بين ماضي الرصيد النضالي للقوى والمكونات ومتطلبات الحاضر والمستقبل

 

من غير شك أن من موارد المقايسة والمفاضلة بين الأحزاب السياسية والمكونات الاجتماعية هو السبق والرصيد النضالي ضد الديكتاتورية. ولو إن هذا لا يمثل المعيار الوحيد الذي توزن وتقيم به القوى السياسية والمكونات الاجتماعية، ولست بصدد تحديد ثقل هذا المعيار نسبة إلى المعايير الأخرى، كتغليب الهوية الوطنية، ومدى الإيمان بالديمقراطية، ومدى الابتعاد عن التطرف، ونبذ العنف، وعدم الارتباط بأجندات غير عراقية وتغليبها على المصالح الوطنية، والامتداد الجماهيري، وإلى غير ذلك، بل نريد تحديدا في هذه المقالة تسليط الضوء على السبق والرصيد النضاليين إجمالا ودون الدخول في التفاصيل، مع التعرف على دوافع وأهداف ذلك النضال، كم هي دوافع عراقية/وطنية/ديمقراطية. مع العلم أننا لا نستطيع ولا يجوز لنا أن ننفي البعد الوطني/العراقي عن نضال أي من القوى والمكونات ذات التاريخ النضالي، بل الكلام إنما يجري عن حجم وثقل هذا البعد في نضال كل منها، وليس عن أصل تحققه كمفردة من المفردات وبعد من الأبعاد وهدف من الأهداف لنضال كل من الأطراف المعنية. ثم مهم جدا التعرف على الدوافع في لحظة انطلاقة حركة النضال لكل منها، وما طرأ على المسيرة النضالية من نمو وتحول إيجابا أو سلبا.

 

عندما نتكلم عن الذين ناضلوا ضد ديكتاتورية صدام حسين بشكل خاص ومتميز وبتضحيات كبيرة، وعبر عقود من الزمن، أقلها عقدان، لا يختلف اثنان إذا ما اعتمدا التجرد والموضوعية في حقيقة أن الأحزاب الكردية القومية والشيعة الإسلامية، وكذلك المكونين الكردي والشيعي هما الأكبر حظا في الرصيد النضالي. وهذا يحسب بلا شك لهذه الأحزاب، وهو الأمر الذي اعتبرت بسببه هي القوى السياسية التي يمتد التحالف فيما بينها إلى سِنِيّ النضال والمواجهة العنيفة مع النظام الديكتاتوري الدموي، ومن هنا جاء التحالف الرباعي الأخير، وكأنه امتداد أو تتويج لذلك التحالف النضالي التضحوي القديم والطويل والدامي. ومع ذكر هذين التيارين السياسيين (القومي-العلماني-الكردي + الشيعي-الإسلامي) وبالتالي هذين المكونين (الكرد والشيعة)، وفي إطار المقارنة بينهما تحديدا، لا بد من تسجيل السبق للأحزاب الكردية، باعتبار أن نضالها يمتد إلى عدة عقود سابقة لدخول الإسلاميين الشيعة في أتون المواجهة العنيفة مع النظام. ولسنا بصدد سرد كل التاريخ النضالي والجهادي من أول تأسيس الدولة العراقية الحديثة وما قبلها من مواجهة مع الاحتلال البريطاني، لاسيما في ثورة العشرين، بل الكلام يجري تحديدا عن حقبة الديكتاتورية البعثية/القومية من 1963 حتى سقوط العهد الصدامي الأسود عام 2003.

 

وعند ذكر هذه الحقيقة تحضر أمامنا حقيقة أخرى في مقابلها، ألا هي – لا نقول الغياب، بل - الحضور المحدود لمكون العرب السنة والأحزاب الممثلة لها في ميادين النضال والمواجهة والتضحية في زمن الديكتاتورية. وكما بينت في البداية، لا يجب اعتبار هذا المعيار وحده المعول عليه في تقييم الأحزاب والمكونات، بل هو معيار من المعايير، يأخذ أهميته ضمن منظومة المعايير الأخرى، مع الإقرار بتميز ثقل هذا المعيار من غير شك، لكن الثقل لا يعني الانفراد والحصر.

