الوفد الثلاثي إلى إيران

قبل المباشرة بهذا الموضوع أحب أن أشير إلى أمرين، الأول أنه ستكون لي في الأيام القريبة القادمة وقفة مع السيدين حمزة الگرعاوي وكاظم عبد الحسين عباس في مقالتيهما «رسالة إلى الأستاذ الشكرجي»، و«السيد ضياء الشكرجي .. توكل على الله .. لا تأخذك العزة بالإثم». والثاني أن مقالتي هذه جاءت لظروف استثنائية متأخرة قليلا فأعتذر للقراء.

ومسألة أخرى وجب الوقوف عندها أستثمر الفرصة لتناولها باختصار، لأهميتها من جهة، ولعدم سنوح فرصة إفراد مقالة خاصة بها من جهة أخرى. أعني تأكيد المالكي إصراره مجددا وبكل حزم وشجاعة وقوة لإكمال ما بدأه، وعدم تسامحه مع الميليشيات، حتى يحقق هدف جعل السلاح حصرا بيد القوات الأمنية والدفاعية للدولة، وهذا تثبيت من غير شك لأركان دولة القانون، وهذا ما يتطلع إليه كل عراقي وطني. ولذا رأيت لزاما علي تسجيل موقف الدعم لرئيس الوزراء والشد على يديه، ولكن هذا الدعم والشد على اليدين مشروط، فلو تبين صدق مخاوفنا في أن هذه الإجراءات غير محسوبة النتائج، أو محسوبتها ولكن باتجاه آخر غير الذي نتمناه للعراق، بحيث يؤدي ذلك إلى تغيير كفتي ميزان الصراع (الشيعسلامي-شيعسلامي) لصالح الطرف الذي تحوم حوله بدرجة أكبر شبهة الولاء لإيران، وانتهت القصة إلى انتصار ساحق لذلك الطرف في انتخابات المحافظات، مما سيؤول إلى تأسيس الفيدرالية الطائفية التساعية الخاضعة للنفوذ الإيراني، فستكون لنا وقفة أخرى مع المالكي ومع حزب الدعوة. أما إذا ما انتهى الأمر إلى ما نتمناه للعراق، مع تجنب إراقة دماء الأبرياء، بما فيهم أفراد التيار الصدري، إلا ما اضطررتم إليه غير باغين وغير عادين، فسيدخل المالكي التاريخ، كما ذكرت في مقالة سابقة كشخصية وطنية تاريخية من أمثال سعد زغلول وعبد الكريم قاسم.

والآن عودا إلى الوفد الثلاثي إلى إيران. نجد هنا أن وفدا تشكله قائمة الائتلاف العراقي الموحد للذهاب إلى إيران ليقدم وثائق عن تدخل جيش القدس في الشأن العراقي متشكل من هادي العامري وعلي الأديب وخالد العطية. وهنا من حقنا أن نسجل ملاحظات على تشكيل هذا الوفد.

الذي شكل الوفد القائمة البرلمانية المتهمة بالولاء بقدر أو بآخر لإيران، وهي قائمة الائتلاف العراقي الموحد الإسلامية الشيعية المرجـِعوية، وكان لزاما أن يجعل متنوعا، وليس ذا لون إسلامي شيعي فاقع.

الوفد مشكل من ثلاث شخصيات قريبة من إيران وذات علاقة تاريخية وثيقة بإيران ونظامها الإسلامي، وحتى مع فرض سلامة الدوافع وامتلاك الوفد للشجاعة الكافية لمواجهة الإيرانيين بالوثائق والأدلة ومطالبتهم بقوة بالكف عن نشاطهم التخريبي في العراق، ومع فرض إن العلاقة التاريخية الحميمة بين الموفـَدين الثلاثة وجمهورية إيران الإسلامية ومرشدها الأعلى الولي الفقيه الخامنئي ستوظـَّف إيجابيا لصالح العراق، فإنه من الصعب جدا أن تقنع قائمة الائتلاف ويقنع الموفدون الثلاثة أنهم سيكونون منحازين للمصلحة الوطنية العراقية، وليس إلى الدولة التي كانت لهم علاقة ولاء إيديولوجي تاريخية بها، حتى لو كانوا هم كذلك، من قبيل «رَحِمَ اللهُ مَن جَبَّ الغيبة عَن نـَفسِه».

لا أدري هل هذا الاختيار هو تعبير عن غياب الحكمة السياسية، أم هو استهانة بمشاعر الغضب الوطنية للعراقيين تجاه التخريب الإيراني في العراق، أم هو محاولة لتحسين صورة القوى السياسية الإسلامية الشيعية الائتلافية، بسبب ثبوت قربهم الفكري والنفسي والسياسي بدرجة تزيد أو تقل من (إيران الإسلام)، أم لا أدري.

