الطائفية السياسية وتهميش المرأة في قانون الانتخابات

ابتداءً أقول، ولكي لا أبقي القارئ الكريم حائرا تجاه ما أقصد من العنوان، إن المقصود من الشق الأول منه ليس الطائفية في نفس القانون، بل بروز الطائفية السياسية في مواقف السياسيين من القانون والسجال الذي دار بينهم. ومن ثم سأتناول الإشكالية المتعلقة بحصة النساء.

كثر لأيام وأسابيع الكلام عن قانون الانتخابات، وطال الانتظار، وتوترت الأعصاب، وتقاطعت المواقف، واحتدت اللهجات، وتعددت التوقعات، وتباينت التخمينات. كلام عن فراغ دستوري محتمل، كلام عن تغييرات في المواقيت، وعن مدى دستوريتها، كلام عن تهديدات أمريكية بالعودة إلى المربع الأول وتعيين حاكم مدني أمريكي في حال حصل فراغ دستوري، وتهديد كردي بمقاطعة الانتخابات، وتقاطع بين نائب رئيس الجمهورية ورئيس الجمهورية، وتقاطع بين جبهة التوافق ونائب رئيس الجمهورية، وتصريحات سِياسُنَّية غارقة في السِّياسُنَّوية وأخرى سِياشيعِيّة غارقة في السِّياشيعَوية، ومواطن محبط وغاضب على السياسيين، وآخر متطلع إلى ثمة تغيير، وثالث باحث عن بدائل، ورابع يلوح بالمقاطعة بسبب الشعور باللاجدوائية السياسية. وأخيرا انكشفت الغمة، دون ضمان أن الجميع سيرضون عما تمخضت عنه المعمعة القانونِنتِخابية.

ولكن ليس ما ذكرت هو ما أريد أن أتناوله في مقالتي بعد غياب طويل نسبيا عن قرائي الكرام، بل الذي أريد أن أشير إليه هو بروز الطائفية السياسية، أي كل من السِّياسُنَّوية والسِّياشيعَوية، إضافة إلى العرقية السياسية، أي كل من السِّياكُردَويّة والسِّياعُروبَويّة. وسأبين كيف استغرق السياسيون السنة في سُنّويّتهم، والسياسيون الشيعة في شيعَويّتهم، والسياسيون الكرد في كُردَويّتهم والسسياسيون العرب في عُروبَويّتهم.

في أشواط من أسابيع وأيام الجدل حول قانون جرى الكلام تارة عن غبن واقع على المحافظات الكردية، وأخرى عن غبن آخر واقع على المحافظات السنية. هل كان هذا الغبن يا ترى حقيقيا، أم كان غبنا مُدَّعىً كرديا هنا، ومُدّعىً سنيا هناك، لغرض زيادة حصة هذا أو ذاك المكون؟ في كلا الحالتين السنية والكردية لا يعدو الأمر أحد احتمالين، إما ان يكون الغبن حقيقيا، وإما أن يكون غير حقيقي. في الحالتين نجد النفَس الطائفي واضحا لدى جُلّ السياسيين من داخل السلطتين التشريعية والتنفيذية الذين أدلوا بدلوهم. كيف؟ سأوضح: نفترض ابتداءً أن هناك غبنا قد وقع على السنة. فلماذا لم نجد سياسيا شيعيا واحدا يتصدى للمطالبة عن رفع الغبن عن المحافظات السنية؟ فهل من المقبول أن الغبن حاصل ولا يشخصه إلا سياسيون سنة، ولا نجد سياسيا شيعيا واحدا يشخص هذا الغبن ويعترض عليه؟ ألا يعني هذا أن السياسي الشيعي غير مبال بما ينال إخوته في المواطنة من السنة من غبن، وهو بالتالي غير مهتم إلا بالشيعة وليس بكل العراقيين؟ ثم نفترض ثانية أن هناك غبنا قد وقع على الكرد. فلماذا لم نجد سياسيا عربيا واحدا شيعيا كان أو سنيا يتصدى للمطالبة عن رفع الغبن عن المحافظات الكردية؟ فهل من المقبول أن الغبن حاصل ولا يشخصه إلا سياسيون كرد، ولا نجد سياسيا عربيا واحدا يشخص هذا الغبن ويعترض عليه. ألا يعني هذا أن السياسي العربي غير مبال بما ينال إخوته في المواطنة من الكرد من غبن، وهو بالتالي غير مهتم إلا بالعرب، ولو كانوا يمثلون الأكثرية، وليس بكل العراقيين؟