 

فنحن قبل أن نسجل هذه النقطة لصالح من تسجل له، ونسجل في مقابلها النقطة آنفا على من لا تسجل له، لا بد لنا وبكل موضوعية من أن نسأل أنفسنا، لا فيما إذا بل مدى ما كان (نضال) هذا الطرف و(جهاد) ذاك الطرف من أجل تحرير الشعب العراقي من الديكتاتورية وإقامة نظام ديمقراطي بدلا عنها كهدف أساسي لذلك النضال والجهاد، أو مدى تغليب أولويات إيديولوجية أخرى في حسابات تلك القوى في مواجهتها ضد النظام الديكتاتوري المقبور، ابتداءً وتطورًا وانتهاءً؛ هذا لا من أجل التقليل - أستجير بالله - من شأن ذلك النضال المشرف، بل ربما من أجل إنصاف بقية القوى السياسية والمكونات الاجتماعية، التي كان حضورها ورصيدها النضالي بدرجة دون ما يسجل للمكونين وقواهما السياسية، العلمانية-القومية هنا والإسلامية هناك.

 

فإننا لا نملك إلا أن نقف بكل إجلال وإكبار ونحني رؤوسنا أمام التاريخ النضالي لتلك القوى والحافل بكل تلك التضحيات والصمود وقوافل الشهداء، كما نسجل لها الفضل في التسريع بإسقاط تلك الديكتاتورية المقيتة، إذ أن سجل نضالها الحافل بالتضحيات هذا الذي توج بانتفاضة آذار 1991، كان عاملا مهما في إسقاط النظام، وإن كانت أمريكا هي التي أسقطته بشكل مباشر في حربها الأخيرة ضد نظام صدام، ولكن هذا لا يبرر لإنكار حقيقة أن المواجهة ضد النظام من قبل هذه القوى، وإذكاء روح الرفض لتلك الديكتاتورية كان له الدور المهم والأساسي في تهيئة الأرضية الصالحة لمهمة إسقاط الديكتاتورية. فهذا مما لا بد تسجيله لهذه القوى، ولكن دون أن تغيب عنا حقيقة أن هذه المواجهة إنما انطلقت من دوافع كردية-قومية هنا وإسلامية-شيعية هناك، وجاءت لاحقا أو بمرتبة دون المرتبة الأولى من دوافع وطنية-ديمقراطية، مع وجوب التفكيك بين الوطنية والديمقراطية في الدوافع من حيث الواقع، وإن كان التفكيك غير جائز من حيث المبدأ.

 

