نجاح المالكي نجاح للعراق

 

ضياء الشكرجي

d.sh@nasmaa.com

 

من اليوم الأول الذي حسمت فيه رئاسة الوزراء لنوري المالكي، استبشرت كما استبشر آخرون بهذا الحسم، كأفضل خيار من مجموع المرشحين من الائتلاف (الجعفري، عبد المهدي، الشهرستاني، الجابري، الربيعي) دون أن أقصد هنا التقليل من شأن أحد من هؤلاء، ولكن لاعتبارات عديدة، لا أريد أن اذكرها هنا كلها، وأكيدا لم يكن الاعتبار الحزبي من هذه الاعتبارات، لكوني – كما هو معروف – قد حسمت أمر فك ارتباطي بحزب الدعوة، إلا من خلال قناعتي بأن حزب الدعوة – رغم انفكاكي عنه – هو الأقرب من غيره من القوى المنضوية تحت الائتلاف إلى الوسطية.

 

يوما بعد يوم ازدادت قناعتي بالمالكي وإعجابي بأدائه كرجل دولة وقائد عراقي، لاسيما أنه أثبت قدرته على التعاطي مع العملية السياسية المعقدة تعقيدا غير اعتيادي بالمرونة والجدية والصبر والمثابرة والإصرار والشجاعة وحتى التجرد من الحزبية، رغم أن المالكي كان من المعروفين بشدة حزبيته وتشدده في بعض القضايا، ولكن واقعية الرجل وجديته وإخلاصه لقضية العراق جعلته رغم تشدده يتعاطى مع مفردات السياسة بدرجة عالية من المرونة والواقعية، ورغم حزبيته وضع العراق فوق الاعتبارات الحزبية. لست هنا في موقع المجاملة والمحاباة، فالمالكي يعرفني قبل غيره باني لم أحاب أحدا يوما، ثم ليس هناك من مصلحة سوى مصلحة العراق التي تدفعني لكتابة هذه القناعات وهذا الانطباع المعتمل لدي منذ وقت غير قصير. ومن مؤشرات نجاح المالكي حتى الآن، ولا ندري ما إذا سينجح حتى الشوط الأخير، أقول من مؤشرات ذلك النجاح، أنه سرعان ما حضي بقبول واسع من شتى القوى السياسية الليبرالية والعلمانية منها، والكردية، والسنية العربية، إضافة إلى المقبولية التي حظي بها من لدن رئاسة الجمهورية وكذلك من لدن الولايات المتحدة. وهذا كله يمثل شروطا أساسية للنجاح.

 

إن المالكي يثبت يوما بعد يوم جديته في معالجة المظاهر السلبية، فمنذ اليوم الأول أعلن عن عزمه على حل الميليشيات، ومبادرته للمصالحة والحوار الوطني لاقت قبولا واسعا، ثم موقفه تجاه منشآت حماية المسؤولين التي تحول بعضها إلى ميليشيات، وما طالعنا به مؤخرا بعزمه على إنهاء النشاطات الحزبية في الجامعات، وإنهاء ظاهرة الصور والشعارات ذات الولاءات الخاصة، كل ذلك يؤشر بوضوح إلى سلامة التوجه، علاوة على وضوح خطابه السياسي. وعلى ذكر منع النشاط الحزبي في الجامعات، لا بد – إذا ما حقق هذا القرار نجاحا على مستوى التنفيذ – من أن يصار كخطوة تالية إلى منع النشاطات الدينية كذلك في الجامعات، مع أهمية حرية الحياة الحزبية، وحرية الشعائر الدينية، ولكن مكانهما بكل تأكيد ليس في الحرم الجامعي.

 

في نفس الوقت فالمالكي لا يحسد على مهمته الصعبة والمعقدة وعلى حمله الثقيل، فهو من غير شك أمام تحيات غير اعتيادية، وبعض وأهم وأكبر وأصعب هذه التحديات والعقبات التي تعتري طريق المالكي هو ما ينبعث من داخل الأجواء القريبة والحليفة، أكثر مما هو عليه الأمر بالنسبة للأجواء البعيدة والمخالفة.

 

كعراقيين لا يهمنا أن ينجح أو لا ينجح المالكي لشخصه، ولا يهمنا أن ينجح حزب الدعوة أو لا ينجح كحزب، بل الذي يهمنا هو نجاح المشروع الوطني العراقي. ولذا ما نأمله أن يقف الجميع من قوى وطنية وحكومات إقليمية ودولية لتدعم هذه الحكومة، لما يمثل ذلك من أمل في تحقيق الاستقرار للعراق، والذي سينعكس كاستقرار لعموم المنطقة وللعالم.

 

وبالنسبة لاحتمالات نجاح أو فشل المالكي، أقول إذا ما واصل أخونا نوري المالكي نهجه – وأقدر أنه سيواصله -، وحتى مع افترض فشله لا قدر الله باعتبار انعكاسات الفشل السلبية على عموم الواقع السياسي في العراق -، أقول حتى مع افتراض الفشل، فإن المالكي سيعتبر قد نجح كرئيس وزراء، لأن فشله لن يكون بسببه، بل بسبب من سيضع المعوقات أمامه، وبالتالي سيحسب الفشل على من وضع تلك المعوقات، وسيكون ذلك الطرف أو تلك الأطراف هي التي من سيحملها الشعب العراقي مسؤولية فشل هذه الحكومة. من هنا سيصعد رصيد المالكي بفشله – إن فشل - في تصوري، طالما بقي وفيا للتوجه الذي أعلنه وسار بالعملية السياسية وفقا له ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

 

ونحن كقوى ديمقراطية، وقوى سياسية تمثل الوسط، وقوى إسلامية ديمقراطية، إضافة إلى تطلعنا في نجاح مهمة هذه الحكومة، لما لهذا النجاح من مردودات إيجابية تعود على شعبنا، نتطلع أيضا على مدى الأهداف الاستراتيجية إلى تحقيق شروط إنجاح عملية التحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار الأمني، وتحسين المفاصل الخدمية. ونأمل أن تقوى في هذه المرحلة - استعدادا للمراحل المقبلة - قوى الوسط السياسي التي تعتمد الديمقراطية كقضية مركزية استراتيجية، والوطنية كولاء يتقدم على كل ولاء، والمواطنة كمعيار وحيد للانتماء، والوسطية والاعتدال كنهج في الفكر والخطاب والأداء، كما نأمل أن ننتشل أنفسنا من التخندق الطائفي، نتطلع والطائفية السياسية، والمحاصصة الطائفية، والمحاصصة القومية، والمحاصصة الحزبية، حتى تلك التي تجري في إقليم كردستان، لنتحول إلى واقع التعددية السياسية بمعناها الديمقراطي الحقيقي المتجاوز للأطر الطائفية وحتى القومية، هذه التعددية التي تمثل الشرط الأساسي لإنجاح المشروع الديمقراطي، ونأمل ثالثا أن تنتزع القوى الإسلامية المعتدلة نفسها من التحالفات القائمة على ثنائية الانتماء الإيديولوجي والتخندق الطائفي، لتتحول إلى تبني استراتيجية جديدة للتحالفات، قائمة على أسس صحيحة وعلى تعدد المعايير التحالفية، وتخدم قضايا المشروع العراقي الوطني الديمقراطي، أكثر مما تضع في حساباتها قضايا المشاريع الجزئية كالمشروع الشيعي أو مشروع الإسلام السياسي.

 

06/07/2006

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::