ستستحيل ذاتي البرلمانية إلى الآخر إذا غاب
ضياء الشكرجي
غدا في الجمعية الوطنية، ستكون كما هو الراجح هناك أكثرية أو لعله أكثر من أكثرية واحدة، ولكن على الأغلب أكثرية نسبية، وليس من الراجح أن تكون هناك أكثرية مطلقة، كما ستكون أقليات كبيرة نسبيا، أو متوسطة، وأخرى صغيرة. وبالتالي سيكون صوت كل كتلة برلمانية مسموعا وبالتالي قادرا على المطالبة بحقوق من يمثله ذلك الصوت بقدر حجم تمثله في الجمعية الوطنية، أو قدر قدرته على انتزاع الأصوات الكافية لدعم مطالبه.
وهنا أريد أن أعلن بأني شخصيا، إذا ما حصلت على مقعد في الجمعية الوطنية، وهذا ما أظنه حاصلا، فسأتعامل بطريقة، بحيث لو افترضنا أن الأكراد على سبيل المثال لم يتمثلوا بالحجم الذي يمكنهم من تحقيق مطالبهم، فسأكون أنا العربي كرديا، من أجل المطالبة بحقوق الأكراد المشروعة، كأن تكون الصلاحيات الفيدرالية لإقليم كردستان. ولكني سأكون تركمانيا في مقابل الأكراد، إذا ما انضغطت حقوق التركمان المشروعة بين صخب تجاذب الحقوق والمصالح للكبار من عرب وأكراد، أو إذا ضيع الأكراد حقوق التركمان في فيدراليتهم، وهكذا سيكون موقفي بالنسبة للآشوريين وغيرهم فأكون آشوريا في المطالبة بحقوقهم أو أتمث هوية من أرى لهم مطالب مشروعة. وهكذا سأكون فيليا أو قل كرديا شيعيا، إذا ما ضاعت حقوقهم بين الأكراد السنة والعرب الشيعة والعرب السنة. وإني أنا الشيعي سأكون سنيا، إذا ما كان صوت السنة المعتدلين غائبا أو خافتا، لأطالب لهم بحقوقهم المشروعة. لا بل سأكون أنا الإسلامي علمانيا لأضم صوتي إلى العلمانيين المعتدلين في مواجهة التطرف الديني، ولو أن عقلاء ومعتدلي الإسلاميين سيكونون من الكثرة بحيث يكونون هم صمام الأمان أمام أي احتمال لأي لون من ألوان تطرف بعض الإسلاميين، إن وجدوا وكان لهم صوت مؤثر. وإني أنا المسلم، ولست المسلم بالولادة فحسب، ولا مسلم اتباع الموروث والمألوف، بل مسلم القناعة الذاتية المتجذرة، سأكون مسيحيا أو صابئيا في المطالبة بحقوق هاتين الطائفتين الدينيتين وغيرهما، إذا لم يملك أهلها صوتا مسموعا في الجمعية الوطنية. وعندما أقول أني سأكون العلماني وأكون المسيحي أو أكون المسيحي والكردي، فواضح أن هذا لا يعني أني سأتخلى عن خصوصياتي التي تمثل هويتي كمسلم شيعي عربي إسلامي ديمقراطي وطني عراقي. وعندما أقول "أنا" سأكون كذا وكذا، فلا أعني "أنا" الشخص، أي شخص ضياء الشكرجي بالذات، بل "أنا" النوع، آملا أن يتحول هذا المنهج إلى ظاهرة رائدة في الجمعية الوطنية، بحيث لا يخاف أي طيف من أطياف الشعب العراقي، إذا لم يتمثل في الجمعية الوطنية، أو لم يتمثل إلا بحجم محدود، لا يقوى به أن يجعل صوته مسموعا، أو إذا كان مسموعا، أن يكون هناك ثمة ملبٍّ لمطالب ذلك الصوت، ألا يخاف من هضم مصالحه وحقوقه ومطالبه المشروعة.
لا أقولها شعارا أبدا، بل إني فعلا مستعد بكلي أن أتمثل الآخر المذهبي والآخر الديني والآخر الثقافي والآخر السياسي، لأكونه هو هو، يصدح صوتي بحقوقه، كما لو كان صوته هو. وأتمنى أن يكون كل عضو في الجمعية الوطنية المقبلة أو الكثير من أعضائها مستعدا ليكون الآخر الغائب، بحيث يحضر هذا الآخر الغائب بحضور أخيه في المواطنة العراقية، وأخيه في الإنسانية المتمثل في الجمعية.
وأنا أدعو دائما إلى ألا نكابر في الأخذ من تجربة الغرب في الديمقراطية، ولعلنا سنحتاج إلى وقت غير قصير، حتى نصل إلى ما وصلوا إليه من تطبيق رائد للديمقراطية، مع في تجربتهم من ثغرات. ولكن رغم الاعتراف بريادة التجربة الديمقراطية الغربية، لا ينبغي الوقوع في الانبهار التام أمامها، بل لا بد من الوقوف عند بعض المؤاخذات على تلك التجربة، كي لا نكرر أخطاءهم وازدواجيتهم ومجانبتم للصدق أحيانا، لنضفي على تجربتنا الخاصة شيئا متميزا من الأخلاقية. ومن الأخلاقيات التي أتمنى أن أراها في تجربتنا الديمقراطية هو أن يتعلم كل منا كيف يتقمص شخصية الآخر ليكون صوته عندما يغيب صوته كما مر ذكره. وكذلك من الأخلاقيات التي يمكن أن تتمثلها ديمقراطيتنا العراقية هو أني عندما أجلس على مقاعد المعارضة البرلمانية، لا ينبغي أن أعارض من أجل المعارضة، فأعترض على مشروع حزب أو أحزاب الحكومة، وأحاول أن أظهره بالمشروع الضعيف أو غير الصالح، لا لقناعتي الفعلية بضعف المشروع المقدم أو عدم صلاحيته، وإنما فقط من أجل ألا تسجل الحكومة وبالتالي الحزب الحاكم أو الأحزاب المؤتلفة الحاكمة نقطة نجاح لها. فهذا مما يمارس أحيانا في بعض الديمقراطيات الغربية كما شاهدته من خلال المتابعة المباشرة، ومثل هذه المواقف تفتقد إلى الصدق، لأنها تنطلق فقط من رغبة المنافسة، نزيهة كانت أو غير نزيهة، وصادقة كانت أو غير صادقة، وبالتالي لا تخلو من روح التسقيط للآخر. ولكن هذا لا يعني أيضا أن نستغرق في الديبلوماسيات المبالغ بها، فلا نعارض إلا معارضة هادئة ومؤدبة ومهذبة ولطيفة وناعمة، حتى لو تطلبت مصلحة وطنية كبرى نشخصها أن نتخذ موقفا قويا صارما، ونعلن عن ذلك الموقف بحزم وبصوت مسموع جيدا جدا، فمن أسس تنمية التجربة الديمقراطية وإنجاحها هو أن نتعلم كيف نتخاصم أحيانا، دون أن نتباغض ونتعادى، عندما يكون لا بد من التخاصم من أجل الوطن والشعب والقيم، فنجعله خصاما حضاريا أخلاقيا، وليس خصاما بدائيا متخلفا عصبيا ومتطرفا.
24/01/2005
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::