نصير الجادرجي في رسالته الجوابية إلى ضياء الشكرجي
الأخ العزيز الأستاذ الفاضل ضياء الشكرجي المحترم.
بعد التحية والاحترام ..........
بشغف واهتمام بالغين تلقيت رسالتك التي تتضمن الدعوة إلى تأسيس التجمع للقوى الديمقراطية الليبرالية، واطلعت على ما ورد فيها من آراء وأهداف ومقترحات، ووجدت فيها ما يجمعنا وما نسعى إليه جميعا، وما نعمل من أجل تجسيده، وأهمها الإطار السياسي والاجتماعي الذي يلم شمل القوى والتيارات والشخصيات السياسية الديمقراطية الليبرالية والقومية التي تعاني من حالة التشظي والفرقة، سواء داخل الوطن أو خارجه. إن الاستلاب الثقافي والسياسي الذي عانت منه هذه القوى خلال العقود السابقة، أو في مرحلة ما بعد الاحتلال، قد زاد من تمزقها وعزلتها وإحساسها بالإحباط، لتعّمد إبعادها عن المشاركة في عملية بناء الدولة، أو في رسم معالمها الجديدة، أو تأسيس قاعدتها الديمقراطية الدستورية.
نحن نتفق معكم في تقييماتكم للأوضاع السياسية الراهنة، وما تمر به العملية السياسية من شلل وعجز، ومن فشل الحكومة في إدارة الدولة والمجتمع، ونتفق معكم أيضا على ضرورة اختيار إطار سياسي واجتماعي عصري، يجمع القوى الديمقراطية الليبرالية والقومية التي تتقارب في الرؤى والأهداف لإنقاذ البلاد من محنتها، ولاستعادة السيادة والاستقلال، وفرض سيادة القانون، وتفعيل مبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين كافة، وبعث الهوية الوطنية التي طمستها الطائفية السياسية، وإعادة بناء الدولة العلمانية التي تقوم على أساس فصل الدين عن السياسة، بغية الحفاظ على استقلالية القرار السياسي وإبعاد أي تأثير للدين ورجاله على القرارات ذات الصلة بشؤون الدولة، مع احترامنا للدين كقيمة إنسانية وأخلاقية، وتقديرنا لدوره التأريخي في بناء حضارتنا الإسلامية العربية.
إن تحقيق هذه الأهداف النبيلة لا تتم إلا عبر لقاءات تتسم بالصراحة والمكاشفة وحوارات بناءة وتفاهمات جادة حول الأسس والمبادئ والأهداف والرؤى التي تشكل البنية التأسيسية للتجمع المنشود، واختيار الأطراف والقوى والشخصيات والتيارات التي تساهم في تكوينه، والتي يجمعها جامع الحرص على نجاح العملية السياسية، وإعادة بنائها على وفق الأسس والأهداف الوطنية الديمقراطية، النابذة للطائفية، والمؤمنة بالهوية الوطنية.
إن الإطار السياسي والاجتماعي لهذا التجمع قضية مهمة وأساسية، وينبغي إيلاؤه أهمية قصوى، لأنه هو الوعاء الذي يحرك العملية السياسية الديمقراطية الليبرالية، ويوجه مسارها الوطني.
إن العمل المشترك ليس جديدا على حزبنا، حيث ومنذ تأسيسه في منتصف الأربعينات من القرن الماضي قد سعى وبادر إلى تكوين الجبهات الوطنية مع الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية المؤثرة، التي تجمعها أهداف وطنية وديمقراطية، لتفعيل النضال والفعل السياسي الوطني.
إن حزبنا ومنذ وقت مبكر شخص الأخطاء التي وقعت فيها العملية السياسة، والتحديات التي واجهتها، والمأزق السياسي الذي تعيشه، وإشكاليات الحكم، وسبة المحاصصة الطائفية المقيتة، وفشل صيغة نظام الحكم القائم على المحاصصة الطائفية، وهيمنة رؤساء الكتل السياسية على المؤسسات الدستورية، كمجلس النواب ومجلس الرئاسة ومجلس الوزراء، وطريقة اختيار أعضاء البرلمان، التي تتعارض مع أبسط المبادئ الديمقراطية.
ولدور مجلس النواب التشريعي ولأهميته الاستثنائية في انبثاق المؤسسات الدستورية المذكورة، ولارتباط الهيئات المستقلة به، فإننا نرى أنه لا مناصة من إعادة النظر بطريقة انتخاب أعضائه المعمول بها حاليا، والصيرورة إلى طريقة الانتخاب على أساس المنطقة، حيث يتم تقسيم الوحدات الإدارية المحافظة - القضاء - الناحية إلى عدة مناطق انتخابية، وبذلك نتجاوز السلبيات التي أنتجتها الانتخابات على أساس القائمة المغلقة، وما صاحبها من تحكم وهيمنة ووصاية من جهات ومراجع عدة، مع تحديد مقاعد في مجلس النواب للأقليات الدينية والإثنية، لضمان التمثيل الحقيقي لكل الطوائف بدون استثناء، ورفض العمل بالقائمة المغلقة، لثبوت فشلها في إنتاج برلمان متوازن ومتجانس وكفئ.