فأكراد العراق ناضلوا بكل استبسال عقودا من الزمن من أجل الدفاع عن حقوقهم القومية المنتهكة من قبل الأنظمة المتعاقبة، ودفع كل ذلك الظلم والحيف الذي وقع عليهم، ومن أجل تحقيق التطلعات القومية المشروعة والأهداف العادلة للشعب الكردي-العراقي، وكان نضالهم نضالا متسما بالبطولة والصمود والإصرار، قدموا خلاله التضحيات الجسام. ومع انحنائنا باحترام وإعجاب وشكر أمام هذا السجل النضالي الحافل، ودون التقليل من قيمته ومردوداته عليهم وعلى عموم الشعب العراقي، لا يمكن أن نغمض، ولا حتى الأكراد العراقيون ينفون حقيقة أن نضالهم كان نضالا كرديا بالدرجة الأولى وليس نضالا عراقيا، ونضالا قوميا وليس نضالا ديمقراطيا؛ وعندما أقول كرديا، بمعنى أنه كان من أجل حقوق الأكراد، وليس بدرجة أساسية من أجل حقوق الشعب العراقي، وعندما أقول قوميا، بمعنى أنه كان من أجل تحقيق الحقوق القومية في إدارة الكرد لمناطقهم إدارة ذاتية، وإنهاء واقع التهميش لأبناء القومية الكردية، أو جعلهم مواطنين من الدرجة الثانية، ومن حق أي شعب أن يدفع عنه هذا الواقع بالنضال بشتى وسائله. وهذا يدفع أحيانا أصحاب تلك الحقوق المهضومة الممارسون للنضال من أجلها أن يضعوها في مرحلة ما على رأس سلم أولوياتهم، مما يدفع هدف إقامة نظام ديمقراطي لكل العراق بديلا للأنظمة الديكتاتورية إلى مرتبة متأخرة عن جعله الهدف المركزي. وكما أكدت هذا ليس من شأنه أن يقلل من قيمة ومشروعية نضالهم، بل هو نضال يجب احترامه ويملك مشروعيته بالكامل. صحيح إن الأحزاب الكردية المناضلة ضد الديكتاتورية كانت حليفة للقوى التي تعتبر اليوم قوى وطنية علمانية ديمقراطية، ومنها القوى اليسارية التي ناضلت هي الأخرى ضد الديكتاتورية ببسالة وصمود ومع تقديم التضحيات المشهودة، ووقفت كليا ومن وقت مبكر إلى جانب الشعب الكردي ونضاله المشروع من أجل حقوقه المشروعة. ومن هنا رفعت هذه القوى شعارا رائعا وذا سابقة تسجل لها بالنسبة لبقية القوى كالقوى الإسلامية التي كانت تقف موقف الرفض في الثمانينات ضد هذا الشعار الوطني المهم، ألا هو «الديمقراطية للعراق، والفيدرالية لكردستان»، فجعل هدف الديمقراطية هدفا مركزيا لكل العراق، بما في ذلك كردستان، والفيدرالية هدفا مركزيا كرديا، بقطع النظر عن اعتماد الفيدرالية لكل العراق أو اختصاص كردستان بها. ولكن وبصراحة وتجرد يمكن أن يقال أن هذا الشعار ربما لم يكن منسجما كليا مع المنحى الإيديولوجي للقوى التي رفعته آنذاك، رغم أنه شعار عظيم، وكما بينت يمثل سابقة لم يسبق التحالف الوطني-اليساري/الكردي-القومي أحد من القوى السياسية الأخرى إليه. لكن ما كان يهم الكرد من هذا الشعار هو الشق الثاني حصرا، فلو كانوا قد حققوا الحكم الذاتي أو الفيدرالية في ظل ديكتاتورية في المركز، بحيث لا تؤثر ديكتاتورية المركز هذه على الحكم الذاتي لهم وتمتعهم بحقوقهم القومية، لكان هذا محققا لطموحهم، سواء أسسوا في إقليمهم ديمقراطية أو شبه ديمقراطية، أو ديكتاتورية كردية-قومية في طول ديكتاتورية المركز، ولكن مستقلة عنها على نحو ما من الاستقلال، ولا أظن أن هذا لم يكن سيحظى بالقبول من قبل الأكراد. وربما يكون هذا المنحى معذورا عنه، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار وجوب تحقيق الممكن في حال عدم إمكان تحقيق كل الطموح المتطلع إليه في حقبة من حقب النضال، لكن يبقى وضع الهدف الوطني أي العراقي العام والمقترن بتحقيق الديمقراطية على رأس الأولويات مما يحسب لأصحابه. أما حلفاء الأكراد من الوطنيين اليساريين، لاسيما الحزب الشيوعي، فكانوا يتبنون الشعار بشقيه، ويهمهم فعلا تحقيقه بشقيه هذين، دون أن يعني ذلك أننا لا نسجل على اليسار العراقي آنذاك أنه لم تكن بعد قد اكتملت صيرورته الديمقراطية، لأنه كان ما زال يؤيد الأنظمة الديكتاتورية التي كانت تقودها الأحزاب الشيوعية في الاتحاد السوڤييتي، وفي عموم ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي، مع وجود أصوات شجاعة ناقدة ولكن محدودة، إضافة إلى أن الحزب الشيوعي قد أبدى استعداده لأن يكون جزء من العملية السياسية التي كان يقودها حزب البعث، عندما سمح له وللأكراد أن يكونوا شركاء لحزب البعث، وهذا ما جرى فعلا أو جرت محاولة تحقيقه في إطار الجبهة الوطنية والقومية، والتي كان الشيوعيون والأكراد سيواصلون العمل في إطارها، لولا انقلاب حزب البعث عليهم. نعم الحزب الشيوعي العراقي اليوم هو غير الحزب الشيوعي العراقي في الخمسينات والستينات، بل غير الحزب الشيوعي العراقي في التسعينات، لأنه استطاع أن يتحول إلى حزب وطني-ديمقراطي معتدل، بقطع النظر عن مدى ما يتفق معه الآخرون في كل التفاصيل من المواقف والتحالفات والمشاركات السياسية منذ نيسان 2003.

