ما يهدد المشروع الوطني حسب مقالة في 2003
كتبت عام 2003 مباشرة بعد سقوط النظام مقالة بعنوان «أهم المخاطر التي تحف بمشروع التحول الديمقراطي في العراق»، وجدت إعادة نشرها اليوم، لأني وجدت أن المخاطر التي ذكرت فيها، ما زالت هي نفسها التي تهدد المشروع الوطني الديمقراطي في العراق، والتي لخصتها آنذاك بـ 1) التطرف والعنف، و2) تدخل رجال الدين غير المؤهلين في السياسة وتسييس الدين، و3) نشاط المخابرات الإقليمية لاسيما الإيرانية، وقد جاء التصريحان الأخيران للرئيس الإيراني محمود أحمدي نژاد مُؤَكـِّدَين ومُتـَوِّجَين التدخل الإيراني السافر والوقح، والذي كان الأول يستبطن إصدار حكم الإعدام بحق وزراء التوافق المنسحبين من الحكومة، وذلك بنعتهم أنهم «مفسدون»، ولعله لم يلتفت أحد إلى المغزى الحقيقي لهذا النعت، حيث إنه من أدبيات ما يسمى بـ «الثورة الإسلامية» الإيرانية، وهو المصطلح القرآني «المفسدون في الأرض»، الذي استخدمته ثورة العمائم، والذي يُحكـَم المدان به في إيران بالإعدام عادة، وهذا يمثل غاية الوقاحة، وأفضع درجات المخالفات لأعراف العلاقات الدولية، في أن يدعو رئيس دولة – ولو ضمنيا – إلى إصدار حكم الإعدام على طرف سياسي لدولة أخرى. ثم جاء تصريحه الثاني ليقدم عرضا لاحتلال العراق من قبل إيران مخابراتيا وعسكريا، وذلك عبر ما أسماه بـ «ملء الفراغ الأمني». كما ذكرت في المقالة مخاطر أخرى، وأدناه نص مقالتي المشار إليها المحررة والمنشورة عام 2003 ما بعد السقوط:
الديمقراطية تمثل حلم العراقيين بعد سقوط أعتى الديكتاتوريات في التاريخ العراقي الحديث، والتي هي على أقل تقدير واحدة من أعتى الديكتاتوريات في تاريخ الإنسانية عموما. فإن شعبا عانى خمسا وثلاثين سنة من ديكتاتورية متميـّـزة، وقدم كمـّا متميـّـزا من التضحيات في سبيل الخلاص منها، ليستحق أن يستمتع بديمقراطية متميـّـزة. فليس من الإنصاف أن يكون شعب عانى من جوع الحرية كل هذه المعاناة أن يكتفي بنصف طبق من وجبة حرية محدودة، وديمقراطية شكلية. والأخطر من ذلك أن يصار - لا سمح الله - إلى العودة إلى ديكتاتورية جديدة، فيـُحرَم الشعب من جديد تذوق عذوبة الحرية واستنشاق نسيمها.
لكن استكمال الأشواط نحو تمام الحرية والديمقراطية محفوف بمخاطر، ومن أجل اجتناب هذه المخاطر لا بد من توفير شروط هذا الاجتناب، وهي كالتالي:
1. تشخيص المخاطر.
2. دراسة سبل التوقي منها.
3. مباشرة التوقي.
وهنا أقدم محاولة متواضعة غاية التواضع في تسليط الضوء على الشرط الأول، أي تشخيص المخاطر والتعرف عليها، ثم أتبعها بإشارة عاجلة للشرط الثاني. فألخص المخاطر بالآتي:
1. التطرف والعنف.
2. نشاط المخابرات الإقليمية.
3. تدخل رجال الدين غير المؤهلين في السياسة.
4. إعادة أمريكا النظر بسبب انبعاث بعض المخاوف.
5. الجهل.
6. ضعف الجانب الأخلاقي والتقوائي.
وسأحاول تناول كل من هذه المخاطر بشرح موجز.
