ماذا لو دولة القانون والوطني العراقي اندمجا

ضياء الشكرجي

dia.alshakarchi@yahoo.de

www.nasmaa.com

عندما أعلن الاثنين 24/08/2009 عن الائتلاف الوطني العراقي (الائتلاف العراقي الموحد سابقا)، أي الائتلاف الإسلامي الشيعي، وضم كلا من المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة عمار الحكيم، وتيار الإصلاح الوطني بزعامة إبراهيم الجعفري، والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، ومنظمة بدر بزعامة هادي العامري، والمؤتمر الوطني العراقي بزعامة أحمد الجلبي، وكتلة التضامن بزعامة قاسم داوود، وتجمع عراق المستقبل بزعامة إبراهيم بحر العلوم، وأحد شقي حزب الدعوة تنظيم العراق بزعامة عبد الكريم العنزي، وشخصيات أخرى، مثل رئيس مجلس إنقاذ الأنبار الشيخ حميد الهايس، كان واضحا للجميع أن الائتلاف المعلن بقي ائتلافا شيعيا مطعما بأفراد من السنة، وإسلاميا مطعما بأفراد من غير الإسلاميين.

لا يخفى على أحد أن أكثر الحريصين على الإبقاء على الائتلاف العراقي الموحد الشيعي الإسلامي، ولكن باسم جديد، دون تغيير يذكر في المضمون، هو المجلس الأعلى، وكذلك النظام الإيراني، الذي كان دائما، وبقي مهتما أشد الاهتمام أن يحافظ على هذا الائتلاف، حيث يذكر أنه مارس دعمه للمجلس في دفعه بهذا الاتجاه، كما مارس الإقناع أو الضغط مع التيار الصدري، لينضم إليه، وقيل أن زيارة متكي وزير خارجية أحمدي نژاد الأخيرة كانت لهذا الغرض، وإن كان الشيء المعلن، هو حضوره للمشاركة في التشييع وتقديم التعازي. أما المرجعية، فالأخبار متضاربة، ما بين مباركتها لهذا الائتلاف بشكل غير معلن، وبين رفضها لدعمه ومباركته.

والمهم في كل ذلك هو إن من بقي خارج هذا الائتلاف، هو ائتلاف دولة القانون، وعلى رأسه حزب الدعوة الإسلامية بزعامة رئيس الوزراء المالكي. وكثيرون هم الذين قالوا: حسنا فعل المالكي، إذ لم يستجب للدعوات المكثفة والمتواصلة والضغوط فوق الاعتيادية للانضمام إلى هذا الائتلاف، انسجاما منه مع ما أظهر من توجه جديد نحو مشروع وطني أكثر منه شيعيا، ومدني أكثر منه إسلاميا. فالرجل أبدى بشكل خاص في عامي 2008 و2009 رغبة جادة في أن ينحو منحى علمانيا، أو لنقل منحى وطنيا مدنيا.

وغدا الكثير من الشخصيات والقوى الديمقراطية العلمانية والليبرالية تفكر بجدية في أن يكون أحد خياراتها هو الدخول مع المالكي في تحالف انتخابي وطني ديمقراطي مدني، إذا ما تأكدت من إمكان الاتفاق معه على برنامج يلبي الحد الأدنى من توجهاتها وتطلعاتها، بحيث لا يتعارض هذا البرنامج مع ثوابتها الأساسية، مع ثمة مرونة بحسب ما تتطلبه التحالفات عادة.

وقد شهدنا قبل وبعد الإعلان عن الائتلاف الوطني العراقي، وبوضوح، الكثير مما يدل على وجود ضغوطات على حزب الدعوة وعلى شخص المالكي للبقاء في الخندق الشيعي الإسلامي، كما لحظنا وجود تيارين داخل حزب الدعوة، تيار مع توجه المالكي في عدم الانضمام إلى الائتلاف الشيعي الإسلامي مرة ثانية، بل العمل على تشكيل ائتلاف وطني، ليس بالاسم، بل بالعناصر المشكلة للائتلاف، وبمضامينه الفكرية والبرامجية، وتيار آخر يرجح بقاء الحزب وفيا لخلفيتيه الإسلامية والشيعية. ولا نغفل هنا عن حقيقة أن ليس كل حزب الدعوة متطابقا في رؤاه السياسية مع رؤى أمينه العام المالكي، ففي حزب الدعوة الكثير من الشخصيات المحافظة إسلاميا وشيعيا، ولو إن الحزب هو الأقل تشددا إسلاميا، والأقل تشددا شيعيا، من أكثر بقية الأحزاب الإسلامية الشيعية.

والغريب أن المالكي رغم منحاه المعتدل والوطني والمدني الأخير، لم يتخلص من حزب الدعوة تنظيم العراق، الذي يفترض أن يكون في شدة تشدده الإسلامي الأقرب إلى توجهات الائتلاف الوطني العراقي، والمجلس الأعلى، منه إلى المالكي، ولكن لعل لانشقاقه دورا في انقسامه باتجاهين، العنزي مع المجلس والائتلاف الشيعي، والصف الآخر المتمثل بخضير الخزاعي وعبد الفلاح السوداني وعبد الهادي الحساني مع المالكي تحالفا، وإن كانت قناعاته الإيديولوجية مع الائتلاف الآخر.