 

أما الأحزاب الإسلامية عموما والإسلامية-الشيعية خصوصا، فهي صاحبة تاريخ جهادي تضحوي حافل بالدماء والسجون وتحمّل ألوان العذاب، لكن ومع إجلالنا لنضالها وجهادها وصمودها، لم تناضل - على الأقل في انطلاقة مسيرتها الجهادية - ضد النظام الديكتاتوري من أجل إقامة بديل وطني-ديمقراطي. فهي في المواجهة التي دخلت أتونها بكل عنفها وعنفوانها وبصمودها وبطولات أفرادها في مواجهة أقسى أنواع القمع والملاحقة والتعذيب، قد سجلت بحق مثالا رائعا في الصبر والصمود وتحمّل كل أنواع الاضطهاد، لكنها في نضالها، ولنقل في جهادها كانت تنطلق من دافعين أساسيين، الأول هو أنها كانت ومنذ تأسيسها - هذا بالنسبة لما كان مؤسسا داخل العراق أي حزب الدعوة على وجه التخصيص وبعض التنظيمات الإسلامية الصغيرة - كانت تحمل مشروعها الإسلامي، وهو المشروع التغييري الإسلامي الشامل، أي أن مشروعها كان مشروع أسلمة المجتمع العراقي، كجزء من مشروع أسلمة مجتمعات الأمة الإسلامية، أكثر مما هو مشروع تحرير للشعب العراقي من الديكتاتورية، ناهيك عن مشروع إقامة نظام ديمقراطي. أما الدافع الثاني والأساسي في مواجهتها للديكتاتورية فكان الدفاع عن الدولة الشرعية، أي ما كانوا يسمونه بـ «إيران الإسلام» التي اعتبروها القاعدة والمنطلق لتحقيق حلم إقامة حكم الله على أرجاء كل العالم الإسلامي، تمهيدا لدولة الحجة المهدي العالمية، وكانوا يتطلعون إلى إحدى الحسنيين، إما تحقيق النصر لدولة الإسلام الشرعية، وتحقيق الامتداد العراقي لها، أو الاستشهاد في سبيل حماية هذه الدولة التي سما الشهيد الصدر ما حققه بها الإمام الخميني بأنه تحقيق لحلم الأنبياء، ومن هنا أوصى الدعاة وبقية المؤمنين أن يذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الإسلام، هذا حسب رواية الذوبان المطلق، أو حسب رواية الذوبان النسبي التي تنقل عن الشهيد الإيصاء بالذوبان في الخميني (بمقدار) ما ذاب هو في الإسلام. والقوتان الإسلاميتان المتنافستان إلى درجة الندية الشديدة آنذاك كانتا حزب الدعوة وتيار المرحوم محمد باقر الحكيم ما قبل تأسيس المجلس الأعلى ثم امتداده المتمثل بالمجلس الأعلى المؤسس برعاية ومباركة بل مبادرة إيرانية؛ هذا التيار الحكيمي ثم المجلسي الذي كان يمثل الولاء المطلق للجمهورية الإسلامية، والاندكاك