والآن لنعكس الفرضية، فنقول نفترض أن الغبن المدعى وقوعه على المحافظات السنية غير واقعي ومبالغ به. فلماذا لم نجد سياسيا سنيا واحدا ينفي وقوع الغبن على تلك المحافظات، أم لا يهم السياسي السني إلا ما يحصل عليه السنة من زيادة في حصتهم في مجلس النواب، سواء كانت الزيادة بحق أو بغير حق؟ ومثله إذا افترضنا أن الغبن المدعى وقوعه على المحافظات الكردية غير واقعي ومبالغ به. فلماذا لم نجد سياسيا كرديا واحدا ينفي وقوع الغبن على تلك المحافظات، أم لا يهم السياسي الكردي إلا ما يحصل عليه الكرد من زيادة في حصتهم في مجلس النواب، سواء كانت الزيادة بحق أو بغير حق؟ وهكذا هو الأمر مع الشيعي الذي لا يتطلع إلا إلى الاستزادة من حصته دون الاكتراث بما ينال أخاه الكردي أو لنقل الكردستاني، أو أخاه السني.

ثم بالله عليكم، لو كنا قد اعتمدنا التعددية السياسية وليس الطائفية السياسية والعرقية السياسية، ولو اعتمدنا عراقية مشاريعنا السياسية، وليس شيعيتها أو سنيتها أو كرديتها أو عربيتها، هل كنا سنختلف في التغابن كما اختلفنا، عفوا كما اختلف السياسيون منا الغارقون في شيعيتهم وسنيتهم وكرديتهم وعربيتهم؟ نحن نحترم الهويات الخاصة، دينية كانت أو مذهبية أو قومية أو عشائرية أو مناطقية، وليعتز الكردي بكرديته والعربي بعربيته وغيرهما بقوميته، وليعتز المسلم بإسلامي، وهكذا المسيحي وغيره، وليكن الشيعي معتزا بتشيعه والسني معتزا بتسننه، ولكن هذا على الصعيد الشخصي، أما أن يكون السياسي - كسياسي - شيعيا، ويكون السياسي - كسياسي - سنيا، فهذا معيب جدا، وهجين على كل من الفكر السياسي والنهج الوطني.

نحن نتوقع من السياسيين أن يكونوا عراقيين بالدرجة الأولى، قبل أن يكونوا سنة أو شيعة، عربا أو كردا أو تركمانا أو آشوريين، مسلمين أو مسيحيين أو صابئة أو إيزيديين، نتوقع منهم أن يدافعوا عن حقوق العراقيين كعراقيين، دون النظر إليهم أهم من طائفتي، أم طائفة الآخر، أو أهم من قوميتي أم قومية الآخر، أمن عشيرتي أم من عشيرة الآخر، أمن منطقتي أم منطقة الآخر، لاسيما إن الآخر هذا ليس هو بآخر بقدر ما هو عراقي بمقدار ما أنا عراقي، وإنسان بمقدار ما أنا إنسان، ومواطن بمقدار ما أنا مواطن. أليست هذه بظاهرة مؤسفة تدل على أن معظم السياسيين - ولا أعمم - لم يرتقوا إلى عراقية وإنسانية التوجه؟

طبعا نفس الشيء يقال عن الاهتمام بعراقيي المهجر، أو لنقل بالعراقيين المقيمين خارج العراق؛ هل فكرنا بهم كعراقيين، كمواطنين يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، ومن أهمها حق المشاركة في الانتخابات، أم حسبنا كسياسيين كم منهم من طائفتي أو من طائفة الآخر، أو كم منهم من قوميتي أو من قومية الآخر؟

