المجد للمعموري والخزي لقتلته والشكر للشطري وسائر الأقلام الشريفة

 عندما شاهدت التشييع الشعبي الجماهيري المهيب لأهل الحلة الأوفياء سارعت لأكتب مقالتي «هل تشييع المعموري رسالة إلى الإسلاميين؟»، ولم أكن أعرف الكثير عن هذا الرجل العظيم، حتى قرأت مقالات الكاتب طالب الشطري صاحب القلم العراقي، كما وقرأت ما كتبه مشكورين كل من السادة سامي علي ونوار الحلي ود. فواز الفواز، اعتملت في داخلي مشاعر متمازجة ومتداخلة من الحزن على فقد هذا البطل الوطني الشجاع، والغضب على قتلته ومن يقف وراءهم من دولة إقليمية حاقدة على العراق والعراقيين، والإجلال لهذا البطل الكبير، والإعجاب بما جادت به أقلام الشطري وسائر الكتاب ممن ذكرت ومن لم أذكر، والأسف على العراق أن يفقد المخلصين كالمعموري ومن قبل ثامر العامري، وتبقى الحثالات الملفوظة لتعيث في العراق فسادا.

 

أيها الحليون .. قد عبرتم بهذا التشييع الرائع لفقيدكم عن وفائكم له، وعن غضبكم ضد قتلته، وعن رفضكم لكل القوى السياسية التي وقف الشهيد البطل المعموري في وجهها، والتي إلم تكن أو لم تكن كلها وراء قتله، فهي من غير شك المستفيدة من قتل المعموري والمتشفية بذلك والمتنفسة الصعداء، لا جعلهم الله يتنفسون طويلا وهم يخربون العراق ويدمرون مستقبلنا وأحلامنا التي انبعثت بعد خلاص العراقيين من أعتى ديكتاتور، ولم يحسب أحد منهم، إن من بعد صدام سيكون ما هو أسوء من عهد صدام.

 

غدا سنتخلص وسيتخلص العراقيون من هذه العصابات، وغدا سننصب للمعموري نصبين كبيرين، أحدهما في مدينته التي حماها وخدمها وأحب أهلها وأحبوه، وآخر في العاصمة بغداد، لأنه حقا رمز كبير من رموز الوطنية في هذا العهد الذي قل فيه الشجعان مثله.

 

هل تشييع المعموري رسالة إلى الإسلاميين؟

ما زال يلف الغموض مقتل قائد شرطة بابل الشهيد اللواء قيس المعموري. ومن غير المناسب أن يطلق المرء العنان لتخميناته، ناهيك عن اتهاماته إلى من يمكن أن يقف وراء مقتل الفقيد الذي عرف بشجاعته وجرأته.

 

لكن الذي يلفت النظر أن مقتل المعموري جاء مباشرة بعد الأزمة التي حصلت بينه وبين أحزاب الإسلام السياسي الشيعية في الحلة، وذلك عندما قام بخطوة جريئة بإغلاق مقرات الأحزاب الإسلامية (المجلس والدعوة و...) بسبب التجاوزات القانونية كما بين الفقيد. وسرعان ما جاءت الأخبار بنقل المعموري من قيادة شرطة الحلة إلى منصب مستشار أمني لرئيس الوزراء، والذي فسره البعض إبعادا له كعقوبة لموقفه من الأحزاب الإسلامية، أو ليتخلص رئيس الوزراء من الحرج أمام حزبه والحزب الحليف (المجلس)، والبعض فسره على أنه تكريم وترفيع، وهو تفسير من الصعب قبوله.

 

ثم سرعان ما جرى تصفية قائد الشرطة الذي عبر عن بطولته مرتين، مرة في تحدي قرار الطاغية صدام في قصف الانتفاضة الآذرية عام 1991، ومرة ثانية عندما اتخذ الإجراءات اللازمة تجاه ما شخص فيه تجاوزا قانونيا بتحدي أحزاب السلطة الحالية. ومن الممكن جدا أن يكون هذا التوقيت في مقتله لم يكن إلا من قبيل الصدفة.

