رؤيتي للنظرية السياسية لحزب الدعوة الإسلامية للمرحلة الراهنة
ضياء الشكرجي
طبقا لرؤية حزب الدعوة الإسلامية حسب قراءة كاتب هذه السلسلة، يعني أن الدراسة لا تمثل محض رؤية شخصية للكاتب، ولا هي الرؤية الرسمية للحزب بكل تفاصيلها، وإنما تمثل قراءة الكاتب للنظرية السياسية للحزب في خطها العام على نحو المقاربة التي تكاد تمثل المطابقة. وقد نشرت الحلقات على صفحات "البيان" صحيفة الحزب، رأى الكاتب إعادة نشرها على "كتابات" تعميما للفائدة.
إن العراق يمر بمفصل تأريخي خطير، ومنعطف مصيري، وحزب الدعوة الإسلامية هو واحد من الأحزاب التي كان لها السبق في مواجهة النظام وتقديم قوافل الشهداء من أجل العقيدة والوطن، وهو بالتالي ذو رصيد شعبي كبير، مما يجعل مساحة واسعة من جماهير الشعب تتطلع إليه، منتظرة الموقف النظري والموقف العملي. وحيث أن الحزب يجد نفسه في موقع المسؤولية أمام الله سبحانه، وأمام التاريخ، وأمام الوطن والأمة، كان من اللازم تناول هذه المرحلة، المرحلة الانتقالية، بالتحليل وتحديد الموقف، رابطا إياها بما قبلها من جهة، من أجل تكوين فهم أعمق للواقع الراهن، وبما بعدها من جهة أخرى، لبيان مستقبل العراق السياسي الذي تتطلع إليه الدعوة الإسلامية في سياق الانسجام مع تطلعات الأمة، وذلك من وجهة نظر كاتب هذه السطور المستوحاة من قبله من فكر الدعوة وخطها السياسي ومواقفها من القضايا الراهنةالمتخضة عن التجربة الطويلة والحوارات الداخلية والرؤية السياسية للواقع الراهن. من هنا تبدأ هذه الحلقات بسرد سريع لأهم معالم الحقبة المظلمة الماضية، وتحليل موجز لها، ثم تحديد الرؤية والموقف من الوضع الراهن، ثم تناول التطلع إلى آفاق المستقبل المنشود.
لقد تركت الحقبة الصدامية المشؤومة آثارها التخريبية على جميع الأصعدة، السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. فقد عمد النظام إلى إلغاء جميع الحريات، كحرية الفكر والتعبير، وحرية الصحافة والنشر، وحرية تشكيل الأحزاب والنقابات، وحرية التظاهر، وحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية. وأحكم النظام قبضته بتبني حكم الحزب الواحد، ولم يكتف بذلك، بل ألغى أو همّش دور الحزب لصالح حكم الفرد الواحد، وأسس لثقافة تأليه الفرد الحاكم الذي انفرد بشكل مطلق بالقرارات السياسية، لا سيما تلك التي تعتبر مصيرية، كإعلان الحروب، إذ شن الطاغية حربين مدمرتين ضد شعبين جارين مسلمين، هذا إضافة إلى حروبه الداخلية ضد الاخوة الأكراد وضد كل فئات الشعب العراقي، وما حلبجة والأنفال وسحق انتفاضة شعبان/آذار 1991 إلا شواهد صارخة لحرب النظام ضد الشعب العراقي. ولم يكتف النظام بملاحقة الإنسان وسلبه أمنه وتصفيته بشتى الأساليب الوحشية، بل عمد إلى تدمير البيئة، وتبذير ثروة البلاد من أجل نزواته المدمرة وترفه اللامحمدود.
وقد تركت الحربان التي شنهما النظام ضد الجارتين إيران والكويت، إضافة إلى الدمار والتخريب في البلدين المعتدى عليهما، آثارها التخريبية على الشعب العراقي، فأدخل العراق في أزمة اقتصادية، حولت الطبقة المتوسطة إلى طبقة فقيرة، والطبقة الفقيرة إلى معدمة، بينما أخذ النظام يبالغ في تشييد عشرات القصور للطاغية بدرجة من البذخ الذي يتجاوز كل حدود المعقول واللامعقول، كما في تبذير أموال الأمة في التسلح الذي فاق الاحتياجات الطبيعية التي تتطلبها قضية درأ المخاطر عن شعب وتراب العراق، وكلك التبذير في شراء الذمم من وسائل إعلام وأحزاب وسياسيين خارج العراق للأغراض الدعائية للنظام. ولكن لم يترك النظام آثاره على الحياة الاقتصادية والسياسية فحسب، بل شمل التخريب جميع أصعدة الحياة للمجتمع العراقي، كالصعيد الاجتماعي والثقافي والأخلاقي وغيره.
