مؤتمر أربيل لتفعيل دور التيار الديمقراطي
مؤتمر أربيل لتفعيل دور التيار الديمقراطي
ملاحظة أولية
هذه المقالة تمثل فيما هي الرؤى السياسية وجهة نظر الكاتب، وليست ناطقة باسم اللجنة التحضيرية الأولى التي حضّرت للمؤتمر، أو باسم اللجنة التحضيرية المنبثقة عنه، والمطلوب أن تحضّر للمؤتمر الثاني، إلا بمقدار اجتهاد كاتب هذه السطور وفهمه. ولا يعني التصدي للكتابة عن المؤتمر دعوى أن للكاتب دورا متميزا في المؤتمر، بل كان لغيره الدور المتميز الأكبر، بل جاء ذلك استجابة لطلب بعض الأصدقاء، ولتشخيصي أن ما سأكتبه لا يتجاوز متبنيات المؤتمر ورؤى المنظمّين له إجمالا، ولا يؤثر سلبا على مساره، مع احتمال أن يكون له أثر إيجابي.
المؤتمر
لثلاثة أيام، من العاشر حتى الثاني عشر من نيسان 2007، انعقد في أربيل مؤتمر «سبل تفعيل الوسط الديمقراطي لبناء الدولة المدنية الاتحادية الديمقراطية». وهنا أود بيان بعض ما يتعلق بهذا المؤتمر، بتسليط بعض الضوء على خلفيته، الجهة المنظمة له، أهدافه، تحضيراته، مساره في أيامه الثلاثة، وآفاقه.
عنوان المؤتمر
قبل ذلك لا بأس من إشارة إلى عنوان المؤتمر «تفعيل الوسط الديمقراطي من أجل بناء الدولة المدنية الاتحادية». أبدأ ببعض الملاحظات الصياغية.
«الوسط»: المقصود بـ «الوسط الديمقراطي» القوى والشخصيات السياسية الديمقراطية غير الطائفية وغير المُسَيِّسة للدين، وذات المنحى المعتدل، والذي أريد التعبير عنه بلفظة «الوسط». لكن حيث أن «الوسط» هنا تمثل مشتركا لفظيا، بحيث يمكن أن يفهم منها «المجال» أو «الحَيِّز»، وجمعها «الأوساط»، أو أن يُفهَم منها «الاعتدال» أو «الوسطية»، وهو ما أريد لها. ولعله لو كانت قد أضيفت عبارة «القوى»، بحيث قلنا «قوى الوسط الديمقراطية»، كان سيكون الأمر أكثر وضوحا، لوضوح أن لفظة «الديمقراطية» إنما هي صفة لـ «القوى»، بحكم التأنيث، وليس لـ «الوسط». ولكن جرى تجنب لفظ «القوى»، لأنها قد توحي بمعنى الاقتصار على التنظيمات، دون الشخصيات الديمقراطية. واللبس الذي حصل بسبب الاشتراك اللفظي لكلمة «الوسط» جعل أكثر المؤتمرين يسجلون ملاحظتهم على عبارة «الوسط الديمقراطي»، مما حدا بالمؤتمر إلى استبدالها في نهايته بعبارة «التيار الديمقراطي».
«الدولة المدنية»: تعبير آخر لـ «الدولة العَلمانية»، حيث جرى تجنب لفظ «العَلمانية»، لما يحوم حولها من سوء فهم وشبهة، إذ المشهور خطأ هو أن «العَلمانية» تعني «اللادينية»، بمعنى معاداة الدين، وليس «غير الدينية» بمعنى اتخاذها الموقف المحايد تجاه الدين، كما تعنيه فعلا. إذن «الدولة المدنية» هنا في مقابل «الدولة الدينية». أما إضافة «الاتحادية»، بمعنى «الدولة الفيدرالية»، فهو حشو زائد حسب تقديري، كان يمكن الاستغناء عنه، لولا اهتمام الأكراد لأهمية ورودها، وهي في كل الأحوال لا تخلّ بالمعنى.
