الانهماك في العمل السياسي المباشر بعيدا عن الأضواء الإعلامية، ومن غير ثمرة ملموسة لحد الآن لهذا العمل، الذي نقوم به منذ بداية 2009، هذا الانهماك وشبه التفرغ، جعلني أغيب عن عالم الكتابة، أو لا يكون لي حضور إلا بشكل نادر جدا، قياسا بغزارة الكتابة التي عرفت بها في فترات سابقة. وحتى الظهور الإعلامي أصبح شحيحا، وذكرت لنا أسباب لاتخاذ بعض الفضائيات التي كانت تستضيفني شخصيا بكثافة لثمة موقف بضغط أو شراء، لا أريد ذكرها، والجهات المؤثرة عليها، أو على بعض الماسكين بالقرار فيها. على أي حال لا أريد أن أرهق القارئ في بيان أسباب كل ذلك، ولكن أقول إن مقالة الصديق الأستاذ حميد الكفائي تحت عنوان «كم ستختلف الخريطة السياسية العراقية بعد زمن قصير؟» قد استفزتني لأكتب هذه المقالة، التي عنونتها بعنوان مشابه، ألا هو «كم سنسهم في تغيير الخارطة السياسية؟»، وأعني بنون «نسهم»، وضمير الفاعل المستتر الذي تقديره «نحن»، القوى الوطنية الديمقراطية العلمانية. قلت «الوطنية»، أي غير المتخندقة في خندق شيعي، أو سني، أو كردي، أو عربي، بل ذات المشروع العراقي المؤمن بالمواطنة، دون اختزال العراق في طائفة، أو عرق. وقلت «الديمقراطية»، بمعنى المؤمنة بالديمقراطية إيمانا راسخا، والباذل بعضها حقا أقصى الجهد ليكون أداؤه السياسي على جميع الأصعدة ديمقراطيا، كما ندعيه لأنفسنا في الائتلاف الديمقراطي، وليست من راكبي موجة الديمقراطية. وقلت «العلمانية»، أي غير المعتمدة لما يسمى بالإسلام السياسي، أو المستخدمة للدين جسرا إلى السلطة، وإن حاولت قوى التطرف أن تشوه معنى العلمانية بتصويره كفرا ومناوءة للدين، بينما هي - ويعرف خصومها - تمثل أقصى درجات الاحترام والحيادية قبال الدين، وقبال كل العقائد. ولم أقل «الليبرالية»، رغم كوننا ليبراليين، لأن المساحة المشتركة الأوسع تتطلب قدرا أكبر من المرونة فيما هي المشتركات، بحيث نقتصر على الأسس الثلاثة الأولى: «الوطنية»، و«الديمقراطية»، و«العلمانية»، دون الأساس الرابع الذي هو «الليبرالية»، من الأسس الأربعة التي ثبتناها لأنفسنا في «الائتلاف الديمقراطي»، لأننا نشمل في مشروع جمع القوى الوطنية الديمقراطية العلمانية، أو قل المدنية، حتى قوى اليسار الديمقراطية، والقوى القومية العربية المعتدلة، والقوى الكردية الديمقراطية، ولعلها الليبرالية ذات النفَس العراقي.
نعم السؤال ماذا سنقدم نحن من إسهام في تغيير الخارطة السياسية، هذا التغيير الذي هيأت الجماهير الأرضية الخصبة له، لترى كم سنستشعر مسؤوليتنا التاريخية لاستثمار هذه الأرضية وهذا المناخ الشعبيين لغرس نبتة الديمقراطية، كي تثمر لغد واعد. وقد شخص الصديق العزيز حميد الكفائي مكمن ضعفنا بقوله «هذا التكتل [أي الائتلاف الديمقراطي] يفتقر إلى أهم مقومات البقاء، ألا وهو التمويل، فالنزاهة والكفاءة والوضوح السياسي وحدها لا تكفي، وما لم يحصل على التمويل الذي يمكنه من تنظيم نفسه وطرح أفكاره وبرامجه بوضوح عبر دعاية انتخابية تصل بقوة إلى الجماهير، فإن أفضل السبل المتاحة أمامه هو الانضمام إلى تحالف علاوي-المطلق، باعتباره الأقرب إليه فكرياً، أو ائتلاف دولة القانون بقيادة المالكي الذي تبنى خطاباً مدنياً في الانتخابات السابقة». إلى هنا انتهى النص الذي اقتبسته من مقالة الصديق الكفائي، وقد كتب مشكورا الصديق الدكتور كاظم حبيب سلسلة من مقالات مهمة بهذا الصدد، لا بد من تثمينها، وتمني استجابة المعنيين للنداءات المتتالية الموجهة منه عبرها.
