السياسة بين الصلابة والمرونة
الحديث الشريف يقول: "لا تكن لينا فتعصر، ولا تكن صلبا فتكسر". الخلاف يكاد يكون أزليا عند الإنسان بين ما هي الصلابة والمرونة، وما يكون اعتدالا يتوسط التطرف والميوعة، وما لايكون كذلك، واتخذ الجدل حول الموقف بين الموقفين أهمية قصوى منذ وطأت مبادئ السماء بقدميها على سطح الأرض، لتعطي مادة الأرض نفحة من روح السماء، كي لا يستغرق الإنسان من جهة في طينيته وينسى ما نفخ الله فيه من روحه، وكي لا يحلق من جهة أخرى في آفاق الروح بعيدا عن أرض الواقع، وكلما كان لرسالات السماء وللقيم والمبادئ التي صنعها الإنسان قريبا أو بعيدا عن رسالات السماء دور فاعل أكثر في حياة الإنسان، كلما ارتفعت حمى الجدل حول هذه المفردة، وإن كانت قضية الاعتدال والتطرف إفراطا أو تفريطا أمر له حضور في كل مفاصل حياة الإنسان، حتى في مشربه ومأكله وملبسه، في علاقاته، في أفكاره وعواطفه. وجاءت رسالة الأنبياء، ولا سيما الرسالة الخاتمة لتؤسس للاعتدال "وكذلك جعلناكم أمة وسطا"، "وكان بين ذلك قواما"، "خير الأمور أوسطها". والوسطية لا تعني أن نختار الموقف الوسط في كل الأحوال، بل الوسطية تساوق الحكمة التي تعني فيما تعني وضع الشيء في محله، أي أن تكون الصلابة غاية الصلابة عندما يكون الموقف موقف صلابة "المؤمن أصلب من الجبل، فالجبل يفل منه والمؤمن لا يفل من إيمانه"، وأن تكون المرونة غاية المرونة عندما يكون الموقف موقف مرونة "المؤمن كالسنبلة ينحني مع الريح"، فليس كل صلابة مجانبة للعقلانية كما يتصور المتميِّعون في مرونتهم، وليست كل مرونة مجانبة للمبدئية كما يتصور المتحجـِّرون في صلابتهم. إنما هو "أمر بين أمرين". إننا نحتاج اليوم في ممارسة السياسة، وفي فهم السياسة، وفي اتخاذ الموقف السياسي من هذا أو ذاك، ولاءً أو عداءً، تأييدا أو معارضة، إلى الاعتدال "أحبب حبيبك هونا فعسى أن يكون بغيضك يوما، وأبغض بغيضك هونا، فعسى أن يكون حبيبك يوما". والاعتدال يتطلب انشراح الصدر أمام الرأي الآخر، والاستعداد على التعايش معه، حتى لو افترضت خطأه، فلا يتخلقن أحدنا بأخلاقية من نشترك في بغضه ألا هو صدام المخلوع، بحيث يقمع كل منا الرأي الآخر، لا بممارسة آلة القمع والتعذيب والتصفيات الفيزيائية، بل باستخدام آلة القمع النفسي في شن حرب نفسية إعلامية أو شعبية تجاه من نختلف معه تكفيرا أو تخوينا، وبممارسة التصفيات المعنوية، فالتخطيء الموضوعي بعيدا عن شخصنة الحوار منهج مقبول، وهو مصداق للاعتدال، أما التخوين والتكفير والسب واللعن وشخصنة الأفكار والمواقف فهو منهج المفلسين الذي هو مصداق للتطرف.
ضياء الشكرجي
17/05/2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::