لا يختلف اثنان أن التطرف يُولـِّد عنفا، وأن العنف يولـِّد عنفا مضادا، وإن ذلك يمكن أن يُدخِل المجتمع في دوامة عنف تربك خطة التحول الديمقراطي كلها. ولذلك يجب اجتناب التطرف ابتداءً بتوخي الخطاب الهادئ المعتدل. فالكلمة العنيفة هي مادة أولية أو طاقة هائلة من شأنها أن تتفجر، فتتحول إلى فعل عنيف. ولذا فإني أرى أن كل من يؤسس للتطرف، ويمارس العنف أو يُروّج له يتحمل مسؤولية عظيمة، تجعله يقف عاجلا أو آجلا أمام مساءلة ومحاسبة دقيقة وصعبة بين يدي الشعب، وبين يدي التاريخ، وبين يدي الله رب الشعوب ورب مسيرة التاريخ سبحانه وتعالى.
هناك دول إقليمية محيطة بالعراق، لكل منها أطماعها في العراق، وكل منها تريد أن يكون لها موطئ قدم في الساحة السياسية والاجتماعية والدينية في العراق. ونحن نعلم أن هذه الدول، لاسيما تلك التي عاش فيها العراقيون بأعداد غفيرة لعقدين من الزمن، قد جندت أعدادا لا يُستهان بها منهم لمخابراتها. وعندما سيعود العراقيون إلى الوطن، سيعود معهم جنود المخابرات الإقليمية هؤلاء، إن لم يكن قد دخل أكثرهم. وبالتالي ستعمل هذه المخابرات بشتى الوسائل لإرباك المشروع الوطني العراقي، عندما لا ترى أن مساره يجري في مجرى خدمة مصالحهم القومية.
ربما يستغرب البعض مني إثارتي لهذا الموضوع الحساس، والذي قد يفسره البعض نوعا من التناغم مع بعض العلمانيين المتحسسين من وجود الإسلاميين عموما، ورجال الدين خصوصا في الساحة السياسية. ثم قد يتساءل البعض لماذا رجال الدين بالذات. ولذا وجب التوضيح. بلا شك أن الكثيرين ممن سيتدخلون في الشأن السياسي وممن قد يتبوؤون مواقع متقدمة أو مؤثرة إلى حد ما في الساحة السياسية، هم ممن لا يتوفرون على المؤهلات المطلوبة، أو ممن لا ينطلقون من نوايا سليمة، أو ممن لا يقفون على قاعدة متينة من الثقافة والوعي السياسيين. فلماذا إثارة المخاوف بالذات من تدخل رجال الدين غير المؤهلين في الشأن السياسي؟ الجواب هو إن ما يملكه رجل الدين من تأثير على الشارع لا يملكه غيره وذلك للأسباب التالية:
1. يملك التيار الإسلامي امتدادا جماهيريا قد لا يملكه تيار سياسي آخر.
2. الخطاب الديني يمتلك من طاقة حرارية في إثارة العواطف ما لا يملكه خطاب آخر.
3. الخطاب السياسي الديني يقترن بنصوص مقدسة من الكتاب والسنة يضفي عليه مسحة من القداسة والعصمة في إصابة الصواب.
4. يمتلك رجل الدين منبرا شعبيا لا يتوفر لغيره من خلال اعتلائه منبر الخطابة المتمثل بشكل خاص بمنبر صلاة الجمعة ومنبر العزاء الحسيني ومنبر المحاضرات الوعظية.