«تفعيل الوسط الديمقراطي من أجل بناء الدولة المدنية الاتحادية»: وعموم العبارة يشير إلى الهدف الأساس من انعقاد المؤتمر، وهو بحث سبل وآليات تفعيل وتقوية وتجميع القوى والشخصيات السياسية الديمقراطية المعتدلة، من أجل بناء الدولة المدنية (العَلمانية) الديمقراطية الفيدرالية، التي لا مكان فيها للطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية والحزبية، ولا للتطرف الديني أو الإيديولوجي، ولا لتسييس الدين ورموزه ومقدساته ومرجعياته، لأغراض الكسب السياسي الشخصي والحزبي والفئوي على حساب المصالح الوطنية العليا.
دوافع المؤتمر
بسبب تشخيص الأزمة الكارثية التي يمر بها العراق، من عنف وإرهاب وتطرف ديني ومحاصصة وطائفية سياسية، وبسبب واقع التخندق الثلاثي (الشيعي - السني - الكردي)، ولغياب الخندق الرابع (الوطني العراقي الديمقراطي المدني المعتدل غير الطائفي)؛ يفكر معظم الديمقراطيين في العراق، بقطع النظر عن خلفيتهم الإيديولوجية، يساريين ديمقراطيين كانوا، أم ليبراليين، أم قوميين ديمقراطيين، أم إسلاميين ديمقراطيين، بضرورة دراسة سبل جمع وتحشيد وتوحيد القوى الوطنية الديمقراطية المعتدلة في إطار تنظيمي، يؤهلهم في المراحل المقبلة الدخول كطرف رابع في المعادلة السياسية، ليس من أجل إلغاء أحد، بل من أجل تغيير المعادلة السياسية - ولو تدريجيا - لصالح التيار الديمقراطي الوطني. وفي كل الأحوال لم يُرَدْ للمؤتمر أن يكون تظاهرة سياسية أو إعلامية، أو أن تنتهي مهمته بانتهائه، بل هو مؤتمر عمل لصياغة مشروع وطني، أو لتهيئة الأرضية والمقدمات لذلك المشروع.
ورقتا المؤتمر
اعتمد المؤتمر ورقتين أساسيتين، الأولى تبحث في الأزمة السياسية الراهنة؛ في ملامح الأزمة، وفي سبل الخروج منها، والثانية تبحث في الهدف المركزي للمؤتمر، أي في سبل تفعيل قوى التيار الديمقراطي الوسطي. وكان هناك رأي له رجاحته، هو الاقتصار على الورقة الثانية دون الأولى، وكنت ممن يذهب إلى هذا الرأي، ذلك أن المؤتمر وحتى ما يمكن أن ينبثق عنه غير قادر على عمل شيء في اتجاه الخروج بالعراق من أزمته، مع ما لهذا الموضوع من أهمية قصوى، ذلك إن أقصى ما يمكن أن يقدم بهذا الاتجاه هو إصدار دراسات وبحوث، ومع أهمية الدراسات والبحوث، بينما الموضوع الثاني، الذي يمثل القضية المركزية للمؤتمر، يمثل البعد العملي الذي يمكن أن يضطلع به المؤتمر وما ينبثق عنه. ثم كانت هناك خشية إثارة قضايا خلافية يمكن أن تستهلك وقت المؤتمر، وذلك على حساب الموضوع المركزي الذي انعقد من أجله. لكن لوجود أطراف أصرّت على تناول كلا المحورين، جرى الإبقاء على الورقة الأولى، سيما أنها كان متفقا عليها ابتداءً عبر الأشواط التحضيرية. ولم يحصل ما كان يخشى منه، وهو الاستغراق في القضايا الخلافية، التي لم تأخذ إلا حيزا محدودا من النقاشات، ولم تؤثر على المحصلة النهائية للمؤتمر.
اللقاءات التحضيرية ما قبل انعقاد المؤتمر
جرت لقاءات محدودة، لكنها نوعية في أربيل، ثم لقاءات واسعة ومكثفة في بغداد. شملت اللقاءات والزيارات عددا كبيرا من شخصيات سياسية معروفة وشخصيات ثقافية وأكاديمية وأحزاب سياسية وملتقيات للقوى الديمقراطية. وكان هناك شبه إجماع على الإيمان بأهمية المؤتمر ودعمه.