 

ولكني هنا لست بصدد تحليل من يمكن أن يكون وراء مقتل قائد الشرطة الشجاع المعموري رحمه الله، بقدر ما أردت أن أشير إلى الظاهرة النادرة في تحول تشييع رسمي إلى تشييع جماهيري، بالرغم من أن المعموري لم يكن لا شخصية سياسية ولا رمزا دينيا ولا زعيما عشائريا. وهنا أيضا يمكن تفسير هذا التشييع الجماهيري الذي عبر فيه المشيعون من أهالي الحلة عن حبهم لقائد شرطتهم وحزنهم عليه، بأنه جاء تعبيرا عن استشعار الجماهير الحلية للخدمات الأمنية الجليلة التي قدمها لهم المعموري. ولكن وبسبب القرب الزمني المباشر بين إجراءاته ضد مقرات الأحزاب الإسلامية، وما تبعه من لغط وإجراء، لا يمكن اعتبار الاحتمال إلا قويا وراجحا، بتفسير ذلك على أنه رسالة من جماهير الحلة ذات الأكثرية الشيعية إلى أحزاب الإسلام السياسي الشيعية وإلى المرجعية التي دعمت هذه الأحزاب في الانتخابات لمرتين، لتقول لهذه الأحزاب، إن الجماهير التي انتخبتكم لم تعد تؤيدكم، بل هي نادمة على انتخابكم وعاتبة على من دعمكم ودفع الجماهير إلى التصويت لكم، وهي الآن معارضة لكم من خلال هذا التشييع المهيب لقائد شرطتها الذي جرأ على اتخاذ الموقف الصارم تجاه مقرات أحزابكم، عندما رأى منها عدم احترامها للقانون، إذا صح خبر التجاوزات. لا أستطيع طبعا أن أجزم في هذا التحليل والاستنتاج، لأن الجزم من غير دليل ملموس مخالف للموضوعية، ولكني أتصور إن الظاهرة تحتاج إلى وقفة تأمل، لاسيما إننا نعلم أن جماهير محافظات الجنوب والوسط لم تعد على ولائها لمن انتخبتهم.

 

وهنا قد يقول قائل لم هذه المواقف المتشنجة تجاه أحزاب الحكومة من الائتلافيين، في الوقت الذي يشهد القاصي والداني على تحقيق نجاحات لا يمكن غض الطرف عنها في الجانب الأمني على أقل تقدير، مع وجود خطوات تبدو جادة نحو إنجاح المصالحة الوطنية. أقول إننا نثمن هذه النجاحات ونؤيدها من جهة، فحتى الأنظمة المستبدة يمكن أن تحقق بعض النجاحات النافعة لشعوبها دون أن أريد نعت الحكومة الحالية بأنها مصداق للأنظمة المستبدة، لكني أريد القول تحقيق بعض النجاح وتثميننا له وتأييدنا لمن يحققه، هذا كله لا يبرئ الإسلاميين من كل سوء الإدارة، فما زالت بعض هذه الأحزاب أحزابا ميليشياوية، إضافة إلى ما يجري على أيدي رموزها بل قادة البعض منها من فساد إداري ومالي وسرقات فاضحة لثروة البلد وموارده الكبرى، إضافة إلى عمالة بعضهم للاطلاعات الإيرانية التي تسهم في تدمير العراق، وبعضها ينسق مع الإيرانيين على نحو ما وبدرجة ما دون مرتبة العمالة، وبعضها ساكت عن عبث الإيرانيين وتخريبهم، إضافة إلى كل ما أضر بعملية التحول الديمقراطي من تسييس الدين، وتسييس المذهب، والمتاجرة بالمرجعية والمقدسات الدينية، وقمع الحريات الثقافية والسياسية والاجتماعية باسم الدين، وفسح المجال للمعممين الجهلة بشؤون السياسة للهيمنة على المشهد السياسي، وغيرها من مصاديق الإفساد في الأرض وسفك الدماء من قبل البعض منهم. وإني أعلم علم اليقين بأن كثيرين من هذا الوسط للإسلام السياسي يتفق معي كليا أو بدرجة كبير جدا، ولطالما تصلني أخبار تعبر عن ذلك التأييد، ولكن هذا يحتاج إلى موقف شجاع من قبل العقلاء والوطنيين من الإسلاميين لينتزعوا أنفسهم من هذا الوسط الذي أساء للدين والوطن، ويقفوا مع القيم ومع الوطن ومع الشعب، بدلا من استصحابهم الاصطفاف مع أحزابهم البائسة. هذه صرخة في ضمائر العقلاء والمعتدلين والنزهاء والوطنيين والطيبين منهم: كونوا شجعانا مرة واحدة، واتخذوا موقف المعارضة من كل هذا البؤس السياسي، والكارثة التي حلت بالوطن والدين.

 

10/12/2007

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::