والذوبان المطلق في مشروعها، وفي ولاية الفقيه نظرية وتطبيقا، أو مفهوما ومصداقا. بينما كان حزب الدعوة متهما في ولائه، لا لأنه لم يكن مواليا حقا، بل لأن ولاءه كان ولاءً ناقدا ومتحفظا تجاه بعض ممارسات مؤسسات الدولة الإسلامية عموما، وتجاه القضية العراقية خصوصا، ومواقفها غير المنصفة والمتعسفة تجاه حزب الدعوة على النحو الأخص من إشاعة الاتهامات ضده وعرقلة عمله الجهادي وتطويق مشاريعه الثقافية والتعليمية والجهادية. وقد تحول هذا الولاء الناقد والمتحفظ مع الوقت إلى حساسية شديدة عند كثير من الدعاة، ولكن بقيت القيادة تدرأ عنها تهمة مناوءة الجمهورية الإسلامية وعدم الإيمان بمبدأ ولاية الفقيه إلى وقت طويل، هذه التهم التي كانت في البداية تمثل افتراءً وظلما تجاه الحزب، ثم تحولت مع الوقت إلى واقع لجل الدعاة، وإن لم يجر تبنيها رسميا كموقف مدون أو قرار من القيادة، ولكن بقيت هذه التهم سلاحا ضد الحزب في الحرب النفسية المستبطنة للروح التكفيرية، مما أجبر الحزب في وقتها على إدراج مادة ولاية الفقيه في نظامه الداخلي، رغم عدم إيمان معظم الدعاة بذلك، وإن كانوا قد أقروها بأكثرية أصوات أعضاء المؤتمر العام، من قبيل التقية والخوف على الحزب من تصعيد الحرب ضده من قبل الدولة المضيفة والشرعية. الذي أردت أن أبينه أنه رغم استحقاق جهاد وتضحيات الإسلاميين ولاسيما حزب الدعوة للوقوف بإجلال واحترام كبيرين، إلا أنه كان في منطلقاته الأولى، بل وعبر مراحل متقدمة من مسيرته، جهادا في سبيل مشروع أسلمة المجتمع، ولم يكن مشروعا وطنيا من أجل إرساء الديمقراطية، بل كانت كل من مفردتي الوطنية والديمقراطية تمثلان مصطلحين لا إسلاميَّين بالنسبة للإسلاميين في الثمانينات، بل حتى ردحا من عقد التسعينات. نعم هذه الرؤية تغيرت بالتدريج عند الكثير منهم، ولكن بقيت ملازمة لكثير آخرين. ومع نفي أن يكون المشروع الوطني-الديمقراطي على رأس أولويات الإسلاميين، لاسيما حزب الدعوة، لا يجوز نفي غلبة الحس الوطني-العراقي عندهم، والذي انعكس بحساسية شديدة تجاه إيران والإيرانيين والجمهورية الإسلامية، رغم موقف الكثير من أفراد القيادة المجامل تقية تارة، أو المنسق اعتقادا بوجوب التنسيق مع الدولة المضيفة، كدولة مضيفة، وليس بالضرورة كدولة شرعية، كما كان الموقف في الثمانينات.