وفي خضم التغابن السني/الشيعي والكردي/العربي نسينا العراقي الآخر المساوي بعراقيته والإنسان الآخر المساوي بإنسانيته، ألا هو ذاك العراقي المسمى بـ(العراقية)، وذاك الإنسان المسمى بـ(الإنسانة)، وذاك المواطن المسمى بـ(المواطنة). لم يلتفت أحد إلى ما وقع من غبن وحيف على المرأة العراقية هذه المرة من خلال قانون الانتخابات الجديد. الحصة (الكوتا) المخصصة للنساء محفوظة، لأنها مضمونة دستوريا، ولا يملك أحد أن يتجاوزها أو ينتقص منها. هذا صحيح. إذن أين وقع الحيف والغبن الذي أدعيه على النساء؟ في المرات السابقة فرض القانون أن تكون في أول ثلاثة مرشحين من كل قائمة امرأة، سواء كانت الأولى أو الثانية أو الثالثة، على ألا تكون بالمرتبة الرابعة في كل قائمة، ثم هكذا تتكرر العملية في أن تكون امرأة بين كل ثلاثة مرشحين، فمنح القانون المرأة أكثر مما منحها الدستور، فجعل لها الثلث بدلا من الربع. أما هذه المرة وفي إطار القائمة المفتوحة التي تعتبر مكسبا ديمقراطيا من جهة، إلا أنه لم يفرض شيئا محددا في ترتيب المرشحات في كل قائمة. وبعض القوائم جعلت النساء في آخرها. ما الذي سيحصل؟ بالنسبة الناخب الذي سيستفيد من آلية القائمة المفتوحة فينتخب قائمة زائدا مرشحا محددا من تلك القائمة؛ كم من الناخبين يا ترى سيختار امرأة لينتخبها من تلك القائمة؟ نحن ما زلنا نعيش ثقافة وأعراف وتقاليد ما يسمى بالمجتمع الذكوري، والذي هو ذكوري بامتياز، وهذا يعني أن الذين سيصوتون لامرأة من قائمة ما ربما سيكونون أفرادا أو لعله عشرات، أو في أفضل الحالات مئات. ومن المحتمل ألا تنتخب أصلا من قائمة ما نساء بعدد الربع من مرشحيها أو قل الفائزين من تلك القائمة. وربما سيُعمَد إلى آلية القرعة من أجل تصعيد العدد المطلوب من تلك القائمة ليمثلن 25% من مقاعد تلك القائمة. أليس هذا تقليلا من شأن المرشحة؟ ولا نستبعد أن بعض المرشحات سيكوننَّ أكثر كفاءة سياسية بكثير من الكثير من المرشحين، ومع هذا تصعد لمجلس النواب بأصوات مخجلة. لا أدري كيف فكر الذين شرعوا هذا القانون، ولماذا لم تنتبه النائبات في برلماننا الحالي على أقل تقدير إلى ذلك انتصارا لحقوق بنات جنسهن؟

ربما يسأل سائل، وكيف كان يمكن أن يكون الحل إذن؟ أقول لو جرى التفكير بهذه الإشكالية وبكيفية إيجاد حل لها، لتم العثور على الحل من غير شك. هنا أطرح فكرة كان يمكن أن تمثل مخرجا من هذه الإشكالية، ولا أدعي أنه الحل الأمثل، بل أطرحه كإثارة وكحل ممكن. لو فرض القانون على الناخب أن ينتخب من القائمة التي يختار ممثليه منها عددا لا يقل عن الأربعة مرشحين، ولا يزيد، بحيث تعتبر قسيمة انتخابه باطلة لو لم يلتزم بهذا الشرط، ثم يكون هناك شرط آخر أن تكون أحد هؤلاء الأربعة امرأة كحد أدنى، فينتخب ثلاثة رجال وامرأة، كما له أن ينتخب كخيار آخر رجلين وامرأتين، أو ثلاث نساء ورجلا واحدا. أو يمكن أن يكون انتخاب أربعة مرشحين اختياريا وليس إلزاميا، أي للناخب أن ينتخب مرشحا، أو مرشحين، أو ثلاثة، أو أربعة مرشحين، على أن يشتمل مُنتخَبوه على امرأة واحدة كحد أدنى، ويمكن كخيار آخر جعل هذا الشرط، أي أن تكون امرأة من بين منتخَبيه، في حال انتخب اثنين إلى أربعة مرشحين، وأما في حال انتخب مرشحا واحدا، فيكون مخيرا في انتخاب رجل أو امرأة. في كل الأحوال كان بالإمكان إيجاد آلية ما لتلافي هذا التهميش المعنوي والإساءة الاعتبارية الحاصلة أو ممكنة الحصول تجاه السياسية والمثقفة العراقية المرشحة لمجلس النواب.

نحتاج كسياسيين إلى قدر أكثر بكثر من النضج الديمقراطي والتوجه العراقي الوطني المتجاوز للتخندقات الطائفية أو القومية أو العشائرية أو المناطقية، وإلى وعي أعمق بكثير لثقافة روح العصر وحقوق الإنسان ومفاهيم المواطنة والدولة المدنية.

26/11/2009

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::