الحس الإنساني، والتدين الواعي، والفهم الحضاري أشد المقت، ومن هنا حرمها الشهيد الصدر (رض). كن عراقيا واعتب على مواقف الكثيرين من اخوة وأشقاء المنطقة، ولكن لا تطلق عبارات جاهلية عنصرية. وكن سنيا ولكن لا تفكر مرة ثانية أن تقصي الشيعي عن ساحة المشاركة في إدارة شؤون الوطن، وكن كرديا وطالب بكل قوة بكامل طموحاتك الكردية المشروعة، ولكن لا تظلم التركماني أو الكردي الفيلي في حقوقه، وكن حزبيا واقتنع بطروحات حزبك وروج لها ولكن لا تحول الحزب إلى صنم، ولا تتعقد تجاه المنتمين إلى الأحزاب الأخرى. ولا تنس أن في العراق ليس فقط العربي والكردي، بل هناك التركماني، وهناك الآشوري، وفي العراق المسيحي والصابئي واليزيدي، وفي العراق ليس فقط الكردي الكردستاني بل الكردي الفيلي، وفي العراق الإيراني (أقصد العراقيين الإيرانيين أو الإيرانيين العراقيين – سمهم كما تشاء -)، فلا تواصل المنهج الصدامي مع هؤلاء، فإذا تكلم العائدون من إيران في بيوتهم بالفارسية، فلا تقل عنهم (عجم)، بل عاملهم كأولئك الذين ستجدهم ربما يتكلمون الإنكليزية أو الالمانية أو الهولندية أو السويدية أو الدانماركية في بيوتهم نتيجة السنوات الطويلة التي عاشوها في مهاجرهم. هناك شريحة واسعة من العائدين ممن سيحملون جنسيتين، ولتكن ظاهرة ثنائية الجنسية ظاهرة حضارية مقبولة قانونيا ومقبولة اجتماعيا، وهي في كل الأحوال مقبولة إسلاميا.
عراق الحاضر والمستقبل يجب أن يكون عراق التنوع بكل ألوان التنوع التي ذكرناها، ولكن لا يجوز له أن يكون عراق العصبيات والعنصريات والجاهليات والطائفيات والفئويات والصنميات، لا في علاقاته الداخلية بين أطياف المجتمع العراقي ولا في علاقاته الخارجية مع سائر الشعوب.
2003
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::