هذا كله يوفر للخطاب السياسي الديني قابلية ضخمة في التأثير في النفوس وفي تعبئة الجماهير. وهذا التأثير يمكن أن يوظف إيجابيا في نشر الثقافة والتربية الصالحتين، ولاسيما باتجاه نشر مفاهيم المحبة بين الناس والتسامح بين الفرقاء المختلفة وتكريس مفهوم الإخاء الوطني وتحمل الرأي الآخر، كما ويمكن أن يوظف باتجاه الضخ المكثف للعواطف الملتهبة المشحونة بالعصبيات والمنطلقة من مفهوم احتكار الحق والصواب، وبروحية الإقصاء للآخر، مما يمكن أن يؤدي إلى الاحتراب الوطني، أو الدخول في صراع غير متكافئ، أو غير حكيم، أو غير مبرَّر، أو غير نافع، أو غير مطلوب، مع قوى التحالف، مما يمكن أن يُفجـِّر الوضع ويُفـِّوت على الوطن فرصة أن يقطف ثمار مكسب سقوط الطاغية. وقد ينطلق الكثيرون من هؤلاء المعممين من موقع الإخلاص، ولكن من غير أن يمتلكوا المؤهلات في تشخيص الصواب من الخطاب والموقف السياسيين، فيسيئون من حيث يظنون أنهم يحسنون. ومنهم من قد تدفعه دوافع حب السلطة الذي هو أخبث مرض أخلاقي أصيب به الإنسان، فعانت منه الإنسانية ظلما واستبدادا طوال مسيرتها. ولذا لا بد من أن يُصار إلى تثقيف جماهيري بأن العمامة وحدها لا تمنح القداسة، والخطاب الديني لا يعني صواب الطرح، فإن النصوص إذا كانت معصومة، فهذا لا يعني أن فهم الناس لها، وتطبيقهم لها في الواقع، وتوظيفهم لها، هو فهم وتطبيق وتوظيف معصوم بالضرورة. ثم لا بد من أن يصار إلى تدريس العلوم السياسية والإعلامية العصرية في الحوزة، إذا كان لا بد لطالب الحوزة أن يباشر الفعل والخطاب السياسيين. فالذي يجعل الإنسان - سواء كان متدينا أو غير متدين، عالم دين أو مثقفا بالمعنى العام - أهلا لمزاولة الفعل السياسي، ليس فقط الدوافع المخلصة - مع فرض توفرها - بل لا بد من توفر الشروط التالية:
1. أن يكون ذا هم سياسي، وهذا وحده لا يكفي.
2. أن يكون ذا ثقافة سياسية، وهذا وحده لا يكفي.
3. أن يكون ذا حس سياسي مرهف ووعي سياسي عميق، والوعي غير الثقافة.
4. أن يكون ذا مراس ومران وخبرة سياسية.
وإلا فهو مواطن عادي - مع كل الاعتزاز بكل مواطن - له الحق أن يدلو بدلوه في فهمه للحدث السياسي ويحدد موقفه منه، ولكن دون أن يجعل من فهمه وموقفه مسطرة تقاس بها المفاهيم والمواقف السياسية، ومعيارا يوزن به الحق والباطل.
الكثيرون ما زالوا غير مطمئنين مما تريده أمريكا فعلا للعراق. وقد يكون عدم الاطمئنان هذا يملك مبرراته الكثيرة. ولكن مع فرض أن أمريكا تريد فعلا ألا تبقى طويلا في العراق، وتريد أن تساعد القوى الوطنية في تأسيس الديمقراطية في العراق، وأنها لن تتدخل في إقصاء طرف أو تقديم طرف سياسي، بل ستترك العراقيين وحدهم يقررون مصيرهم السياسي من خلال صناديق الانتخابات وسائر آليات الديمقراطية الدستورية البرلمانية التعددية. ولكن لو افترضنا أن أمريكا شخصت من جديد - كما كانت قد شخصت عام 1991 - بأن ترك الأمور للشعب العراقي يشكل خطرا يعتد به على مصالحها الاستراتيجية، فتجري تحولا في الأهداف التي رسمتها لنفسها، وتعيد النظر في كل ذلك، وتبدأ بالتفكير جديا بكيفية إقصاء بعض الأطراف من الساحة السياسية، وقد يكون الإسلاميون هم المعنيين بالإقصاء، شيعة وسنة، معتدلين ومتطرفين، على حد سواء، أو قد يكون الشيعة هم المعنيين بالإقصاء، إسلاميين وعلمانيين، ديمقراطيين وإقصائيين، على حد سواء. ولكن يا ترى ما الذي يمكن أن يعطي للأمريكان مبررات تغيير خطتهم. هنا يمكن أن نلخص ذلك بالنقاط التالية:
1. التطرف الديني.
2. الاحتراب الديني الداخلي بين القوى الإسلامية السياسية أو الاحتراب الشيعي الداخلي.
3. استخدام العنف من قبل بعض المحسوبين على التيار الإسلامي أو على الشيعة.
4. إظهار العداء المفرط ضد أمريكا والتحريض عليها بخطابات عدائية نارية.
5. انبعاث الهواجس من تأثير النشاط المخابراتي والتعبوي الإيراني على الساحة العراقية.