 

يمكن أن يكون هناك تحول قد حصل عند من ذكرنا من أحزاب إسلامية وكردية ويسارية، ويمكن أن يكون قد اقترب بعضها من الهوية الوطنية العراقية ومن الانسجام أكثر مع الديمقراطية. ولست بصدد تقييم واقعهم الآن، بل أردت أن أبين أن ما يعتبر، وما اعتبرته شخصيا لوقت طويل، ميزة وشرفا لمن ناضل ضد الديكتاتورية مقابل من لم يفعل ذلك، مما يبقى ميزة وشرفا لهم، ولكن ربما ليس بتلك الدرجة، إذا ما علمنا أن الدوافع في نضال تلك الأحزاب لم تكن وطنية-عراقية-ديمقراطية، بقدر ما كانت إما قومية-كردية، وإما إسلامية-أصولية، بل في انطلاقتها الثمانينية بالذات إيرانية الولاء، لا بمعنى الولاء أو كما يسميه البعض بالعمالة لإيران والإيرانيين، بل بمعنى الولاء للدولة الإسلامية الشرعية الأممية، كما كان ولاء الشيوعيين للأممية الماركسية، ذاك الولاء المنطلق من إيديولوجية قامت عليها تلك الأحزاب، لكنه لم يكن ولاءً بديلا للولاء الوطني للعراق، بل من غير شك ولاءً منافسا له، ثم تحولت تلك الأحزاب مع الوقت إلى أحزاب ذات أجندة عراقية بالدرجة الأولى، ولكن دون تبرئة بعض عناصرها القيادية من ثمة تنسيق لا يخلو من ضرر واضح على القضية الوطنية العراقية وعلى المشروع الديمقراطي. ومن غير شك أن ثمة تفاوت بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى بالنسبة لما ذكر من معياري الوطنية-العراقية والديمقراطية، ولا أعني هنا من حزب الدعوة الشق المنفصل عنه الموسوم بحزب الدعوة الإسلامية تنظيم العراق، كما ولا أعني به تكتل الجعفري الحالي المنافس والمعارض للجناح المالكي، دون أن أجعل من أهداف هذه المقالة تقييم الجناحين، وقرب أو بعد كل منهما إيجابا أو سلبا من التشدد، والاعتدال، ومن الأجندة الوطنية، ومن الديمقراطية، ومن الطائفية السياسية، ومن القوى المتطرفة، ومن إيران، ومن تسييس المرجعية، فهذا كله محله في دراسة أخرى، لعلي أكتب فيها أو أعرض عنها، أو أرجئها إلى وقتها وظرفها المناسبين.

 

وعلى ذكر الشيوعيين، يمكن القول بأن الحزب الشيوعي العراقي كان في مرحلة لاحقة الأقرب إلى المشروع الوطني-الديمقراطي، كما كان حزب الدعوة من بين القوى الإسلامية الشيعية هو الأقرب إلى المشروع الوطني-العراقي، والأقل ابتعادا عن المشروع الديمقراطي، والأبعد عن التطرف، والأقل قربا من التشدد، والأكثر تحسسا من التدخل الإيراني، مع عدم تبرئة كل القياديين من ذلك.

 

