أعهدا جديدا بفوز أوباما يفتتح العالم؟

ضياء الشكرجي

d.sh@nasmaa.com

ربما سيقول البعض إن الولايات المتحدة الأمريكية هي الولايات المتحدة الأمريكية، وثوابتها تبقى هي ثوابتها، ومصالحها تبقى هي مصالحها، وبقطع النظر عن كم ياترى يريد أوباما حقا التغيير الذي جعله شعاره في حملته الانتخابية، كم سيستطيع يا ترى فعلا إحداث ذلك التغيير، وبأي اتجاه سيغير؟ ثم كم يعنينا كل ذلك كشعب عراقي، أو كبلاد عربية، أو كشَرقَوسَطِيّين، أو كعالم إسلامي؟

أبدأ بجواب التساؤل الأخير، فأقول إنه لا يخفى على أحد، صديقا كان للولايات المتحدة، أو عدوا لها، أو متخذا موقفا ما بين الصداقة والعداوة، كأن يكون مخالفا لها دون مرتبة العداء، أو منسجما معها دون مرتبة الولاء؛ لا تخفى على أي من هؤلاء حقيقة، سواء أحببنا هذه الحقيقة أو بغضناها، قبلناها أو رفضناها، هي أن أمريكا ومن يكون رئيس أمريكا وما هو برنامجها السياسي أو فلسفتها السياسية المقبلة، أن كل ذلك ليس شأنا أمريكيا خاصا بالأمريكان، بل هو شأن عالمي، وكعراقيين، نقول هو شأن عراقي إلى حد كبير، بمعنى أن له تأثيراته وانعكاساته إيجابية كانت أو سلبية على واقعنا الراهن ومستقبلنا. ولذا فمن الطبيعي أن نراقب باهتمام مجريات الانتخابات الأمريكية ونترقب نتائجها ونتفاعل معها على أي نحو كان من التفاعل. فكلما تأنسنت وتدمقرطت أمريكا كان لذلك انعكاساته الإيجابة على العالم، وكلما سارت بالاتجاه المعاكس، كلما دفعت الشعوب في العالم ثمن ذلك باهضا.

لا أخفي أن أمنية كانت تحدوني، ألا هي أن يفوز الرئيس الجديد للولايات المتحدة باراك أوباما. صحيح إننا كعراقيين، لاسيما أولئك القلقين على مستقبل مسار العملية الديمقراطية والأمنية في العراق مع غياب الأمريكان، كانت لأكثرنا ثمة مبررات للميل إلى فوز ماكين، كونه سيواصل على الأرجح نهج سلفه جورج بوش، والذي أهم ما فيه هو ضعف احتمال ترك العراق لمصيره قبل الوقت المناسب، أي قبل أن تتحول ديمقراطيته القلقة وأمنه القلق إلى ديمقراطية وأمن مستقرَّين نسبيا، أي إلى الحد الذي لا يُخشى عليهما من الانهيار. أما ميلي رغم ذلك إلى أوبامو، كونه سيكون أول رئيس أمريكي ذي بشرة سوداء، وكونه شابا وذا تطلعات في التغيير والتجديد، الذي نأمل أنهما سيتخذان منحى إيجابيا نحو قدر أكبر من الإنسانية والعدالة. وعندما كانت ما زالت المنافَسة قائمة بين مرشحَي الديمقراطيين باراك أوباما وهلري كلنتون، وكان الجمهوريون قد حسموا الخيار بالنسبة لمرشحهم للرئاسة في ماكين، كان لي ميل لكل من الثلاثة لثمة اعتبارات، لأوباما بسبب ما ذكرته، لهلري كلنتون كونها امرأة، ولماكين كونه سيواصل نهج جورج بوش فيما يتعلق بالعراق، دون أن يعني هذا عدم إدانة الأخطاء التي ارتكبت في عهد بوش. مع إننا لا بد من أن نذكر الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش، بأنه رغم كل الملاحظات التي يمكن ان تسجل عليه، وهي بلا شك ليست قليلة، قد تحلى بشجاعة استثنائية في الكثير من المواقف، كقرار تحرير العراق، أو ليسمه من يشاء بالاحتلال، وشخصيا لا يهمني أن ينعت تحريرا أو احتلالا بقدر ما هو يمثل فرصة جديدة للشعب العراقي وللمنطقة في تدشين الديمقراطية، وهكذا بالنسبة لدور الرئيس المنتهية ولايته في مواجهة الإرهاب في أفغانستان والعراق، رغم الضغوط غير الاعتيادية الداخلية منها الشعبية، وداخل الكونكرس الأمريكي، ومنها تلك الصادرة من لدن الحلفاء الأورپيين، لاسيما فيما يتعلق الأمر بالعراق.