إن مرحلة ما بعد سقوط النظام الدموي المقبور للطاغية صدام، اقترنت بواقع انتصار عسكري حققته قوات الائتلاف، وما يترتب على هذا الواقع من تواجد قوات الائتلاف الأجنبية، بما يصطلح عليه وفق القانون الدولي بالاحتلال، ومن تبعات واستحقاقات هذا التواجد. وكان على الدعوة الإسلامية أن تحدد موقفها بشكل واضح ومدروس ومسؤول من هذا الواقع الطارئ الجديد.
من الطبيعي أن حزب الدعوة الإسلامية لا يتعامل مع واقع الاحتلال من موقع الرضا به والتسليم له، وإنما من موقع التعاطي الواقعي، الذي يأخذ بنظر الاعتبار الحقائق التالية:
- الاحتلال من حيث المبدأ أمر مرفوض، ولا يمكن لأي شعب من شعوب العالم أن يرتضي لنفسه الخضوع لاحتلال قوى أجنبية لأرضه وشعبه وثرواته، لا سيما شعبنا الذي عرف بجهاده وبطولاته وتضحياته من أجل حريته وكرامته ومبادئه.
- واقع الاحتلال في العراق لم نصنعه نحن ولم يأت باختيارنا، بل يتحمل النظام المقبور وبشكل أساسي مسؤوليته.
- الاحتلال كواقع مرفوض اقترن بسقوط نظام صدام الدموي، مما يجعله يُنظر إليه من هذه الزاوية كفرصة جديدة للشعب العراقي، ونعني هنا سقوط النظام الذي اقترن بالاحتلال، لا الاحتلال نفسه.
- كان علينا أن نتعاطى مع هذا الواقع الجديد الذي لم نصنعه نحن بإرادتنا، بطريقة للخروج منه بأفضل النتائج الممكنة.
- قوى الاحتلال أكدت وتؤكد دائما أنها لم تأت محتلة للعراق، ولا تنوي البقاء إلا بمقدار ما تتطلبه طبيعة الظروف لغاية الوصول إلى مرحلة اختيار الشعب العراقي للقوى السياسية الوطنية لقيادة البلاد وتكملة أشواط إعادة البناء، وهذا جعل الدعوة، وعملا بقاعدة درء أقوى الضررين بأصغرهما، تتخذ قرار التعاطي الإيجابي مع هذا الواقع، من أجل الوصول إلى الهدف المنشود في تحقيق عراق حر ديمقراطي مستقل، وتتناسب درجة إيجابيتها في هذا التعاطي مع درجة وفاء قوى التحالف بوعودها.
للأسباب أعلاه اتخذت الدعوة الإسلامية قرار الإسهام في المرحلة الانتقالية، ليكون لها مع القوى الوطنية دورها الإيجابي الفاعل لتأهيل العراق للمرحلة الدستورية الدائمة، لأن غياب قوة سياسية كحزب الدعوة الإسلامية عن العملية السياسية في هذه المرحلة الحساسة، لا بد أن يترك آثاره السلبية على المستقبل السياسي للعراق، وعلى دور الدعوة السياسي المستقبلي. ومن هنا فإن الدعوة لم تضع في حسابها المكسب الحزبي، بقدر ما اسشعرت مسؤوليتها في الحضور الفاعل في هذه المرحلة، وهي تعي جيدا أن هذا الحضور يمكن أن تكون له انعكاساته السلبية على الدعوة. ولكن حيث أن الدعوة منحت دائما اعتبارات مصلحة العراق والشعب العراقي، ومصلحة الإسلام موقعا متقدما في سلم أولوياتها على الاعتبارات الذاتية الحزبية، وضعت نفسها في هذا الموضع الحساس، دافعة ضريبة ذلك.