أما الحزبان الكرديان، فبالإضافة إلى أن مشروعهما كان مشروعا كرديا-قوميا أكثر مما هو مشروع عراقي-وطني-ديمقراطي، وذلك من خلال أنهما تعلما الكثير من أخطائهما ومن مكتسباتهما، فتعلما من التجربة القاسية من تحالف لعلهما اضطرا إليه في فترة ما مع عدوهما وعدو الأكراد وعدو الشعب العراقي صدام، ومن ثم من التجربة القاسية لتقاتل أصحاب القضية العادلة الواحدة فيما بينهم، ثم من تجربة اعتماد مبدأ المناصفة الحزبية بينهما في كل شيء، مما نفهمه كضرورة مرحلية، ولكن مما لا يمكن قبول تحويله إلى سنة ثابتة، مما يشتمل عليه من تعارض مع مبادئ الديمقراطية، فهما إضافة إلى الأخطاء التي يمكن تحويلها إلى مادة درس وإثراء للتجربة يملكون رصيدا من تجربة طويلة نسبيا في إدارة كردستان بعيدا عن المركز، وذلك منذ عام 1992، كما ويمكن اعتبارهما الأقرب إلى المشروع الديمقراطي، والوطني بالنتيجة، حتى لو لم يكن ذلك من خلال أولوية عراقية المنطلق، بل وبسبب علمانيتهما، وبسبب تحالفهما التاريخي مع القوى الوطنية الديمقراطية العلمانية، لاسيما اليسارية منها، ومن خلال حقيقة أن نجاح المشروع الديمقراطي-العلماني هو الأقرب إلى القضية الوطنية العراقية، ولكن بشرط التخلص من الاستغراق في النزعة القومية، طبعا دون التخلي عن مواصلة ضمان الحقوق القومية، وكذلك التخلص من التحالف العرقي-الطائفي، أو القومي-الأصولي أي الكردي-الشيعي، الذي فرضته ربما ظروف مرحلية، والعودة إلى التحالف الاستراتيجي مع قوى الوسط الوطنية الديمقراطية، بقطع النظر عما إذا كانت خلفيتها إسلامية أو ماركسية أو ليبرالية أو قومية، وهنا لا بد من تفعيل دور كل الوطنيين والديمقراطيين والتنسيق فيما بينهم والتجميع لقواهم، بما في ذلك من شيوعيين ووطنيين-ديمقراطيين ووفاقيين وإسلاميين-ديمقراطيين، وديمقراطيين غير مؤدلجين. كما إننا وبالرغم من عدم إيماننا بالإسلام السياسي، ولكن عبر واقعية النظرة، نأمل أن يكون لحزب الدعوة الإسلامية وللحزب الإسلامي العراقي دور لتأكيد الاعتدال الإسلامي ونبذ الطائفية والاقتراب أكثر من أسس ومبادئ الديمقراطية التي لا تختزل في الانتخابات واستحقاقاتها، والابتعاد عن تسييس الدين. ومن لا يسعى لتحقيق هذا التحول ولا ينحى هذا المنحى، فسيتركه قطار المستقبل ولو بعد حين على رصيف محطة من محطات الطريق، إلا إذا انتصر التطرف الديني أو الطائفي أو القومي وسببا عطبا في قطار المستقبل العراقي، وحال بينه وبين مواصلة رحلة المستقبل هذه، أو قاده بالاتجاه المعاكس إلى الماضي، لا قدر الله.

 

وجدت أن من الموضوعية التاريخية تسجيل هذه الحقائق، وبيان وجوب احترام الرصيد النضالي للقوى السياسية والمكونات الاجتماعية للشعب العراقي، ولكن في نفس الوقت تأكيد حقيقة أن قيمة العطاء والتضحية والنضال تكون عراقيا بمقدار ما يكون كل ذلك من أجل القضية العراقية-الوطنية-الديمقراطية، دون نفي مشروعية النضال من أجل الحقوق الخاصة لأبناء قومية ما، أو أتباع مذهب ما، أو أهل دين ما، هذه المشروعية التي تنتهي عندما يختل ميزان الأولويات وتدفع إلى الخلف أولوية الهوية الوطنية وأولوية المشروع الديمقراطي، طبعا مع العمل من أجل الأهداف الوطنية الأخرى، وعلى رأسها تحقيق السيادة الوطنية، وتحقيق الأمن والسلام وتحقيق العدل الاجتماعي والرفاه الاجتماعي واللحاق بركب التقدم على جميع الأصعدة.

 

وإننا اليوم لنحتاج أشد ما نحتاج إلى تحديد الوجهة

  1. العراقية

  2. الوطنية

  3. الديمقراطية

  4. غير الطائفية

  5. غير العنصرية

  6. المعتدلة

  7. غير المُؤَدلـَجة

  8. غير المُسَيِّسة للدين

 

22/08/2007

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::