ولإحساسنا بهذا التشظي السياسي ودخول العملية السياسية في طريق مسدود، فقد بادرنا وفي وقت مبكر مع بعض القوى السياسية الفاعلة كالحزبين الحليفين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الشيوعي والاشتراكية العربية إلى دعوة باقي القوى الديمقراطية والوطنية والشخصيات المستقلة ذات الاتجاهات الليبرالية إلى لقاءات كانت تعقد في مقر حزبنا أو في مقرات تلك الأحزاب، (أطلق على هذا اللقاء مصطلح اللقاء الديمقراطي) للتداول والحوار بشأن الأوضاع السياسية السائدة، ولتلمس أنجع السبل والوسائل لتصحيح مسار العملية السياسية، وللوصول إلى صيغة عمل ديمقراطية مقبولة، ولازالت هذه اللقاءات مستمرة، ولكنها لم تثمر عن تأسيس إطار سياسي معين، وذلك لأسباب موضوعية وشخصية، لا مجال لذكرها في هذا المقام. ومن منطلق الحرص على وحدة العمل الديمقراطي، ولإيجاد مخرج وحلول للعملية السياسية المتعثرة، فقد واصلنا الاتصال بالشخصيات السياسية الوطنية، وفي مقدمتها الدكتور مهدي الحافظ والدكتور مالك دوهان الحسن وغيرهم من الشخصيات الوطنية. كما دعونا قبل أسابيع بمقال افتتاحي في جريدتنا صوت الأهالي إلى عقد مؤتمر وطني شامل للقوى الديمقراطية والقومية وأطراف العملية السياسية، لدراسة الأوضاع السياسية الحرجة، والخروج بحل واقعي لهذه الأزمات، وتلمس صيغة نظام حكم جديدة بدل صيغة المحاصصة الطائفية، التي ثبت فشلها في إدارة الدولة، وأكدنا هذه الدعوة في مداخلة لنا في ندوة أقامها مركز التقدم في عمان بشأن المحاصصة الطائفية وسياسة التوازن بين الطوائف في اختيار كوادر الدولة. ومما له صلة بالعملية السياسية وتصحيح مسارها هو ضرورة تعديل الدستور تعديلا شاملا، وخاصة في موضوع التوازن بين سلطات وصلاحيات المؤسسات الدستورية، وحقوق المرأة وتعزيز دورها في بناء الدولة والمجتمع، وعلاقة الدين بالسياسة، وتجنب كل ما يشير إلى الطائفية والمحاصصة، والاهتمام بدعم وتعزيز دور الشباب، وتوفير الفرص اللازمة لضمان مستقبلهم المعرفي، وإنشاء أوسع وأوطد العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع محيطنا العربي، وتنظيم علاقتنا مع دول الجوار على أساس احترام خيارات كل بلد، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، وتنظيم العلاقة مع القوات الأجنبية بما يخدم إنهاء وجودها في الوقت المناسب.
ومن المؤكد إن هذا الإطار السياسي المقترح لا يشكل بديلا عن الأحزاب والتيارات السياسية القائمة والفاعلة، وإنما هو رديف وحليف لها وداعم لسياسيتها، مادامت تصب في مصلحة بناء عراق ديمقراطي فدرالي مزدهر وآمن.
ولأهمية هذه الطروحات، فقد تم عرضها على بعض الشخصيات الديمقراطية والحزبية للاطلاع، عليها كالدكتور مهدي الحافظ والسادة هاشم الشبلي ونجيب محيي الدين وخالص محيي الدين وعبد الرزاق السعيدي، ولاقت كل الترحيب والقبول من قبلهم، ونحن نتطلع إلى المزيد من التعاون والعمل المشترك بيننا، بما يخدم الحركة الديمقراطية الوطنية.
ونحن على ثقة من أن هذا الإطار سيلقى ترحيبا ودعما من الحركة الكردية والأوساط الديمقراطية ذات المصلحة في إقامة نظام ديمقراطي مستقل، ينقل البلاد من حالة الفوضى السائدة إلى حضن النظام وسيادة القانون واستكمال السيادة الوطنية.
وتفضلوا أيها الأخ العزيز بقبول تحياتي راجيا لمشروعكم الموفقية.
نصير الجادرجي
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::