من هنا اتخذت الدعوة الإسلامية قرار المشاركة في الهيئة السباعية، ثم في مجلس الحكم الانتقالي، وهيئته الرئاسية، وسائر مؤسسات وهيئات المرحلة الانتقالية، باعتبار أن المرحلة الانتقالية ستترك بصماتها على المرحلة الدستورية.
وهنا لا بد من بيان نظرة الدعوة إلى مجلس الحكم الانتقالي وشرعيته وشرعية الوزارات التي شكلها. من الطبيعي أنه لا يمكن أن ندعي أن مجلس الحكم يملك شرعية دستورية بالمعنى الدقيق والكامل، باعتبار أننا ما زلنا في المرحلة الانتقالية، التي تكون سابقة للمرحلة الدستورية الدائمة وممهدة لها. ولكن الأطراف المتمثلة في مجلس الحكم الانتقالي على الأعم الأغلب هي أطراف سياسية معروفة بتأريخها، ولها امتداداتها في المجتمع العراقي وجذورها الراسخة في أرض الواقع العراقي. وطبيعة المرحلة الموقتة التي تعقب سقوط الديكتاتورية، لا تسمح عادة بإجراء انتخابات حرة ديمقراطية، ومن هنا اعتبرت موقتة وليست دائمة، إذ مهمتها أصلا هو - كما مر - التمهيد للمرحلة الدستورية الدائمة، التي تكون من لوازمها الانتخابات البرلمانية الحرة. إذن المرحلة الموقتة تنتهي باستكمال دورها المحدد لها بالتأهيل للمرحلة الدائمة، بشرط ألا تمتد مدة المرحلة الموقتة إلى أكثر مما يحدد لها، أو مما تحتاجه طبقا للحسابات التي تفرضها طبيعة الأشياء للمرحلة، وفترة هذه المرحلة الانتقالية لا تكون عادة أقل من سنة واحدة، ولا تزيد على السنتين. من هنا كان من الطبيعي أن تصاغ المرحلة الموقتة وتحدد الأطراف الفاعلة فيها عن طريق التوافق الناتج عن التفاهم والحوار بين الأطراف السياسية الوطنية الفاعلة، وليس عن طريق الانتخاب، باعتبارها تمثل مرحلة استثنائية وحالة طارئة. ويمكن القول أن الأطراف المتمثلة في مجلس الحكم الانتقالي بمجموعها تمثل غالبية الشعب العراقي بقومياته ومذاهبه وتياراته الساسية، وإن كنا نقر بغياب بعض الأطراف والتيارات السياسية أو الاجتماعية، مما طالبت الدعوة دائما بتمثيلهم أو بزيادة نسبة تمثيلهم في المجلس.
وحيث أن المرحلة الموقتة في ظل واقع الاحتلال تأخذ بنظر الاعتبار أنه لا يمكن إلغاء تأثير هذا الواقع على بعض مفردات هذه المرحلة، تعاطت الدعوة مع هذه الحقيقة بواقعية، بشرط أن تكون حصة الإرادة العراقية هي الطاغية على قرارات مجلس الحكم ومسار المرحلة الموقتة. وما كانت الدعوة لتسمح لنفسها أن تشارك في المرحلة الموقتة وصيغها ومؤسساتها، لو أنها شعرت أن كل شيء يجري بإرادة المحتل، وأن إرادة القوى الوطنية مصادَرة بشكل تام، وليس لها سوى دور تنفيذي، أو دور إضفاء الشرعية لواقع الاحتلال. فالدعوة الإسلامية ساهمت مع القوى المخلصة من أجل أن تكون لمجلس الحكم صلاحيات حقيقية وواسعة، وأن يكون للعراقيين الدور الأساسي في رسم مسار هذه المرحلة وما تهيؤه للمرحلة الدائمة المقبلة، والتي ستتخللها مرحلة ممهدة أخرى هي مرحلة الانتقال من صيغة مجلس الحكم الانتقالي إلى صيغة الحكومة الانتقالية، التي سينتهي بها الاحتلال طبقا لمعايير القوانين الدولية. وبقيت الدعوة تسعى لاستحصال المزيد من صلاحيات مجلس الحكم من أجل ترجيح كفة الإرادة العراقية في قرارات المرحلة الانتقالية.
ومن مهام الدعوة الإسلامية بشكل خاص، وما نرى أنه من مهام عموم القوى الوطنية، في هذه المرحلة، هو ما يلي:
1. تلبية الحاجات الحياتية الضرورية للمجتمع العراقي.