والخياران اللذان ذكرهما حميد الكفائي هما فعلا من الخيارات التي ناقشناها، ولكن بالنسبة لعلاوي، فمساره لحد الآن غير واضح، فهناك أكثر من إشارة تقرب – مستغرب إن صح – من تيارات، لا يمكن لنا في الائتلاف الديمقراطي أن نلتقي معها، من تيارات الإسلام السياسي والطائفية السياسية، وكذلك أكثر من إشارة للدولة الإقليمية الحاضنة للإسلام السياسي والتشيع السياسي، وكذلك للمؤسسة الدينية التي كانت أو بدت راعية لهما. ثم إن أبرز الشخصيات في القائمة الوطنية العراقية قد تركتها، مثل أياد جمال الدين وعزت الشابندر ومهدي الحافظ وصفية السهيل وخير الله البصري، علاوة على الحزب الشيوعي، وأسامة النجيفي. مع هذا نقول إن العراقية كانت الأقرب إلى توجهاتنا، وإلم يكن ذلك على نحو المطابقة أو المقاربة الشديدة. وأما المالكي، فلو اعتمد حقا المشروع الوطني المدني، وحسم أمره بعدم التحالف حتى بعد الانتخابات مع قائمة الائتلاف الوطني العراقي (العراقي الموحد سابقا)، كما بعثت من رموزه أكثر من رسالة بهذا الاتجاه، لكان من الممكن أن يكون الخيار الذي يمكن الدخول في حوار معه. مع هذا فإن الباب أمام هذا الحوار ما زال مفتوحا بالنسبة لنا، ما لم يعرض المالكي نفسه عنا، إذ يقال دائما، ولا ندري مدى صحة ذلك، إنه لا يبحث عن كيانات ومشاريع وكتل، بل عن أشخاص يضفي بهم على قائمته لونا علمانيا هنا، وآخر سنيا هناك. وتصريح حيدر العبادي مؤخرا يشتمل على مؤشر سلبي من جهة، وآخر إيجابي من جهة أخرى، السلبي أو الرافض، هو إن حزب الدعوة يرفض أن يكون مجرد جسر لبعض القوى للعبور إلى البرلمان، والإيجابي هو استثناؤه بالبحث عن مشتركات، وأهم مشترك بالنسبة لنا هو اعتماد الاتجاه الديمقراطي الوطني المدني، وحسم الانفصال عن مشروعي تسييس الدين واعتماد الطائفية السياسية.
لكن هذه ليست كل خياراتنا. فأمامنا خيار آخر، وهو ما نعمل مع أطراف أخرى جادين من أجل تحقيقه، ألا هو خيار تحشيد جميع القوى البعيدة عن تسييس الدين والتخندقات الطائفية والتطرف، والنظيفة من دماء العراقيين ومن المال العام.
فلو استطعنا نحن الائتلاف الديمقراطي بالقوى والشخصيات المتشكل منها، وقوى (مدنيون) وهي (الحزب الشيوعي، الحزب الوطني الديمقراطي، الحركة الاشتراكية العربية)، مضافا إليها (الحزب الوطني الديمقراطي الأول)، والمجموعة التي فارقت القائمة الوطنية العراقية (أياد جمال الدين، عزت الشابندر، مهدي الحافظ، خير الله البصري)، والحزب الدستوري، وحزب الدولة، وحزب الأمة العراقية، وكذلك صحوة الأنبار، وقائمة الحدباء، وحركة التغيير (نوشيروان مصطفى)، فإننا سنكون قد شكلنا الكتلة الثالثة، أو قل الرابعة، في حال شكل سوية أياد علاوي وصالح المطلگ قائمتهما، مع قدر من الإمكانات ومنابع التمويل، لا تكون بالضرورة بحجم الإمكانات لتلك الأحزاب التي يملك بعضها ميزانية دولة، إذ تذكر أرقام شبه خيالية لحملتها الانتخابية، حيث انتشر أن أحدها استلم مبلغ مئة وخمسين مليون دولار، إضافة إلى الإمكانات الموارد الهائلة التي يملكها، والتي توفرت له بعد 2003، بل لو حصلنا إلى ما هو أقل بكثير من العشرة بالمئة مما لديها، لحققنا الكثير.