في الوقت الذي فكر الكثيرون من شخصيات وقوى التيار الديمقراطي، أن خروج المالكي من الخندق الإسلامي الشيعي، يمكن ان يستثمر لصالح التيار الوطني الديمقراطي، فإن رجوع حزب الدعوة ليصطف مع الصف الشيعي الإسلامي، إذا ما كانت الضغوطات بهذا الاتجاه من داخل الحزب، ومن حلفاء الأمس في الائتلاف العراقي الموحد 169/555، ومن إيران، ولعله من المرجعية، أقوى من أن يكون المالكي قادرا على مواجهتها، فإن ذلك من جهة أخرى سيكون ربما أفضل للتيار الوطني الديمقراطي المدني أو قل العلماني. صحيح إن التفاهم مع المالكي على تحالف انتخابي ضمن برنامج وطني مدني قد يكون ذا فائدة كبيرة للتيار الديمقراطي، وسيمثل فرصة للتحول بالعملية السياسية إلى المسار الصحيح، إلا أن الفرز الواضح بين الإسلاميين من جهة، والمدنيين والعلمانيين والليبراليين من جهة أخرى، ربما يكون أكثر فائدة على مدى المستقبل، لا على مدى الربح السياسي الآني. لأنه ربما يكون من الأفضل لهذا التيار ألا يشارك في السلطة، بل أن يشكل كتلة برلمانية ذات وجهة وطنية ديمقراطية، تكون نواة لتشكيل الحركة الديمقراطية العريضة، التي ستنمو مستقبلا بكل تأكيد، حتى لو بقيت لا تمثل إلا الأقلية. فتمثيلنا لتيار الأقلية في هذه المرحلة، مع الحفاظ على ملامحنا وثوابتنا الديمقراطية والوطنية والمدنية، وعلى لوننا السياسي، أفضل ربما من دخولنا فيما تختلط فيه الألوان، وتبهت الملامح، وتتداخل المساحات.

وبقطع النظر عن القرار النهائي للمالكي وحزب الدعوة وائتلاف دولة القانون، لا بد من تسريع القوى والشخصيات الممثلة للتيار الديمقراطي الوطني لحركتها وحواراتها، من أجل حسم توحيد صفها، ثم تبقي الخيارات مفتوحة أمامها، في الدخول مع المالكي، أو أي طرف نجد فيه أنفسنا مشتركين معه على أكثر وأهم القواسم المشتركة، أو تشكيلنا للخيار الثالث أو الرابع، بحسب القوائم والتحالفات الرئيسة التي ستتشكل.

ومع هذا نوجه كلامنا لرئيس الوزراء، أنك إذا كنت حقا تريد أن تتبنى مشروعا وطنيا مدنيا ديمقراطيا معتدلا، غير مسيس للدين، وغير متخندق طائفيا أو عرقيا، فستجد القوى الوطنية متعاونة معك، ولكن لا على أساس الانضمام، بسبب ما تمكله من إمكانات بحكم كونك على قمة هرم السلطة اليوم، وإنما على أساس الحوار والتفاهم المتكافئ، فيما هي القواسم الوطنية المشتركة بينك وبين هذا التيار، الذي سيكون المستقبل له، إلم يكن عاجلا، فآجلا، واصطفافك إلى تيار المستقبل، يعني أنك أحسنت ترتيب حساباتك، واخترت ما هو خير وأبقى، خير للعراق وأبقى على مدى المستقبل، وربما خير وأبقى لك سياسيا.

كما أوجه ندائي إلى كل القوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية، لنكن أكثر جدية في استثمار الفرصة، ولنلتق على مساحتنا المشتركة بملامحها الواضحة، وننتزع أنفسنا من خلفيتنا المذهبية الشيعية أو السنية، بل حتى من خلفيتنا العرقية، العربية أو الكردية أو التركمانية أو الآشورية، لنكون عراقيين فحسب، ديمقراطيين، علمانيين، نفصل بين الدين والسياسة، ونحترم الدين، وندعو إلى حظر تسييسه، وهذا يتطلب توحيد التيارات الوطنية الديمقراطية، فتتوحد وتندمج ابتداءً قوى التيار الليبرالي، كما سعى إلى تحقيقه الائتلاف الديمقراطي القائم على الأسس الأربعة؛ الوطنية والديمقراطية، والعلمانية، والليبرالية، وتتوحد قوى اليسار الديمقراطي، وتتوحد قوى التيار القومي الديمقراطية، وتتوحد ربما أيضا قوى التيار الإسلامي الديمقراطي المدني المعتدل، إن وجدت، لنكوّن بالنتيجة تحالفا عريضا، يقوم على أساس الهوية الوطنية العراقية والمواطنة، بعيدا عن التخندق الطائفي والعرقي، وأساس الديمقراطية الحقة، والأساس المدني، بعيدا عن تسييس الدين، وأساس الاعتدال والوسطية، بعيدا عن كل ألوان الراديكالية، وأساس النزاهة، بعيدا عن فساد قائم، أو فساد مبيت ممكن الوقوع، وأساس السلم المجتمعي، بعيدا عن كل ألوان العنف.

عندها نستطيع أن نضع الحجر الأساس الحقيقي لعراق ديمقراطي مرفه وآمن ومستقر، ونعيد بناء الوطن، وتضميد جراحاته، وشن حملة حقيقية ضد الفقر، والأمية والطائفية، ونكون أوفياء لشهدائنا، لاسيما شهداء الأربعاء الدامي الأبرياء البررة في 19/08/2009، ولكل شهدائنا، ولنلحق بركب التقدم والرفاه، على أسس العدالة الاجتماعية، والديمقراطية الرائدة، ومبادئ حقوق الإنسان.

03/09/2009

 

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::