المقبول والمفروض من الاختلاف حول الأتفاقية الامنية وتعدد مراكز القرار
طال الجدل وكثرت المزايدات بالشعارات الوطنية بين القوى السياسية حول الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن.
من الطبيعي جدا أن يكون للعراق رأي، وأن تكون له شروط، وأن تكون السيادة الوطنية فوق كل الاعتبارات.
من الطبيعي أيضا الإقرار بأن الشروط من جهة أخرى لا ينبغي لها أن تبتعد عن الواقعية، وأن الحرص على المصلحة الوطنية لا يجوز له أن يتجاوز الإطار السياسي إلى مستوى الشعارات الاستهلاكية، أو المثالية الوطنية غير الواقعية.
ومن الطبيعي أيضا الإقرار بأن لدى العراق حاجة إلى الاتفاقية، كما وله مصلحة فيها.
كما ومن الطبيعي أن تختلف الأطراف السياسية فيما يجوز وما لا يجوز، وفيما ينبغي وفيما لا ينبغي، من موقع تشخيص المسافة ما بين واقعية الحاجة ومثالية المصلحة الوطنية، والبحث عن سبل التوفيق بينهما.
ومن الطبيعي جدا عدم الاقتصار على مراعاة المصلحة الوطنية للعراق، وإنما ينبغي أيضا مراعاة مصالح دول المحيط الإقليمي للعراق.
لكن من الطبيعي والواجب ألا تتخذ الأولى أي مراعاة مصلحة العراق الوطنية إلا موقع الأولوية.
كل ذلك طبيعي ومقبول ولعله إلى حد ما مطلوب.
لكن من غير الطبيعي ومن غير المقبول هو أن يكون الاختلاف ليس عراقيا-عراقيا، أو حتى عراقيا-أمريكيا، بل أن يكون عراقيا-إيرانيا، بحيث تلعب الإرادة الإيرانية دورا أساسيا في الرفض، وتكون الإرادة الإيرانية حاضرة بقوة تحت قبة البرلمان العراقي ومؤثرة بشكل ملحوظ على قراراته.
ومن غير الطبيعي وغير المعقول أن تنقلب الأولويات، فتتقدم أجندة دول الجوار، وعلى وجه التحديد الأجندة الإيرانية على أجندتنا الوطنية العراقية داخل البرلمان وداخل الأروقة السياسية.
التحالف الكردستاني مع الاتفاقية.
جبهة التوافق مع العراقية.
القائمة الوطنية العراقية مع الاتفاقية.
جبهة الحوار الوطني مع الاتفاقية.
أحد أهم الأطراف المتبقية من فضلة الائتلاف بعد تفككه، ألا هو حزب الدعوة (جناح رئيس الوزراء) مع الاتفافية.
إذن وحده المجلس الأعلى، الذي يعتبره الكثيرون الممثل الرئيسي للمصالح الإيرانية، أو لنقل ذراع إيران في العراق، وحده المجلس من عموم القوى السياسية العراقية هو المعارض للاتفاقية، لأن لخامنئي وأحمدي نژاد وقاسم سليماني رأي في الاتفاقية لا بد أن تتخذ مراعاته موقع الأولوية عند القوى السياسية العراقية الوكيلة عن إيران.
لا أريد الدفاع عن الاتفاقية، ولا مناقشة بنودها، فقد فصل الكثيرون غيري في ذلك، وإذا ثبت أن ضررها أكثر من نفعها، فالواجب الوطني يحتم رفضها وبقوة، لكن الذي أردت قوله إننا نشهد مرة أخرى كيف تمارس إيران تدخلا مضرا وتخريبيا في الشأن العراقي.
فإلى متى سيبقى الوضع السياسي العراقي على هذا الحال؟
على المواطن العراقي اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يشخص جيدا مَن مِن السياسيين ذو أجندة وطنية عراقية، ومَن مِنهم ذو أجندة إيرانية، مِن فريق ينظم تظاهرات لصالح تلك الأجندة، أو فريق ثان يقوم بعرقلة داخل البرلمان العراقي وداخل الأروقة السياسية العراقية.
ولكن دعونا نتساءل، هل من المعقول أن يكون بمقدور قوة سياسية واحدة ومعها بعض الأفراد ممن يحملون في جعبتهم أجندة إيرانية، أن يعرقلوا أمرا تكاد كل القوى السياسية الأخرى قد أجمعت عليه؟
ما هو سر هذا التأثير المستمر رغم إن هذا الطرف للم يعد يملك أكثرية برلمانية اليوم؟
هذه مناسبة أخرى تؤكد وجوب تحلي القوى الوطنية الديمقراطية بإحساسها بمسؤوليتها التاريخية لاستثمار الفرصة المقبلة لتغيير المعادلة السياسية لصالح الاتجاه العراقي، الوطني، العراقي، الليبرالي، فقد أُنهِكَ العراق على يد قوى الإسلام السياسي والطائفية السياسية وحليفتها قوى الفكر العرقي، وآن الوقت ليستريح العراق من تعبه طوال السنوات الخمس الماضيات.