نعود إلى الرئيس الجديد الأهم في العالم أجمع بارك أوباما. أول ما يجب تسجيله لصالح فوزه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية إنه ومنذ تأسيسها عام 1776 أول رئيس أسود، وهذا بحد ذاته ليس أمرا شكليا بل هو جوهري بكامل المعنى للمصطلح. أمريكا بتاريخها غير المشرف فيما يتعلق بالتمييز العنصري، وما عاناه الأفارقة السود الذين قيدوا بأبشع الصور اللاإنسانية عبيدا إلى أمريكا، وبقوا لردح من الزمن يعانون الأمرّين من الإهانة لكرامتهم الإنسانية والاحتقار والازدراء لهم، وأمريكا التي ارتكبت أبشع جرائم الإبادة تجاه السكان الأصليين للقارة الجديدة الذين نعتوا بالـ Indians والتي ترجمت بالعربية إلى الهنود الحمر، أمريكا هذه التي كان مارتين لوثر كنڠ صاحب الكلمة التاريخية عام 1963 «لديّ حلم» يحلم بأن تكون أمريكا خالية من التمييز العنصري، فأردَته قبل أربعين عاما في الرابع من نيسان 1968 رصاصة بيضاء عنصرية حاقدة قتيلا مضرجا بدمه قبل أن يرى تحقق حلمه، مع إنها لم تقتل معه ذلك الحلم، بل أخرت تحققه، أمريكا هذه التي ارتكبت أبشع الجرائم بحق البشرية في هيروشيما وفيتنام وغيرها وسكتت عن مجازر إسرائيل ضد الفلسطينيين، يكون رئيسها اليوم أمريكي منحدر من أصول أفريقية من أب مسلم وأم أمريكية بيضاء، ونشأ في كنف أمه وزوج أمه الإندونيسي وحتى العاشرة من عمره في بيئة مسلمة في أندونيسا. هذا يعني أن العالم في تغيّر. فعالم اليوم ليس عالم ما قبل مئة عام، وأمريكا اليوم ليست أمريكا ما قبل مئة عام، ولا نقول إنها أصبحت نموذجا للدولة التي تحترم حقوق الشعوب بلا تحيّز وبلا مراعاة بدرجة أساسية لمصالحها الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والعسكرية.

لأول مرة تدخل البشرة السوداء البيت الأبيض لتطوي تاريخ العنصرية ضد السود والهنود الحمر والمكسيك وغيرهم. ولأول مرة تكون سيدة أمريكا الأولى سيدة سوداء، وتدخل مع أبويهما الرئيس الأمريكي الجديد وأمهما سيدة أمريكا الأولى ابنتاهما الجميلتان ذاتي البشرة بلون وحلاوة الشكولاتة الممزوجة بالحليب، اللتين لو عاشتا قل قرن في أمريكا لما سمح لهما أن تدخلا مدرسة للأطفال البيض، أو أن تلعبا مع أطفال الجيران البيض، ناهيك عن دخولهما البيت الأبيض. اليوم وبعد أربعين عاما يتحقق حلم ذلك المناضل من أجل إنهاء التمييز العنصري الذي قتلته رصاصة عنصرية حاقدة وغادرة، يتحقق حلم مارتين لوثر كنڠ.