أتصور ويتصور غيري أننا إذا حققنا تشكيل هذه الكتلة البرلمانية، فلن نكون بحاجة للدخول في إحدى القوائم الكبيرة، كقائمة ائتلاف دولة القانون، أو قائمة علاوي، أو تحالف علاوي/المطلگ، بل سيكون كل من هؤلاء مرشحين للتحالف، أو قل الحوار، المابعدي، أي التحالف البرلماني، وليس الانتخابي بالضرورة.
وللعلم إن بعضا ممن ذكر كان من المخاطبين من قبلنا، ومنهم من أوائل المخاطبين للمشاركة في تشكيل (الائتلاف الديمقراطي)، ومنهم من أسهم في التأسيس، ومنهم من جاء لاحقا، ولكن كان لكل منهم أسبابه في عدم المواصلة معنا، رغم عدم وجود خلاف فكري بيننا وإياهم، ومع هذا بقينا نعتبرهم أصدقاءنا وحلفاءنا السياسيين، ونعاملهم ويعاملوننا على هذا النحو.
وعلى النحو العام فإننا على تواصل وزيارات متبادلة وحوار إيجابي، مبادرين تارة، ومستجيبين أخرى، مع الحزب الشيوعي، ومع الحزبين الوطني الديمقراطي، والحزب الدستوري، وحزب الدولة، وأحرار، وحركة التغيير، وكانت لنا لقاءات مهمة مع نوشيروان مصطفى، وحميد مجيد موسى وعدد من أعضاء اللجنة المركزية للحزب، ومع أياد جمال الدين، ومن قبل مع نصير الجادرجي، ومجيد الحاج حمود، كما كانت لي شخصيا زيارة لأياد علاوي، ولقاءات وزيارات وحوارات أخرى. وما زالت حركة التواصل والحوار قائمة، وبعضها فاعل ومؤمل فيه أن يكون مثمرا.
ربما سيسمع المواطن قريبا، وذلك في وقت أقصاه نهاية تشرين الأول، أو مطلع تشرين الثاني، عن ولادة الكتلة الثالثة، أو الرابعة، ولا أعني بذلك من حيث الترتيب في القوة والحجم، وإنما كرقم ضمن الكتل المهمة، والمؤثرة، إيجابا أو سلبا، رغم إن الإمكانات لن تكون متكافئة ولا بالحد الأدنى، لكنن نعول على الوعي المستجد والمتنامي للناخب العراقي، وإقباله وعدم عزوفه، ولا أقصد بالناخب الحاسم لخياره باتجاه آخر، حتى لو كان باتجاه الائتلاف الوطني العراقي، بل الناخب الذي يبحث عن البديل الوطني الديمقراطي، وعلى تحلي القوى السياسية المعنية بالقدر الكافي من الجدية، والإيثار، وتقديم المشروع الوطني على الحسابات الحزبية والفئوية والشخصية، والتعجيل بحسم القرار واتخاذ الخطوات الحاسمة، والابتعاد عن المحاصصات، والأنانيات، بل اعتماد المعايير الوطنية، من كفاءة، ونزاهة، ومقبولية، وإيمان بالوطن، والوطنية، والمواطنة، والديمقراطية الحقة، دون أن يعني اتهام أحد بعدم التحلي بكل ذلك، بل هي دعوة لترتيب الأولويات، وتفعيل الحوارات، واتخاذ الخطوات الإجرائية السريعة نحو مشروع الإنقاذ، من أجل غد ديمقراطي، يحقق للإنسان العراقي الرفاه والتقدم، والأمن والسلام، والحرية الحقة على الصعيد السياسي، والفكري، والديني، والثقافي، والاجتماعي، والشخصي، وتتحقق فيه الكرامة الإنسانية بكل أبعادها.
27/09/2009
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::