فهل سنكون مستوى المسؤولية التاريخية كما ينتظر منا شعبنا؟
وظاهرة أخرى ذات علاقة بالاتفاقية الأمنية، وبعيدا عن تناول أصل موضوع الاتفاقية، بقدر ما تُتَّخَذ منها مناسبة لمناقشة هذه الظاهرة، ألا هي ظاهرة تعدد مراكز القرار في عراق ما بعد التغيير في 2003، وطرح السؤال عن أي من هذه المراكز دستورية، وأي منها غير دستورية، أي منها عراقية، وأي منها دولية أو إقليمية.
أمامنا مراكز القرار الآتية:
1. رئيس الوزراء
2. مجلس الرئاسة
3. المجلس الرباعي (1 + 3)
4. مجلس الوزراء
5. مجالس الرئاسات الثلاث
6. المجلس السياسي للأمن الوطني
7. الإدارة الأمريكية
8. إيرا ن (خامنئي، أحمدي نژاد، قاسم سليماني)
9. مرجعية السيد السيستاني
10. الشعب العراقي
إذا كان كل من مركزي القرار الثامن والتاسع هما الأقوى، فإن العاشر هو الأضعف من سائر مراكز القرار الأخرى. وإذا أردنا أن نختزل مراكز القرار التسعة (أي باستثناء الشعب العراقي الأقوى افتراضا والأضعف واقعا) ونتكلم حصرا عن العواصم التي تسهم بشكل أساسي في صنع القرار العراقي أو التأثير فيه فهي أربع. وعبارة (بشكل أساسي) مهمة هنا، فهي تعني التخصيص دون الحصر، فقد تكون هناك عواصم أخرى تلعب دورا ما كالرياض ودمشق وأنقرة وغيرها، لكنها لا ترقى في تأثيرها كالأربعة أدناه، فالعواصم الأساسية لصنع القرار العراقي والتأثير فيه هي الأربعة الآتية:
1. بغداد
2. طهران
3. النجف
4. واشنطن
ولعل هناك من يستغرب من إدراج النجف تحت عنوان العواصم، فأقول هي إلم تكن عاصمة سياسية رسمية، فهي عاصمة فعلية، خاصة إذا علمنا أنها وطهران تمثلان عاصمتي صنع القرار الأقوى، وإذا كانت بغداد العاصمة السياسية، فإن النجف هي العاصمة الشرعية، وهي تعلو العاصمة السياسية مرتبة في الدولة القائمة على أساس تولي المرجع للشأن العام.
فإننا نجد في قضية الاتفاقية الأمنية بين العراق وأمريكا على سبيل المثال أن أكثر من طرف (أخيرا وليس آخرا حتى محمود المشهداني) يقول إن الرأي الفصل في قبول أو رفض الاتفاقية للمرجعية، بالرغم من أن المرجعية نفسها أكدت على إن هذا من شأن مجلس النواب. وهذا يطمئن إلى حد ما، ولكن ماذا لو كان لدينا مرجع غير سماحته يرى أن ولايته الشرعية تفرض عليه أن يكون هو صاحب القرار النهائي؟ وماذا سيكون مصير العراق، لو اتخذ ذلك المرجع سواء بقبول الاتفاقية أو برفضها قرارا لا يكون في صالح العراق، لا لأنه لا يريد مصلحة العراق، وإنما لعدم قدرته وعدم قدرة جهازه المرجعي أو حاشيته تشخيص ما هو في صالح العراق أو في غير صالحه؟ وحتى لو افترضنا أن الذي يتبوأ موقع المرجعية العليا في النجف ذو خبرة سياسية عالية وحرص شديد على مصالح العراق، وكان قراره على النحو العام صحيحا، ففي السياسة ليس هناك صحيح مئة بالمئة أو خطأ مئة بالمئة، فكيف سيستطيع من يرى خلاف رأيه من أهل الخبرة السياسية والحرص الشديد على المصالح الوطنية للعراق أن يبدي رأيا آخر؟ هل سيستطيع أحد أن ينقد، أو يعترض، أو يناقش، أم سيُعتبَر الرأي السياسي للمرجع موقفا شرعيا إلهيا نهائيا تحرم مناقشته؟ لا أناقش هذا الموضوع، الذي ناقشته مرارا منذ 2002 في عدة مقالات، وليراجع من يشاء تلك المقالات على موقع نسماء تحت باب (المرجعية والمؤسسة الدينية)، من موقع عدم الاحترام للمرجعية الدينية والمعاذ بالله، بل من موقع الحرص على قضايا الوطن، وعلى نزاهة وقداسة الدين، ولكون القضايا السياسية قضايا يكون فيها الصواب والخطأ والنافع والضار من الأمور النسبية، وهي كما يصطلح عليها الفقهاء من الموضوعات الخارجية التي يكون تشخيصها من مسؤولية المكلف وليس من مسؤولية المرجع، وهي من قبيل الأولى من شأن أصحاب الاختصاص كما يقررالفقهاء أنفسهم، وأصحاب الاختصاص هنا هم رجال السياسة الحريصون على المصالح الوطنية، وليسوا رجال الإفتاء، كما هو واضح ومعلوم وبديهي لدى الحوزات العلمية الدينية وجميع المتشرعة ذوي الثقافة الشرعية الواسعة والمعمقة.
