عجبا لنا كيف لا تهزنا قيامة المستنصرية
نعم وصفت بالقيامة ..
وليست من مبالغة ..
لِمَ لـَمْ تهزنا؟
هل فقدنا الإحساس؟
نفسي أوبخ أولا .. نعم أنتَ يا جناب الشكرجي .. أيها الكاتب .. وأيها السياسي .. وأيها المنظر .. يا من نظـّرت للكثير من القضايا وكتبت في العديد من المواضيع.
كيف لم تهزك المستنصرية؟
ثم أوَاليوم تكتب؟
أبعد أن جفـّت دماء بناتنا وأبنائنا الذين كنا نرى فيهم المستقبل الذي فقدناه؟ الذي ضيعناه .. أو لا أدري ضيعوه لنا .. أم ما زلنا نبحث عنه؟
وأنتِ يا حكومة يا موقرة .. أمعقول أن تعلن اليونسكو حدادها على مُجَزَّرات ومُجَزَّري المستنصرية .. وأنتِ مشغولة في الإعلان عن الإنجازات العظيمة.
لا أكتب من موقع العقدة تجاه أحد.
وأعلم كم من صعاب في طريق الحكومة.
لكني أكتب هذا العتاب .. وأصرخ هذه الصرخة الموجعة .. بالرغم من أني في كثير من مفاصل المسيرة السياسية متعاطف على أقل تقدير مع أخي المالكي رئيس الوزراء .. وأقول دائما أعانه الله على فريقه المتعب ومهامه الصعبة.
ولكن يا حبيبي يا أبا إسراء .. أمعقول ألا ّ نسمع شيئا من حكومتك أو منك؟
وهل هي بطولة وشجاعة أن نتحدى الإرهاب، ولا نظهر لهم أي ضعف أو تراجع من خلال تقديم بنات (الخايبة) وأبناء (الخايبة) إلى مجازر الفداء؟
أحكمة منكِ أيتها الحكومة .. أشجاعة هي .. أم هي لا مبالاة - حاشا لكِ - أم ماذا .. أن تهددوا الطلاب بالفصل أو لا أدري بأي إجراء إذا ما غابت الطالبة أو غاب الطالب لكذا فترة، وعقوبة مشابهة تضعونها للأستاذات وللأساتذة إذا لم يلبسوا ثياب الاستشهاد - أو لنقل ثياب الموت العَبَثي - ويداوموا في الجامعة. صحيح إن هذا جاء كرد فعل تجاه قرار انفرد به وزير التعليم العالي بتعطيل الدراسة لأغراض أخرى، ولكن أرخيصة لدينا أرواح من هم أمل المستقبل، وأرواح الأستاذة والأستاذ الذي يُصنـَع بجهد وعرق وسهر عبر عشرين عاما، ثم يُجَزَّر كما تـُجَزَّر الأضاحي يوم العيد في منى؟
حدّثنا شهود عيان في اليوم التالي عن منظر تعجز الكلمات عن وصفه .. ملحمة رهيبة .. قيامة مرعبة.
فهل أشاهد المسؤولون حقائب بناتنا الطالبات معلقات على الأشجار؟
أرأيتم مناظر ملازم المحاضرات المبعثرة؟
الشوارع كانت سوداء .. كيف كانت إذن لحوم بناتنا الشهيدات وأبنائنا الشهداء؟
أرأيتم منظر الطالبات يهرولن واللهيب قد أكل ثيابهن من على أجسادهن اللاتي بقيت تتلظى بنار الإرهاب الوحشية؟
ألسنة النيران تتعالى في السماء .. قيامة .. كل شيء أسود بلون الدخان ولون الأجساد المتفحمة والقير المحروق .. وأحمر بلون النار وبلون الدم ..
سيارات تتطاير .. تتفجر .. سيارة تفجر الأخرى .. في سلسلة رهيبة من التفجُّرات المرعبة ..
أين كان الحرس الوطني؟
أين كانت الشرطة؟
أصحيح إن قوات الحرس الوطني قد انسحبت قبل ساعتين من الكارثة؟
لا .. لا أتحدث عن مؤامرة .. لا أتحدث عن ضلوع أحد .. فكل ذلك يحتاج على دليل.
لكن ألا يحق أن تطرح هذه الأسئلة؟
أمعقول وبعد ثلاثة أيام ما زالت مستشفى الكندي تستجدي دما للجرحى .. ولا من مجيب؟
واليوم أسماء وأسماء وأسماء لطالبات ولطلاب وأستاذات وأساتذة ملأت جدران المستنصرية.
ذهبوا .. خسرناهم .. تكلنا بهم .. لماذا؟
المصور الذي صور طالبات وطلاب الرابع الذين كانوا يحتفلون بتخرجهم .. وقف أمام كل الصور .. لا يملك إلا الدموع .. ودموع .. ودموع .. وحسرات .. وزفرات .. كلهن متن .. كلهم ماتوا .. كلهن احترقن .. كلهم احترقوا .. هذه الزهور انطفأت .. رحلت
الأمهات .. الآباء .. الأخوات .. الإخوة .. الزميلات .. الزملاء .. حزن أسود يلفهم.
أمعقول نفقد ثلثمئة طالبة وطالب في عمر الورود .. ينتظرهم الأهل .. ينتظرهم المستقبل .. ينتظرهم الوطن .. فيساقون بدلا من ذلك إلى نار الأخدود .. وموقدوها اللعناء عليها قعود .. وهم على ما يفعلون بالعراقيين شهود .. وما نقموا منهم إلا أنهم حلموا بمستقبل أخضر وعراق جديد.
أعتذر .. لا بل أوبخ نفس .. إذ جاء رد فعلي متأخرا .. لا أدري .. أنحن داخلون في مرحلة فقدان الإحساس؟
لا أرانا الله يوم نفقد إحساسنا .. ونعزي أنفسنا بمصابنا بالصبر .. وبالأمل .. ولكن أخير في أمل بلا عمل؟
19/01/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::