ما معنى اعتبار المؤتمر تحضيريا والتالي له تأسيسيا
منذ وصول اللجنة التحضيرية للمؤتمر إلى أربيل فبغداد، وعبر لقاءاتها السياسية المكثفة في بغداد، بدأت مجموعة أفكار تتأكد يوما بعد يوم، ولقاءً بعد لقاء. ألخص هذه الأفكار بما يأتي:
أهمية المؤتمر وضرورة المشروع الذي يتطلع المؤتمر إلى تحقيقه، وهو تفعيل دور القوى والشخصيات الديمقراطية الوطنية المعتدلة غير الطائفية وغير المسيسة للدين، لتكون عاملا لتغيير المعادلة السياسية وصولا إلى هدف بناء الدولة المدنية الديمقراطية.
وجوب عدم انتهاء المؤتمر بانتهاء جلسته الأخيرة، بل إدامته أو إدامة المشروع الذي انعقد من أجله.
اعتبار هذا المؤتمر لهذا السبب مؤتمرا تحضيريا، تنبثق عنه لجنة تحضيرية تحضّر لمؤتمر ثان، يكون بمثابة المؤتمر التأسيسي لمشروع وطني يعمل على إيجاد إطار وهيكلية لجمع وتحشيد كل القوى والشخصيات الديمقراطية المعتدلة، من أجل أن تكوّن ثقلا مؤثرا في العملية السياسية.
لا يريد المشروع إلغاء أحد، بل يريد للقوى الديمقراطية أن تشكل عامل تنافس ديمقراطي نزيه من أجل المشاركة في بناء مستقبل العراق، والإسهام في تخليص العراق من أهم أسباب أزمته، كالطائفية السياسية، والتطرف الديني، والمحاصصة الطائفية والحزبية وغيرها، والمحسوبية على حساب تحكيم معايير الكفاءة والنزاهة، والفساد الإداري والمالي، والعنف، وقمع الحريات بواسطة الأحزاب السياسية المتطرفة.
وبالتالي فالمؤتمر ليس ضد، بل مع العملية السياسية، مع إيمانه بوجوب إجراء عملية إصلاح تكاد تكون شاملة لهذه العملية، ذلك على الصعيد الدستوري والقانوني والسياسي والثقافي.
الجهة المنظمة للمؤتمر
لجنة دعم الديمقراطية في لندن هي صاحبة المبادرة، وكانت مهمتها تحريك الجو، دون أن تتطلع أو يتطلع أعضاؤها إلى أن يكون لهم أي دور في الواقع السياسي العراقي، بل كانوا حريصين من البداية أن تجري مواصلة المشروع من قبل السياسيين، تنظيمات وشخصيات، من داخل العراق. وجرى التحضير للمؤتمر بدعم من الحزبين الكرديين، وذلك بضابطين؛ الأول عدم فرض وصاية على المؤتمر أو توظيفه سياسيا للحزبين، أو للقضايا الكردية خاصة، والثاني اعتبار القوى السياسية الكردية جزءً من المشروع، وليس مجرد طرف داعم له. مع ملاحظة مراعاة أن للحزبين تحالفهما الحكومي الحالي مع الائتلاف، وهو تحالف قديم يرجع إلى سنوات ما قبل سقوط الديكتاتورية، قام على أسس مشتركة، ولو أنه يمثل تحالف مصالح مشتركة مرحلية، بينما القوى الديمقراطية الوطنية تمثل الحليف السياسي الاستراتيجي القديم والمستقبلي للكرد، دون أن يعني ذلك تبرئة القوى السياسية الكردية تماما من بعض المفارقات في الأداء الديمقراطي، كالمناصفة الحزبية، والفساد، وبعض الثغرات في الأداء السياسي حسب المعايير الديمقراطية، كضعف ومحدودية - ولا أقول غياب - حرية النقد، والمحسوبية. ومع هذا يمكن القول أن القوى السياسية الكردية لا تمثل خطرا جديا يهدد المشروع الديمقراطي، ثم هي غير مبتلاة بالطائفية السياسية، والتطرف الديني، والعنف المسلح، والإغماض عن التدخل الإقليمي، بل تحول البعض إلى أدوات لهذا التدخل، هذه التي تمثل أهم بؤر الخطر التي تحف بالمشروع.
