المسؤولون معذورون ديمقراطيا لعدم الالتفات إلى ضحايا كارثة الكرادة

 

 منذ يومين وضحايا كارثة الكرادة ينتظرون ثمة التفاتة من المسؤولين.

ولو زيارة، ولو ثمة وعد.

لكن بقي انتظار ذوي قتلى الكارثة المنكوبين، وبقي انتظار فاقدي السقف على رؤوسهم، أو الماكثين في بقايا جدران من مساكنهم، التي كانت تؤويهم من غير استجابة، من غير ردة فعل.

لا أتهم أحدا على وجه التحديد من المسؤولين، ممن هم في الحكومة، أو مجلس النواب. فمن غير شك أن فيهم من يعيش حرقة الألم، ولوعة الحزن، بمقدار قل، أو كثر، ومن هؤلاء من ليس بيده حيلة، ولعله كان سيحرك ساكنا، لو كان في يده من حيلة.

ولكن أكيدا ليسو كلهم أبرياء.

أكيدا ليسوا كلهم غير مدانين بالإهمال والتقصير.

دعونا نتكلم عن المهملين والمقصرين منهم، دون أن نقرر أن نسبتهم 90% ممن ذكرنا أو 50% أو 10%، ولكن الـ 10% ممن بيدهم الحل والربط كما يقولون.

دعونا نتكلم فقط عن المُقصِّرين والمُهمِلين، حتى لو كان شخصا واحدا.

هنا يجب أن نـُنصِف هذا المُقصِّر أو هؤلاء المُقصِّرين، وأعتذر إذ أني تكلمت سهوا عن ثمة إدانة وتحميل لثمة مسؤولية.

إن المقصرين والمهملين إنما قصروا وأهملوا تطبيقا لأساس مهم من أسس الديمقراطية.

أوليس نظام حكمنا في العراق ديمقراطيا؟

أولا تنص المادة الأولى من دستور جمهورية العراق: «جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي.»؟

وهذه الحالة التي تحدثنا عنها ما هي إلا نتاج طبيعي للديمقراطية.

ستسألون كيف؟

الجواب في غاية البساطة؟

نحن نعلم أن في النظام الديمقراطي من غير الممكن أن يتخذ الشعب بنفسه القرارات السياسية، أو يشرع القوانين، أو يعمل على حل مشاكل المجتمع.

في النظام الديمقراطي، هناك برلمان منتخب من قبل الشعب، وأعضاؤه يمثلون الشعب في اتخاذ القرارات التشريعية والقيام بالمهام الرقابية.

ومن هذا البرلمان تنبثق حكومة، هي الأخرى تقوم بالأعمال التنفيذية نيابة عن الشعب، باعتبارها تمثله، بحكم انبثاقها من برلمان منتخب ديمقراطيا من قبل الشعب.

قد يسأل سائل وما علاقة كل ذلك بكارثة الكرادة، وبكل ما يعيشه الشعب من ضيم وقهر، من انعدام الأمن، وانعدام الخدمات، وسوء الحالة المعاشية، وغياب الرفاهية والحياة الكريمة؟

تماما كم قلنا بأن هناك مهام تشريعية وتنفيذية، لا تعني الديمقراطية أن بالإمكان أن تزاول مباشرة من قبل الشعب، بل لا بد أن يزاولها نيابة عنه ممثلوه الذين انتخبهم ديمقراطيا. بنفس الطريقة نفسر بأنه بما انه ليس بالإمكان أن يعيش كل الشعب برفاهية ويتمتع كله برغد العيش، ويستمتع كله بالخدمات الضرورية والأمن، فإن المسؤولين بوصفهم ممثلين شرعيين عن الشعب، ومنتخبين منه انتخابا ديمقراطيا، هم الذين يمثلون الشعب في كل ذلك، وينوبون عنه بالتمتع بالعيش الرغيد، والرواتب الفخمة، وتوفر الأمن، وكل الخدمات من كهرباء وماء وتبريد وسائر الخدمات والاحتياجات الحياتية الضرورية، بل وحتى الكمالية، وما بعد الكمالية.

إذن مطالب الشعب ملباة كلها وبلا استثناء وأعلى المستويات، من قبل ممثليه الذين انتخبهم ديمقراطيا، ملباة من قبل ممثليه ولممثليه، ذلك نيابة عنه وتمثيلا له. إذن فلينعم الشعب، ولينم رغدا في الحر القاتل، من غير كهرباء، وانعدام أبسط متطلبات الحياة الإنسانية الكريمة، وعليه ألا يبتئس، لأن كل ما يتطلع إليه متحقق في حياة ممثليه، وبأفضل ما يكون عليه التحقق، ولهذا انتخبهم. وهكذا هي الديمقراطية.

والآن من التهكم الذي يعبر عن الحيرة والحزن والأسى إلى الجد:

هل فعلا ليس هناك مسؤول عن كل مآسي شعبنا؟

هل فعلا كل هذه الكوارث وهذا الإهمال هو قصور إجباري من غير عمد ولا أي تقصير؟

وهل إذا كان بعض المسؤولين وبعض النواب لا يتحملون مسؤولية كل ذلك، فهل من المعقول أن ليس هناك أي مسؤول يتحمل مسؤولية كل هذه الحالة الكارثية؟

هل فعلا ليس هناك أي مسؤول عن إهمال ضحايا كارثة الكرادة؟

أهذا الذي كان ينتظره العراقيون من زوال كابوس الديكتاتورية الصدامية من على صدورهم؟

أم يراد أن يُتـَرَحَّم على زمن الديكتاتورية، حتى يطالب الشعب بأن يوضع تمثال لجلادهم القبور، تخليدا له، واشتياقا إلى جحيمه، لأنها كانت جحيما أرحم من جحيم زمن الديمقراطية؟

لا ندين أحدا.

بل نطرح تساؤلات، أظنها مشروعة.

مجرد تساؤلات؟؟؟

 

30/07/2007

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::