2. توفير الأمن والاستقرار في البلاد.
3. المباشرة بعملية إعادة البناء على جميع الأصعدة.
4. معالجة جميع آثار الحقبة الديكتاتورية الدموية المظلمة، وإلغاء آثار القرارات والقوانين الظالمة المجحفة بحق مختلف شرائح الشعب العراقي، الصادرة من موقع المصادرة للحقوق السياسية والفكرية والثقافية والدينية والمذهبية والقومية والاجتماعية وكافة الحقوق الإنسانية للمواطن العراقي.
5. تهيئة صياغة مسودة الدستور الدائم، من أجل طرحه على الشعب العراقي في عملية استفتاء حر، ليقول فيه كلمته الفصل، قبل أن يأخذ مشروعيته النهائية، وذلك مع الاستئناس قبل وأثناء وبعد صياغة المسودة بآراء أهل الاختصاص وأصحاب الشأن من حقوقيين ومراجع وعلماء دين وقوى وتيارات سياسية ومفكرين ومثقفين، لتكون المسودة المعَدّة أقرب ما يمكن أن تكون لواقع المجتمع العراقي، بما يمثله من هوية لغالبية المجتمع وواقع تعددي على مختلف الأصعدة، قبل طرحها للاستفتاء الشعبي.
6. تأهيل المواطن العراقي للتعددية السياسية والانتخابات التي تتطلبها، ليكوّن لنفسه وعيا بكون الانتخابات الحرة تمثل من جهة حقا من حقوقه الأساسية، التي لا يملك أحد أن يصادرها، ومن جهة أخرى واجبا وطنيا وشرعيا، ومسؤولية تأريخية، مما يتطلب خلق وعي انتخابي واسع ومعمق. هذا إضافة إلى ما تتطلبه العملية الديمقراطية المقبلة من مران على التعددية الفكرية والسياسية وغيرها، إذ أن تغييب النظام الشمولي الأحادي لواقع ووعي التعددية يتطلب مرانا على واقع جديد نريده للشعب العراقي.
7. العمل الجاد على إنهاء مرحلة الاحتلال، بحيث لا تدوم يوما واحدا أكثر مما تتطلبه طبيعة المرحلة. وهذا يتم عن طريق العمل السياسي في تنسيق وتوحيد المواقف بين القوى الوطنية المخلصة عموما والإسلامية خصوصا، وبالحوار الإيجابي الفاعل مع قوى الاحتلال، وبتعبئة الجماهير نحو الضغط بالأساليب السلمية الحضارية بهدف استكمال السيادة الوطنية للعراق، وبالتعجيل بقطع أشواط مرحلة التمهيد للدولة الدستورية المستقلة.
في الوقت الذي عملت الدعوة الإسلامية منذ تأسيسها على أسلمة المجتمع، أي جعله منسجما مع هويته التي تمثل عقيدة وانتماء وتأريخ الغالبية العظمى من المجتمع العراقي، لم تجد تعارضا - بل انسجاما كليا وتلازما - بين هذا الهدف وهدف تحقيق الحرية والكرامة الإنسانية، وحق تقرير المستقبل السياسي للبلاد لجميع العراقيين بكل أطيافهم القومية والمذهبية والدينية والفكرية والسياسية. من هنا اتخذت الدعوة من موقع الوضوح الشرعي قرار تبني التعددية السياسية والآلية والممارسة الديمقراطيتين. فإن المجتمع العراقي لا يمكن له أن يعيش الاستقرار والسلام الاجتماعي والوئام الوطني، ما لم يعش التعددية بكل أبعادها، والإسلام لا يضيق ذرعا بالتعددية، ولا يتعقد من الصيغ المعاصرة للحكم والإدارة، ما زالت هذه الصيغ تحقق التعايش السلمي بين كل الأفكار والديانات والرؤى. من هنا ترى الدعوة أن السير نحو هدف أسلمة المجتمع يمكن ان يكون بآليات التعددية السياسية والدولة الديمقراطية، وبآليات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ومن دون إكراه لأحد على صيغة من صيغ الحكم. فإن منحتنا الجماهير ثقتها واختارتنا بتكليفها إيانا لقيادة عملية خدمة المجتمع في تولي المسؤولية السياسية، فإن لنا برنامجنا السياسي المعلن بكل شفافية، والمستوحى من الشريعة الإسلامية، والمواكب لمسيرة التطور العصري في الآليات والتعاطي الحضاري مع واقع التعددية، هذ التعاطي المنسجم تماما مع روح الإسلام، والمنفتح على الواقع بكل أطياف المجتمع والتنوع على جميع الأصعدة.