أكثرنا يشتم أمريكا ليل نهار، وما زلنا غارقين في التمييز العنصري. فهل نتصور رئيسا أسود للعراق، أو أميرا هنديا للإمارات، أو مواطنا من عرب أو كرد إيران رئيسا لها، أو كرديا رئيسا لتركيا، أو قبطيا رئيسا لمصر، أو بربريا رئيسا للجزائر، أو مسيحيا رئيسا للسودان، أو بوذيا رئيسا لأفغانستان؟

وإذا نجح الشعب الأمريكي في الامتحان اليوم بانتخاب رئيس من أصل أفريقي لهم، وإذا كان هذا الرئيس قد اضطر لدرء شبهة أنه مسلم، فيعني أنه سيأتي وقت يتقبل الأمريكان فيه مسلما رئيسا لهم، أو يهوديا لكن معارضا لسياسة دولة إسرائيل، أو ملحدا يحترم المؤمنين والمتدينين، أو مؤمنا لادينيا يلتقي مع الدينيين والملحدين إنسانيا، أن يكون أي من هذه النماذج رئيسا للولايات المتحدة الأمركية خلال العقود المقبلة أو ربما بأقصر من هذه المدة، مما يعتبر اليوم محالا. فإذا أصبح الرئيس الامريكي اليوم أفريقي الأصل، إذن من الممكن أن يكون غدا شرقاىسيويا، أو ربما أمريكيا عراقي الأصل أو فلسطينيه. وليس حلم مارتين لوثر كنڠ وحده الذي تحقق اليوم، بل يمكن أن  يتحقق حلمي وحلمك وحلمنا جميعا نحن الذين نلتقي على مفاهيم الإنسانية والعقلانية وتتحرق قلوبنا على الوطن، فنرى يوما ما في العراق رئيسا مسيحيا أو إيزيديا أو صابئيا أو يهوديا، تركمانيا أو آشوريا، من أصل أورپي أو هندي أو إيراني أو تركي أو لعله أمريكي، لكنه ينتمي إلى العراق وطنا وإلى الإنسانية فلسفة.

كما يعني هذا أنه يمكن أن يتحقق يوما ما ما يبدو اليوم مستحيلا، ألا هو أن نرى العالمَين العربي والإسلامي قد تَحَوَّلا تَحَوُّلاً ديمقراطيا، فتنتهي ظاهرة الرئيس مدى الحياة، وظاهرة توريث الرئاسة للأبناء، وظاهرة التيارات الدينية الراديكالية التي يُخشى أن تكون ديكتاتوريتها وراديكاليتها وتخلفها البديل للديكتاتوريات القائمة إذا ما انهارت، والتي أي الديكتاتورية الدينية ستكون أسوء لدعوى قداستها، وسيأتي اليوم الذ تنتهي فيه كل الراديكاليات والعصبيات الدينية والطائفية والقومية والقبلية، فتستبدل معايير البداوة بمعايير المواطنة والإنسانية والمدنية.

نعود إلى موضوعنا، موضوع فوز أوباما، فأقول إن اللافت في هذه الانتخابات أنها تميزت فيما تميزت بإقبال متميز، وهذا له دلالاته، ومنها شوق الناس للتغيير: شباب، بشرة سوداء، خطاب جديد من نوعه، ومما جعل هذه الانتخابات متميزة هو تجاوز الشعب الأمريكي للقضية العنصرية، وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى فقرة مهمة جاءت في خطاب المنافس الخاسر ماكين، هنأ فيها الأمريكان من أصل أفريقي، مخاطبا إياهم أن: عليكم أن تشعروا اليوم بالفخر، وهو الذي اعتبر الفشل فشله الشخصي وليس فشل ناخبيه، كما أوصاهم بالالتفاف حول رئيس أمريكا الجديد. هذه دروس لا بد أن نقف عندها. وحتى الرئيس الحالي بوش قد برع في اختيار عبارات التهنئة والتي عد فيها فوز الخصم الحزبي حدثا تاريخيا لأمريكا، ولا يهمني أن تكون الكلمات صادقة أو غير صادقة كما سيقول الكثيرون.

وما يميز أوباما إنه يمثل دماءً شابة، فهو ثاني أصغر رئيس أمريكي بعد جون أف كندي، فهذا الشاب الأسود ذو السبعة وأربعين عاما من العمر وذو النشأة الإندونيسية من أب مسلم، والمنحدر من أسرة فقيرة، سيتولى إذن رئاسة أعظم دولة في العالم للأربع أو ربما الثماني سنوات القادمة، وكان قد حصل على عضوية مجلس الشيوخ عام 1996 أي في الخامسة والثلاثين منه عمره، وأملنا ألا يكون فقط لونه ومنحدره وعمره وخطابه الانتخابي هو الجديد، بل أن يجدد ويغير الكثير من السياسة الأمريكية بما فيه حقا صالح الشعب الأمريكي وشعوب العالم والشعب العراقي على وجه الخصوص.