والأمر الغريب الآخر هو إن سامي العسكري الذي عرف بتركيزه وتصعيده الهجوم على السعودية حصرا بسبب دورها غير الإيجابي في العراق، ومن جهة أخرى تبرئة إيران من أي دور سلبي، أو تخفيف ذلك الدور، على نحو أن يقال مثلا لقاتل قتلا جماعيا: «ربما كان أنسب لك أيها السيد القاتل ومع كل احترامنا لشخصك الكريم ألا تقوم بهذه المجزرة». مع هذا فإنه من الغريب أن يتكلم العسكري لأول مرة عن أدلة على التدخل الإيراني، يقول استصحبها الوفد معه، ولكن مع هذا سرعان ما يخفف من اللهجة، ومن اجل ألا يتكلم بلغة الإدانة للجارة الإسلامية الشيعية الشقيقة، راح يتحدث عن التثبت من اتهامات موجهة لإيران تتهمهم بها الحكومة من جهة، ويتهمهم بها الأمريكان من جهة أخرى، وهذا يعني أن العسكري ليس من المتهـِمين لإيران، كونه لا من الأمريكان ولا من الحكومة. ولا ندري ربما يعود الوفد الثلاثي بشهادة براءة لإيران، وبوثائق لا تقبل الشك لهذه البراءة، لأن إخوة يوسف كانوا أبرياء على طول الخط، إنما هو الذئب المجهول.

وهذا يجعلني أذكـّر بتصريح السفير الإيراني قبل مدة بتدخل سافر ترفضه كل الأعراف الدبلوماسية، بمطالبته بعدم اقتصار الحكومة على توجيه إجراءاتها تجاه جيش المهدي، بل عليها أن تفعل مثل ذلك مع الصحوات السنية. وأي حكومة تحترم نفسها كان يفترض بها أن تستدعي السفير وتكلمه بلغة واضحة وصريحة، وتطالبه بقوة بتفسير لما صرح به وبسحب تصريحه والاعتذار عنه، هذا إذا لم تبلغه وتبلغ خارجية الجولة التي يمثلها برغبتها بمغادرته العراق، لتبعث تلك الدولة بديلا يعرف حدوده فيما يجوز وما لا يجوز التصريح به فيما يتعلق بشؤون البلد المضيف، ويحترم الأعراف الدبلوماسية. لكن هذه الوقاحة من قبل هذا السفير الذي لا يمكن أن يقال عنه إلا أنه إما لا يفهم شيئا من الأداء الدبلوماسي، وإما أنه متجاوز لصلاحياته كسفير عن قصد وعدم احترام للدولة المضيفة، لم تقابل للأسف بأي إجراء يحفظ للعراق هيبته. وهنا أقول ليس غريبا أن يتعامل الإيرانيون بهذا النـفـَس، كونهم ما زالوا يعيشون وَهْمَ أن العراق جزء من إمبراطورية فارس، ولكن الغريب أن يسكت المسؤولون العراقيون عن هذا التجاوز الوقح.

ثم نقطة أخرى جديرة بالذكر، إن هدفا آخر ذهب الموفدون الثلاثة كما يبدو من أجله، ووجه من قبل المعني بالرفض، ألا هو أن يحضوا بشرف مقابلة السيد القائد كما يسميه أتباعه، أي القائد العام للقوات المسلحة لدولة المهدي. فقد استبقهم بالإعلان عن عدم استعداده لاستقبال الوفد.

ولكن مرة أخرى نتساءل، هل إنهاء دور جيش المهدي والتيار الصدري سيحقق مكسبا وطنيا للعراق، في طريق تثبيت أركان دولة القانون، ونزع كل السلاح غير القانوني، وإنهاء مظاهر التطرف الديني، أم هو انتصار للطرف المنافس له الأقرب إلى إيران. إن ثبت لي أن الأمر كذلك، سأنحاز لجيش المهدي، لأنه الأكثر عراقية من الطرفين، ولا أعني حكومة المالكي هنا، بل المستفيد الأول من تصفية التيار، ولأن التيار وجيش المهدي، ورغم كل تجاوزاته على القانون وعلى حرية وأمن المواطنين، سيكون سدا مانعا أمام مشروع الفيدرالية الكبرى لإقليم الوسط والجنوب التي ستسلم مفاتيحها، وبالتالي مفاتيح العراق كله لإيران.

وستكون لي في الأيام القريبة القادمة وقفة مع السيدين حمزة الگرعاوي وكاظم عبد الحسين عباس في مقالتيهما «رسالة إلى الأستاذ الشكرجي» و«السيد ضياء الشكرجي .. توكل على الله .. لا تأخذك العزة بالإثم».

 

03/05/2008

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::