ولكن من جانب آخر لا بدد من الإشارة إلى وجوب اجتناب الأمريكان لما يمكن أن يوسع حالة التذمر لدى جماهير الشعب العراقي، مما يمكن أن يؤزم العلاقة بين الجماهير وقوات التحالف، وبالتالي يعطي الفرصة لتمرير طموح بعض الأطراف بإيجاد حالة مقاومة أو مواجهة. ومما يساهم في توسيع وزيادة التذمر:
1. تأخير تشكيل الحكومة الانتقالية أو الموقتة.
2. عدم حل المشاكل الخدمية الأساسية كالكهرباء والماء.
3. استمرار انعدام الأمن لاسيما في العاصمة بغداد.
4. صدور بعض الممارسات الاستفزازية لاسيما فيما يمس المناطق الحساسة من مشاعر الناس والاقتراب من الخطوط الحمراء للقضايا الدينية والعرفية من قبل بعض عناصر قوات التحالف.
إذن كلما أسرع الأمريكان في تشكيل ولو ما يشبه الحكومة، وكلما اهتموا بتوفير الخدمات الأساسية، وكلما وفروا قسطا أكبر من الأمن والاستقرار، وكلما تجنبوا الممارسات الاستفزازية، كلما كانت العلاقة بينهم وبين جماهير الشعب العراقية أكثر إيجابية، مما يجنب الطرفين تصعيد الصراع والمواجهة، مما يشكل خطرا على كلا المشروعين؛ المشروع الوطني العراقي، والمشروع الأمريكي الذي أتوا به.
وما أدراك ما الجهل. وهنا أذكر نصين من نصوص السنة المطهرة، أحدهما عن الرسول الأعظم (ص) والثاني عن أمير المؤمنين علي (ع). الأول يقول «إن أخشى ما أخشاه على أمتي من الحمقى» والثاني «نازعني العالم فغلبتـُه، ونازعني الجاهل فغلبني». ولذا لا بد من شن حملة مكثفة وواسعة جدا، وبجهد فوق العادة، لإزالة الجهل وأسبابه، لأن الجهل يمثل بؤرة خطر كبيرة جدا على المشروع الوطني العراقي في تأسيس الديمقراطية والسلام والاستقلال الوطني. ففي الجهل ينمو التطرف، وفي التطرف ينشأ العنف، وفي العنف يكون الخراب.
من هنا يمكن تلخيص شروط ضمان إنجاح المشروع الديمقراطي في العراق بالنقاط التالية:
1. تأكيد الإرادة الوطنية والإصرار كل الإصرار على تحقيق المشروع الديمقراطي، مهما اعترته من صعاب وعقبات ومؤامرات داخلية أو خارجية، إقليمية أو دولية.
2. الحذر كل الحذر من نشاطات المخابرات الإقليمية (لاسيما الإيرانية والسورية ولعله السعودية)، دون إغفال دور المخابرات الدولية (الأمريكية).
3. اجتناب وتطويق كل ممارسات العنف، واعتبار العنف من كبائر المحرمات الوطنية والدينية في كل مرحلة، ولكن في هذه المرحلة بالذات.
4. التمييز بين رجل الدين السياسي - بكفاءة -، ورجل الدين المتسيس بغير كفاءة، والتمييز بين قداسة النص وعدم قداسة توظيفه في كل الأحوال، وبين عصمته لإلهية مصدره وعدم عصمة فهمه لبشرية فهمه.
5. تكثيف النشاط الثقافي باتجاه ما تحتاجه المرحلة الوطنية الراهنة.
6. تكثيف التربية الأخلاقية والدينية، بإبراز الوجه المشرق للإسلام في أبعاده الإنسانية الرائعة من تسامح ورحمة وحب وخير وعفو وسلام، وصدق وإخلاص ووفاء. لأن التربية (التزكية) هي توأم الثقافة (تعليم الكتاب) والوعي (تعليم الحكمة) الضرورية جدا لإنجاح مشروعنا الوطني العراقي الديمقراطي.
انتهى نص تلك المقالة، وما زالت المخاطر التي أشير إليها قبل أربع سنوات هي نفسها التي تحف بمشروعنا العراقي الوطني الديمقراطي. وما زالت هناك فرصة لتطويق الخطر والخروج بالعراق من الأزمة الكارثية. فهل سنفعل؟
04/09/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::