هل الصدق أجنبي عن السياسة أم هو ركن أساس لها؟

 

"الصدق روح الكلام" حسبما ورد عن علي بن أبي طالب (ع)، والذي قال أيضا "الصدق رأس الدين". الصدق جميل ليس فقط بحكم الشرع الإسلامي وسائر شرائع السماء، بل الصدق جميل بحكم العقل، فكل عاقل يقول أن الصدق جميل والكذب قبيح، وأكدت هذا المعنى المدرستان العقليتان من مدارس علم الكلام في الإسلام، مدرسة أهل البيت (ع) ومدرسة المعتزلة، واللتان تؤمنان بالعقل مصدرا أساسيا للمعرفة الإنسانية، إلى جانب التجربة في المعارف الإنسانية العامة لا سيما في مجال علوم الطبيعة، والوحي كمصدر للمعارف الدينية، وذلك بعدما اختبر العقل صدقه. ومن هنا قالت هاتان المدرستان بالحسن والقبح العقليين، أي بحكم العقل مستقلا بحسن وجمال القيم الأخلاقية العليا أو ما يسمى بمكارم الأخلاق، وبقبح القيم الأخلاقية السفلى، أو أراذل الأخلاق. والصدق هو أحد أبرز القيم الأخلاقية العليا، والقيمة مطلقة وتملك عنصر الثبات، بينما السلوك الذي قد يضطر الإنسان الصادق أن يكذب لضرورة كإنقاذ حياة إنسان تهدد بغير حق، هو النسبي والمتغير، فالكاذب في وقت الاضطرار يبقى الإنسان الصادق في العمق. والصدق لا يقتصر على الكلام، بل يتعداه إلى صدق العلاقة وصدق المشاعر وصدق الموقف وصدق النوايا، ولا بد له أن يتحرك في التجارة والأسرة والصداقة والسياسة والثقافة والمدرسة والدائرة الحكومية وفي كل ميادين الحياة. فأهمية الصدق جعلته معيارا أساسيا للجزاء يوم القيامة، إذ ورد في القرآن الكريم قوله تعالى "ليجزي الله الصادقين بصدقهم". ولكننا غالبا ما نفتقد الصدق، لا سيما في المعاملة التجارية، وفي السياسة. وآفة السياسة هو الكذب. وللأسف هناك عدم تمييز بين مفردات كالحكمة أو ما يسمى في قاموس السياسة بالديبلوماسية، وبين الكذب والمراوغة. فبإمكان السياسي أن يصوغ عباراته بأسلوب حكيم إذا كانت الأجواء لا تتحمل الصراحة المباشرة، وبإمكانه ألا يقول كل ما عنده، ولكن أن يكذب فهو السقوط وأيما سقوط، حتى لو حقق نجاحا من خلال كذبة على الجمهور، أو على طرف سياسي آخر. وهذا هو الذي جعل عليا (ع) يرد عندما امتدح أمامه خصومه بوصفهم بالدهاء السياسي بقوله "لولا التقوى لكنت أدهى العرب". فالبعض لا ينقصهم الذكاء من أجل أن يراوغوا ويلفوا ويدوروا ويكذبوا وينافقوا، بل إما تقواهم وإما أخلاقهم وإما احترامهم لأنفسهم الذي يهمهم أكثر من احترام الآخرين بهم هو الذي يجعلهم يرأبون بأنفسهم عن الكذب. وهناك مصطلح حديث طالما يستخدم ويعتبر من لوازم السلوك الديمقراطي وهو الشفافية، وما الشفافية إلا الصدق، فبعض السياسيين باطنيون، وبباطنيتهم يظنون أنما هم أدهياء سياسة. لذا هناك حاجة إلى أن يراجع سياسيوا العراق الجديد أنفسهم، كم يمثل الصدق ميزة بارزة في أدائهم السياسي، وفي خطابهم السياسي، وفي وعودهم السياسية، كما إنه من الضروري، أن يتجذر الوعي وتتجذر الخبرة لدى جماهيرنا في تحري صدق السياسي شخصا أو حزبا أو جماعة أو تيارا، ولنكن كما قال الإمام الصادق (ع) "لا تنظروا إلى صلاتهم وصيامهم بل اختبروهم في صدق الحديث وأداء الأمانة" بحيث لا ننظر إلى شعارات السياسي بل إلى صدق الوعود وحفظ الأمانة الوطنية التي عهدت إليه، لا سيما عندما يتبوأ غدا موقعه من خلال اختيار الجماهير له عبر الانتخابات الحرة، فبانتخاب غالبية الشعب لشخص أو حزب إنما يعهد إليه الناخبون أمانة أمن وحرية وكرامة ومستقبل وسيادة وتقدم ورفاه الشعب والوطن. فليكن الأداء السياسي العراقي هو الأداء الصادق، فبالصدق يشمخ بناء الوطن بحول الله، وبالكذب تنهار أركانه والمعاذ بالله.

 

ضياء الشكرجي

07/07/2004

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::