مخاطر الانسحاب العاجل للقوات متعددة الجنسية

مقالة كتبت في 04/09/2007 خصيصا لمجلة «أسبوعية»، نشرت في عددها الأول.

 

إن تناول تواجد القوات متعددة الجنسية في العراق، والتي يسميها البعض قوات الاحتلال، والبعض الآخر قوات التحرير أو القوات الصديقة، ومناقشة قضية بقائها أو انسحابها، ومسألة جدولة الانسحاب جدولة زمنية، أو جدولة موضوعية؛ إن قضية كهذه وبهذه الدرجة من الحساسية، لا بد أن تناقش ضمن أسس الموضوعية، واعتماد معايير المصلحة الوطنية للعراق بدرجة أساسية، وإن كان البعض يعتبر انعكاسات البقاء أو الانسحاب، ومن ثم توقيته على عموم المنطقة، معيارا إضافيا موازيا في الأهمية، أو لعله متقدما على معيار انعكاساته على العراق والمشروع الوطني العراقي. لكننا في الوقت الذي لا نريد أن نلحق الضرر بأحد من شعوب الجوار وقضاياها، نعتقد أن خطورة القضية على العراق بدرجة تمنحنا الحق في أن نعتبر المعيار الوطني العراقي متقدما في سلم الأولويات، عندما نبحث هذه المسألة.

 

إذن نحن كعراقيين تهمنا قضيتنا الوطنية بالدرجة الأولى، وبالتالي لا بد لنا عندما نتناول مثل هذه القضية، من أن نتفق على المنطلقات والأهداف، حتى لو اختلفنا في النتائج والوسائل. وبالتالي لا بد لنا من النأي عن المزايدات بالشعارات الوطنية على بعضنا البعض، وعن الطرح العاطفي. أما عن وحدة المنطلق، فلا بد من القول أن المنطلق يجب أن يكون وطنيا. وأما فيما يتعلق بوحدة الهدف أو وحدة الأهداف، فبرأيي أنه لا بد من الاتفاق على هدفين وطنيين أساسيين، ألا هما تحقيق السيادة الوطنية أولا، وإنجاح مشروع التحول الديمقراطي ثانيا. كما أنه من الضروري اعتماد قاعدة ألا يجوز أن يكون ثمن تحقيق أحد الهدفين هو التفريط بالهدف الثاني. وحيث أن التأجيل لا يجب أن يكون تفريطا بالضرورة، يمكن لنا أن نتصور أننا نتخذ قرار تأجيل تحقيق أحد الهدفين، إذا كان التأجيل شرطا لتحقيق الثاني، دون أن يعرض الهدف المؤجل للخطر. فلو تصورنا أن بالإمكان تحقيق السيادة الوطنية، مع تأجيل مشروع التحول الديمقراطي، دون أن يتعرض المشروع لخطر الانهيار، فيكون من غير شك من الواجب السعي لتحقيق السيادة وبأسرع وقت. وبالعكس لو كان تأجيل استكمال السيادة الوطنية يمثل ضمانة للسير قدما نحو استكمال أشواط عملية التحول الديمقراطي، فيكون تأجيل السيادة لحساب المشروع الديمقراطي واجبا وطنيا.

 

في الوقت الذي يعتبر فيه استكمال السيادة الوطنية هدفا وطنيا مركزيا مقدسا، لا يجوز التفريط به، أرى على ضوء دراسة موضوعية مجردة من المشاعر، ورؤية مستقبلية بعيدة المدى، أن استعجال انسحاب القوات متعددة الجنسية، أو قوات الاحتلال، إذا كان البعض لا يرتاح إلا بتسميتها كذلك، سيُعرِّض مشروع التحول الديمقراطي إلى خطر الانهيار، وبالتالي ستضيع فرصة تاريخية ذهبية، هي الأولى من نوعها، ولعلها - إذا ما ضُيِّعَت لا قدر الله - تكون الأخيرة ولو على مدى هذا القرن. والدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية المستندة على إرادة شعبها، لا بد أنها ستعمل حثيثا من أجل استكمال السيادة الوطنية. ولكن سيادة وطنية في ظل ديكتاتورية جديدة، أو ديكتاتوريات تتوزع على أقاليم أو دويلات، وسيادة وطنية في ظل الاحتراب الداخلي، وسيادة وطنية يكون ثمنها كرامة وحرية المواطن، لن تكون سيادة حقيقية، لأن السيادة لا تتحقق بمجرد إنهاء الوجود الأجنبي، بل بتحقيق كرامة المواطن كإنسان، وضمان حرياته وحقوقه المشروعة. ثم ستكون السيادة الوطنية هي الأخرى، وباحتمال راجح جدا، منتهكة من قبل احتلال الإخوان والجيران، ولو كان احتلالا غير مباشر، أي احتلالا مخابراتيا.