ولنقف عند بعض محطات لحظات الفوز، وأكثر ما لفت انتباهي هو ظهور الفائز المنتصر أوباما وقورا متوازنا دون انفعالات أو أية مظاهر لنشوة الانتصار، متمالكا عواطفه في موقف مشحون عاطفيا بأقصى ما يكون الشحن العاطفي وسط هذا الحشد الكبير من المؤيدين، وكان مؤثرا كلامه عن تلك المرأة المئوية السوداء، التي تجاوزت القرن بست سنوات، والتي عاشت في بداية القرن السابق تجربة الرق والعبودية، وهي قد ذهبت للانتخابات رغم سنها لترى اليوم من كان سيكون ممن يعانون مثلها قبل قرن تحت وطأة الرق والاحتقار العنصري، تراه رئيسا لها وللأمريكان البيض والسود وغيرهم على حد سواء. ومن أهم ما جاء في خطابه الأول بعد الفوز هو ألا ولايات حمراء وزرقاء من الآن، بل هناك ولايات متحدة فقط، حيث كانت الولايات في ساعات الإدلاء بالأصوات وبحسب النتائج الأولية تظهر بلون أحمر يرمز إلى الحزب الجمهوري، حيث تكون أكثرية الأصوات لماكين، أو بلون أزرق يرمز للديمقراطيين حيث الأصوات لأوباما. ومن العبارات التي أطلقها «التغيير جاء إلى أمريكا». لا ندري حاليا هل سيغير فعلا، وهل سيكون التغيير إيجابيا أم سلبيا، وإذا كان إيجابيا، فهل يعني هذا أنه سيكون إيجابيا لنا نحن العراقيين بالذات، أو للمنطقة العربية والعالم الإسلامي، هذا كله ما لا أستطيع الآن - وقد يستطيع غيري - التنبؤ به. ولعله أول فوز رئاسي في أمريكا يحتفى به من قبل شعوب أخرى، حيث رأينا موطن أبيه في تلك القرية في كينيا يحتفل، وموطن زوج أمه إندونيسا واليابان وغيرها، فهو أول حدث أمريكي يحظى بهذا الاهتمام دوليا، ليس رسميا فحسب بل وأكثر من ذلك شعبيا.

أريد ان أقول يبدو أنه من الممكن جدا أن يحصل تغيير جوهري في سياسة أمريكا نحو مزيد من الإنسانية واحترام حقوق الإنسان وحرية وكرامة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها ومساعدتها على تحقيق المزيد من النجاحات في عملية التحول الديمقراطي ونشر السلام في العالم، من أجل أن يتحول العالم إلى المعايير الصحيحة، ومن أجل أن تتحول الأمم المتحدة إلى منظمة دولية غير تابعة لسياسة أمريكا ولا لغير أمريكا راعية لمصالح الشعوب أكثر من رعايتها لمصالح الأنظمة والحكومات، عندما تجري عملية إصلاح لها ولمجلس الأمن، عندما توضع معايير صحيحة وعادلة وإنسانية لعضويته الدائمة من غير احتكار ومن غير محاباة لدول عظيمة في قوتها ولكن بعيدة عن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، فيكون من شروط العضوية الدائمة المراعاة بمستوى عال لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان من قبل الدول دائمة العضوية، وذلك ليس فقط تجاه شعوبها، بل تجاه شعوب العالم. نقول إن هذه الانتخابات ونتائجها قد تعطي مؤشرا بأنه من الممكن أن يتغير العالم تغيرا إيجابيا، ويمكن أن يتغير قريبا العراق تغيرا إيجابيا باتجاه تكريس مبادئ الديمقراطية، والفصل بين الدين والدولة، والمساواة في المواطنة، والتآخي والعدل والسلام والرفاه.

كما تحقق حلم مارتين لوثر كنڠ،

أنا أيضا،

لديَّ حلم،

وأنت لديك حلم

للعراق،

يمكن أن يتحقق،

وحلم آخر

للإنسانية،

يمكن أن يتحقق هو الآخر.

05/11/2008

راجع بقية مقالات الكاتب مبوبة موضوعيا على نسماء www.nasmaa.com

 

 

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::