من هنا فإن المستقبل السياسي للعراق الذي تراه الدعوة الإسلامية هو تحقيق عراق حر ديمقراطي فيدرالي موحد مستقل في ظل العدل والمساواة والتضامن الوطني. وستبذل الدعوة وبالتعاون مع كل القوى الوطنية المخلصة كل ما في وسعها من أجل تحقيق هذا الهدف الكبير للعراق والعراقيين. وستمارس دعوتها للإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا وقيما إنسانية ضمن إطار هذا الواقع السياسي الذي تطمح في تحقيقه، وليس خارج هذا الإطار، ذلك من خلال قناعتها المستمدة من المفاهيم الإسلامية، بأن الحق الذي يؤمن به أهله، إذا ما لم يجدوا له أرضية جماهيرية تتبناه، وتتفاعل معه، وتحمله معهم رسالة للحياة، لا تكون له قيمة في أرض الواقع، وهو في نفس الوقت لا يفقد قيمته كحق حسب قناعة حامليه، مع عدم تجاوب وتفاعل الجماهير أو غالبيتها معه. فالأساس في ذلك بالنسبة للدعوة هو أن ندعو إلى ما نؤمن به حقا بالأساليب القرآنية والعقلانية والحضارية، بالحكمة والموعظة الحسنة، من غير إكراه وقسر، ومن غير إقصاء وإلغاء للآخر المختلف معنا قليلا أو كثيرا. فليدع كل إلى برنامجه وفكره وقناعاته بكل حرية، ولتكن الجماهير هي صاحبة القول الفصل في خيارها، فهي التي تتحمل مسؤولية ذلك الخيار أمام نفسها، وأمام التاريخ، وأمام أمتها، وأمام ربها، إضافة إلى ما يتحمل من مسؤولية من أثر فيها وفي قرارها سلبا أو إيجابا من قوى سياسية وثقافية.
وعلى ذكر ما نراه ونعتقد به حقا، لا بد من القول بأننا لا بد من التمييز بين الحق كمفهوم مجرد، وبين الحق كمصداق طبقا لفهم الناس وتبنيهم وممارستهم، ففي الوقت الذي يكون المفهوم المجرد للحق مطلقا وثابتا، لا بد من الإقرار بأن الحق طبقا لفهم الناس يبقى نسبيا، وما يكون ثابتا عند البعض يكون متغيرا عند البعض الآخر. فهذا الفهم ضروري لعملية الدعوة إلى الإسلام، كما هو ضروري للعملية السياسية، لا سيما عملية التحول الديمقراطي، لكي لا يتعسف صاحب القناعة بما هو حق بغيره ممن لا يرى رؤيته، ففرق - وأيما فرق - بين أن يُلزم الإنسان نفسه بما اقتنع به على نحو اليقين أو الظن الراجح ويمسك به بقوة، وبين أن يتعصب لقناعته ويتعسف بصاحب القناعة المغايرة، إذ الذي يريد أن تحترَم قناعته هو الذي يحترم قناعة الآخرين.
بعد أن بينا موقفنا من خيار الديمقراطية، وعدم تعارضها مع هدف أسلمة المجتمع، وكونها الخيار الأفضل من مجموع الخيارات الممكنة، استنادا إلى الحكمة التي توجب اختيار الأفضل الممكن، وبالتالي الأفضل النسبي، لا الأفضل المجرد، أو الأفضل المطلق؛ بعد كل ذلك لا بد من بيان موقف الدعوة الإسلامية من مجموعة أسئلة مطروحة أمام طبيعة النظام السياسي الذي نطمح لتحقيقه.
صحيح ان الدعوة قد أعلنت في مراحل مختلفة أننا مع الخيار الذي تقرره الجماهير فيما يتعلق بطبيعة النظام السياسي. ولكن ليس من تعارض بين القول بأن الشعب هو صاحب القرار في مثل هذه المسألة الخطيرة والمصيرية، وبين أن نبلور تصورنا كحزب سياسي، فيما نطمح له وما نراه أصلح لشعبنا، ومن ثم نعمل على التثقيف على هذا الطموح والدعوة إليه، ثم ترك القرار النهائي للجماهير.