 

أما كوني أعتبر الوجود الأجنبي غير المحبب صمام أمان ضد انهيار المشروع الديمقراطي، فليس من قبيل حسن الظن بالمحتلّ، بقدر ما يمثل ذلك نظرة موضوعية، تشخص حقيقة أن هناك مصالح لأمريكا بالذات، وللغرب عموما، في تحقيق ثمة أمور، والحيلولة دون أمور أخرى، يمكن اعتبارها المشتركات بين المصالح الوطنية للشعب العراقي والمصالح الاستراتيجية لقوى الهيمنة الدولية، أو للغرب، حتى لو اختلفت المنطلقات بيننا وبينهم في تلك المصالح المشتركة. والاشتراك معنية به في الجانب العراقي القوى الديمقراطية الوطنية، وليست القوى ذات الإيديولوجيات الشمولية والمشاريع الطائفية أو العرقية. ويمكن إيجاز هذه المشتركات بما يأتي:

 

1.   إنهاء تدخل ونفوذ دول الجوار، وبالأخص التدخل والنفوذ والنشاط المخابراتي لإيران.

2.   عدم فسح المجال لقوى الإسلام السياسي المتطرفة للهيمنة على المشهد السياسي.

3.   عدم فسح المجال للمشاريع الطائفية.

4.   إنهاء دور الميليشيات ومظاهر التسلح.

5.   استئصال الإرهاب للقاعدة والقوى السلفية والبعثية.

 

فكل ما ذكر أعلاه يعتبر من المخاطر الجدية على مشروع التحول الديمقراطي، بل وحتى على السيادة الوطنية، فيما يتعلق بخطر التدخل الإقليمي، فيما ذكر في النقطة الأولى. فكل ما ذكر أعلاه يعتبر من المخاطر الجدية على مشروع التحول الديمقراطي، بل وحتى على السيادة الوطنية، فيما يتعلق بخطر التدخل الإقليمي، فيما ذكر في النقطة الأولى. وإن فرص درء هذه المخاطر، بالنسبة لكل أو جل ما ذكر آنفا، ستتقلص بشكل ملحوظ، بل ربما ستنعدم بالنسبة لكل أو جل ما ذكر آنفا، إذا ما جرى الانسحاب المبكر، أي قبل استكمال بناء القوات الوطنية غير ذات الولاء الطائفي أو الحزبي، وقبل تثبيت أركان المشروع الديمقراطي. وهذا يعني أن مشروع التحول الديمقراطي سيكون معرضا للانهيار تماما وبشكل جدي، وبالتالي يمكن أن تـُصَعَّد وتيرة الاقتتال بين القوى المختلفة، مع الانسحاب المبكر، مما يمكن أن يؤول إلى انقسام العراق إلى ثلاث ديكتاتوريات، ديكتاتورية دولة العراق الإسلامية السلفية الطالبانية، وديكتاتورية جمهورية ولاية الفقيه الشيعية ذات الولاء الإيراني، ودولة قومية كردية، ربما ستراوح بين شكل الديمقراطية وروح الديكتاتورية، وجزء رابع متناثر يبقى مطحونا بطاحونة الحرب الأهلية الطائفية أو العنصرية.

 

وبالرغم من عدم إمكان نفي وجود مصالح استراتيجية لأمريكا في العراق وعموم المنطقة، ذات بعد اقتصادي وعسكري، إلا أننا ودون دعوى أن أمريكا جمعية خيرية جاءت من أجل مساعدة الشعوب في تحقيق الديمقراطية لسواد عيونهم، يمكن أن نجزم بأن من مصلحة أمريكا هو إنجاح مشروع التحول الديمقراطي في العراق، بقطع النظر عن موقع هذه المسألة في سلم أولوياتها. هذا النجاح الذي ستكون له من غير شك انعكاساته الإيجابية على معظم دول المنطقة أيضا، ليس رغبة من تلك الدول في دعم المشروع الديمقراطي، بل لكون نجاح المشروع لاسيما في ظل الوجود الأمريكي في مراحله الأولى، سيعني الحيلولة دون هيمنة قوى الإسلام السياسي المتطرفة، شيعية كانت أو سنية، والحيلولة دون استمرار وتجذر واستفحال النفوذ الإيراني، ودون قيام دولة على أسس طائفية، مما يعني قيامها على الأسس الطائفية للأكثرية، مما لا يروق للعروبة المتمذهبة سنيا. وهذا أي الحيلولة دون الطائفية السياسية الشيعية لا يمثل إقصاءً للشيعة بقدر ما يمثل تطلعا مشتركا - ولو من منطلقات مختلفة، بل أحيانا متناقضة - لكل من أمريكا، والسنة العرب في العراق، والقوى الديمقراطية الوطنية المعتدلة، سواء كانت شيعية أو سنية، والدول العربية. أما الضمانات لألا يؤدي ذلك إلى إقصاء الأكثرية سياسيا من جديد، فهو تأصيل النظام الديمقراطي، وتأكيد دستورية الدولة، وواقع كونهم يمثلون الأكثرية الاجتماعية في العراق.

 

04/09/2007

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::