الموقف من القوى المهيمنة على العملية السياسية
مع إن معظم القوى القائمة على العملية السياسية هي التي تتحمل بدرجة أساس مسؤولية ما وصل إليه العراق، فالمؤتمرون ابتعدوا عن المنهج العدائي لهذه القوى، أو الشطب الكلي عليها، وكذلك عن نـَفـَس الرغبة بتشييد مجد سياسي على أنقاض الغير. بل هناك وضوح لدى المؤتمرين، أن داخل هذه القوى، وحتى داخل طرفيها الرئيسين الممثلين للخندقين المذهبيين (الائتلاف والتوافق)، أن هناك الكثيرين من المعتدلين، ولو اعتدالا نسبيا، ومن المؤمنين بدرجة أو بأخرى بالمشروع الديمقراطي الوطني المدني. ولذا نطمح إلى توسيع مساحة الخندق الرابع (الوطني الديمقراطي الوسطي غير الطائفي)، وتفكيك الاصطفاف الطائفي بالفرز ما بين المتطرف والمعتدل ولو نسبيا.
ثغرات في المؤتمر
المؤتمر والمحضّرون له لا يدّعون له الكمال، بل يُقرّون بوجود ثغرات لم تكن هناك فرصة كافية لسدها، حيث كانت هناك مكونات غائبة، أو غير ممثلة تمثيلا كافيا، كما غابت قوى وشخصيات، ربما كان ينبغي أن تدعى، باعتبارها ليست بعيدة عن التوجه المعتدل ولعله الديمقراطي واللاطائفي، فالمؤتمر لا يدعي أنه نجح بجمع جميع الديمقراطيين، بل مساحة واسعة جدا منهم. وتشخيص هذا النقص وتلك الثغرات كان أحد أسباب عدم إمكان اعتبار هذا المؤتمر تأسيسيا، بل اعتباره تحضيريا، على أمل أن تلتفت اللجنة التحضيرية للمؤتمر التأسيسي، ولاحقا نفس المؤتمر، إلى تلك الثغرات والنواقص.
الخطوة التالية
تشكلت لجنة تحضيرية موسعة نسبيا متكونة من حزبيين ومستقلين من مختلف الأطياف والخلفيات الفكرية الديمقراطية، اليسارية والليبرالية والإسلامية، ليس فيهم من هو مقيم خارج العراق، ليواصلوا التحضير للمؤتمر التأسيسي الطموح خلال الأشهر القادمة في بغداد أو في محافظة من محافظات الجزء العربي من العراق. وتعهدت اللجنة التحضيرية السابقة التي حضّرت لمؤتمر أربيل بأن تجعل كل تجربتها وإمكاناتها في خدمة اللجنة التحضيرية المنبثقة عن المؤتمر، من أجل أن تحقق أكبر قسط ممكن من النجاح في مهمتها.
الغائبون والمعالجة
حسب تشخيصي كان أهم الغائبين، لسبب أو لآخر بعض الأحزاب الإسلامية المعتدلة كالاتحاد الإسلامي الكردستاني وحركة الدعوة الإسلامية، مع حضور فاعل لإسلاميين ديمقراطيين من التيار الإسلامي الديمقراطي وتجمع الديمقراطيين الإسلاميين. كما كان تمثيل بعض المكونات كالتركمان ضعيفا. كل هذا يجب تلافيه في المؤتمر القادم، آملين أن تلتفت اللجنة التحضيرية لكل ذلك، وكما نرجو من اللجنة الموقرة تنظيم إيميل خاص باللجنة والإعلان عنه للتواصل معها.
17/04/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::