وأهم ما يحدد ملامح نظام الحكم للدولة هو ما يمثل الإجابة على ثلاثة أسئلة مركزية إجمالية، تتفرع عنها أسئلة وإجابات تفصيلية. وهذه الأسئلة هي:
1. هل نريدها دولة جمهورية أم ملكية؟
2. هل نريدها دولة ديمقراطية أم إسلامية؟
3. هل نريدها دولة فيدرالية أم مركزية؟
نحن لا نعتقد أن لأطروحة النظام الملكي أجواء واقعية في المجتمع العراقي تمثل ظاهرة يعتد بها. ولكن من حيث المبدأ لا اعتراض لنا على طرح القضية للاستفتاء، إذا طالبت به قوى وطنية ذات ثقل، ومن ثم القبول بها لا كقناعة بل كأمر واقع وإرادة شعبية، إذا ما أمضتها الجماهير. في نفس الوقت لدينا ملاحظاتنا على النظام الملكي، وهي أن ليس هناك من مبرر معقول يجعلنا نرجع من صيغة متقدمة ألا هي الصيغة الجمهورية إلى صيغة متأخرة عنها. ثم إننا لا نرى تحقق الدولة الدستورية والاستقرار وغيره مرهونا بالنظام الملكي. فالدستورية والصيغ الانتخابية البرلمانية والتعددية والتناوب السلمي على السلطة من الأمور التي يمكن أن تتحقق في ظل نظام جمهوري، كما يمكن لها أن تتحقق في ظل نظام ملكي، وبعكسه يكون تغييبها ممكنا في ظل كلا النظامين، إذا تحولت الجمهورية أو الملكية إلى ديكتاتورية. ثم إننا لا نجد مبررا معقولا أن تتوارث أسرة ما موقعا في الأمة من دون اعتبارات أخرى معقولة، حتى لو كان هذا الموقع رمزيا وشرفيا. فإن كان الملك يمثل موقعا رمزيا وشرفيا، فما هي الحاجة العملية الواقعية لمثل هذا الموقع الشرفي؟ من هنا نجد أنفسنا ننسجم مع الإبقاء على النظام الجمهوري، بشرط أن يتحول إلى نظام دستوري برلماني تعددي انتخابي. نعم هناك أسئلة تفصيلية في طبيعة النظام الجمهوري والرئاسي، فيما إذا تكون صلاحيات إدارة السلطة التنفيذية لرئيس الجمهورية، أم لرئيس الوزراء، أم إن الصلاحيات موزعة بينهما، وما إذا كان الرئيس يمثل موقعا شرفيا أو هو ذو صلاحيات، ومدى وسعة هذه الصلاحيات، وما هو أصلح من الصيغتين؛ ثنائية الموقعين، أي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، أو توحيدهما في موقع واحد. وكذلك هناك أسئلة تفصيلية تتعلق بمدة الدورة الانتخابية للرئيس، وللبرمان والحكومة المركزيين، وللبرلمانات والحكومات الفيدرالية المحلية، وعن عدد الدورات التي يحق لرئيس الدولة أو رئيس الحكومة ترشيح نفسه، وأمد الدورة الواحدة، وما إذا يكون انتخابه مباشرا من قبل الشعب، أم غير مباشر من قبل البرلمان. كل ذلك يحتاج هو الآخر إلى دراسة لما يكون أصلح للمستقبل السياسي للعراق، بشرط ألا يخرج ذلك عن البدائل التي لا تتعارض مع أسس الخيارين المجاب عليهما في السؤالين التاليين فيما يتعلق بالديمقراطية والفيدرالية.
إننا قد اخترنا النظام الديمقراطي التعددي، لا من موقع الإعراض عن هدف أسلمة المجتمع، وليس كخيار في عرض خيار النظام الإسلامي، وليس استسلاما لأمر واقع مفروض، وإنما وجدنا أن أهدافنا الإسلامية يمكن لها أن تتحقق بشكل أفضل وأكثر تجذرا وأكثر انسجاما مع هدف تحقيق السلام الاجتماعي والتعايش الحضاري مع واقع التعددية من خلال آليات الديمقراطية، منه من خلال آليات الدولة الشمولية الأحادية، حتى لو كانت هذه الدولة الشمولية الأحادية دولة إسلامية، لما لنا من وضوح بأن الإسلام لا يرضى بالاستبداد حتى لو فرضنا أن المستبد فيما عدا صفة الاستبداد على حق، لأن النظرية الحق تفقد قيمتها إذا ما طبقت بأسلوب باطل، باعتبار أن الاستبداد يمثل لونا من ألوان الأداء الباطل.