ثم إن موقع القرار السياسي في النجف هذا هو بلا شك لا يملك أي غطاء دستوري. أما إذا قيل إن غطاءه الدستوري هو المادة الثانية التي تقضي بعدم جواز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، وبالرغم من ملاحظتنا على هذه المادة، والتي ناقشت خطأها في اللجنة الدستورية بشكل مفصل، واعترضت على أقل تقدير على إضافة لفظة (أحكام) وعلى رفع عبارة (المجمع عليها)، فإن الاتفاقية الأمنية على سبيل المثال بكل تأكيد ليست من القضايا التي تنطبق عليها مقولة التوافق أو التعارض مع الأحكام الشرعية. بل هناك حاجة للعراق لهذه الاتفاقية من جهة، وهناك مصالح وطنية لا يجوز المساس بها من خلال الاتفاقية، والمعروف في كل اتفاقية فيها طرفان، ولكل مصالحه التي يريد أن يحققها عبرها، وثمة مضار يمكن أن تترتب عليها يحاول تلافيها، والمفاوضات التي لا تعني إلا أن يعطي كل من الطرفين ثمة تنازلات، هي التي تحسم الأمر، ثم هناك مؤسسات دولة وآليات اتخاذ قرار ومراكز قرار دستورية هي صاحبة الكلمة الفصل في مثل هذه القضايا. ما زلنا نأمل في المرجعية خيرا، بأخذ زمام الأمور بنفسها لتوعية الناس على هذه الحقائق، ببيان إن رأيها السياسي إرشادي وليس تكليفيا، وهو ليس حكما إلهيا لا يرد ولا يناقش، وإن الالتزام بلوازم الدستور واجب شرعي بحكم العهد الاجتماعي الملزم إلزاما عقلائيا وشرعيا وأخلاقيا وسياسيا ووطنيا، وإن إقحام المرجعية في السياسة إنما يجري لمصالح سياسية لأحزاب سياسية دينية وأجندات إقليمية غير عراقية، والمرجعية تنأى بنفسها عن كل ذلك.
وعلى أي حال إذا تسامحنا في إقرار موقع القرار هذا للمرجعية في النجف، فكيف يمكن القبول أن تكون طهران أو طهران وقم معا مركزي قرار أساسيين للشأن العراقي؟ فنحن نعلم والكل أصبح يتحدث بذلك بصراحة، بما في ذلك بعض رموز حزب الدعوة، حزب رئيس الوزراء، أن الطرف المعارض، إنما يعارض تنفيذا لأجندة إيرانية، وليس لمصلحة عراقية.
وإذا بحثنا في مراكز القرار العراقية الأخرى التي عددناها وما هو دستوري وما هو غير دستوري، وأيهما أولى من غيره، سيطول بنا المقام، ونترك هذا لغيرنا ممن فصلوا في الموضوع.
وأخيرا نسأل أين موقع الشعب العراقي من كل هذا؟ في الواقع إن الشعب من خلال كل الخلط الذي جرى للألوان قد لا يكون بمقدوره أن يكون رؤية واضحة. وهذا هو المطلوب ربما لدى السياسيين. نعم الشعب، أو لنقل الشارع يُرجَع إليه عند الحاجة، أي حاجة السياسيين خدمة لأجنداتهم، وذلك بعد تعبئته عاطفيا بهذا أو بذاك الاتجاه، وبعدما يجري تضبيب وتعتيم الصورة له.
23/10/2008
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::