ومن لوازم التمهيد للممارسة الديمقراطية، لا بد من دراسة الصيغ المختلفة في العالم لقانون الانتخابات، وتحديد حجم الدوائر الانتخابية بما هو الأدنى منها والأقصى.
وكذلك من لوازم خلق وعي انتخابي لدى الجمهور، لا بد من تعريف المرشَّح فردا كان أو حزبا للجمهور، بحيث يكون الناخب مطلعا على فكره، وتاريخه، وبرنامجه السياسي.
صحيح أن تبني الفيدرالية أصبح من ثوابت ما أجمعت عليه القوى الوطنية، وأقرته الدعوة الإسلامية، ولكن من أجل بيان أن الفيدرالية لا تمثل للدعوة مجرد أمر واقع مفروض قبلت به من خلال النظرة الواقعية، بل إنها من بعد دراسة فاحصة أقرته من موقع القناعة بأنه يمثل الخيار الأفضل لمجتمع من ملامحه الأساسية التنوع على جميع الأصعدة، لا سيما وعلى سبيل المثال لا الحصر التنوع على الصعيد القومي والمذهبي والفكري والسياسي، ثم إننا لا نجد أي تعارض بين الفيدرالية والإسلام، بل بالعكس إننا نجد في التجربة التأريخية الإسلامية ما يقترب كثيرا من الأسلوب اللامركزي للحكم، من خلال ما عُرف بنظام الولايات، إضافة إلى ما فرضت متغيرات العصر من إضفاء شروط وأسس تفصيلية أكثر على طبيعة النظام اللامركزي. ثم إننا نعتقد بأن النظام اللامركزي الموحد هو أحفظ للوحدة الوطنية من المركزية القسرية التي تدير ظهرها لواقع التنوع. تبقى التفاصيل في تحديد طبيعة النظام الفيدرالي المناسب لطبيعة المجتمع العراقي، وما هو أكثر انسجاما مع هذه الطبيعة من مجموع الصيغ الفيدرالية المطبقة في الدول الاتحادية في العالم، وعدد الولايات الفيدراية المناسب، وكيفية توزيع المهام والصلاحيات ما بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية. فكل هذا ما يحتاج إلى دراسة مستفيضة عميقة ودقيقة من قبل أصحاب الشأن كالهيئات الدستورية التشريعية التي ستأخذ على عاتقها صياغة مسودة الدستور المطلوب من بعد ذلك طرحه على جماهير الشعب، لتقول فيه كلمتها الفصل، وتمنحه الشرعية بقبولها به. ولكن بشكل عام نرى أنه لا ينبغي أن ننظر للنظام اللامركزي كحل للتنوع القومي والمذهبي فقط، بل لا بد أن ننظر إليه كحل للتنوع السياسي فيما هو تنوع وتعدد الولاءات السياسية التي ستتبلور في المستقبل، لا سيما بعدما تتعرف الجماهير على القوى السياسية وتجربّها بشكل أفضل، وبعدما ينمو الوعي الانتخابي والمران التعددي بشكل أكثر تجذرا في وعي الأمة.
أما بالنسبة لتحديد عدد الولايات الفيدرالية وحدود كل منها، فلا بد أن يؤخذ فيه بنظر الاعتبار الأمور التالية:
1. عدد نفوس الولاية.
2. هوية غالبية سكان الولاية القومية والمذهبية أو الدينية وربما الاجتماعية.
3. مساحة الولاية.
وربما يمكن طرح حد أدنى وحد أعلى لتصور عدد الولايات الفيدرالية للعراق. فيمكن القول بأن حده الأدنى أربع ولايات، وحده الأقصى تسع ولايات، أي نصف عدد المحافظات، حسب التقسيم الإداري الحالي كتصور أولي، مما يجب لسكان كل محافظة أن يكون لها حق حسم اختيار الم