ثمة كلمة في عقيدة المصالحة
كثر الكلام مجددا في الآونة الأخيرة عن المصالحة، ومع من تكون المصالحة، وعن المصالحة مع البعثيين، وأي بعثيين، هل هم بعثيوا داخل ما قبل التغيير وبالتالي بعثيوا خارج ما بعد التغيير، أم هم بعثيوا البعث اليساري السوري، كما يصطلح عليه، وهل المجرمون مشمولون أم مستثنَون من المصالحة. ثم ما إذا تشمل المصالحة كل حملة السلاح مما يسمى بالمقاومة، وغير المقاومة من جيوش وميليشيات تنسب نفسها إلى السماء، أو إلى رجال السماء، أو إلى رسالات السماء. ثم جرى حسب المشهد الطافح على سطح المشهد السياسي ما يشبه التنافس بين حزب الدعوة ممثلا برئيس الوزراء والمجلس الأعلى ممثلا بالنائب الثاني لرئيس الجمهورية على كسب ود هذا أو ذاك الجناح من جناحي البعث، فكأن الأول أراد كسب أو تحييد أو استيعاب جناح البعث العراقي، لأنه هو المعني أكثر بالتأثير على الوضع الأمني، وله ثمة امتداد في ثمة أوساط شعبية عراقية، بينما عوّل الثاني على جناح البعث السوري، مزايدة بالالتزام الدستوري، لأن هذا الجناح غير مشمول بمصطلح (البعث الصدامي) الوارد في مادة الحظر الدستورية، ولأن النظام السوري كان يمثل الحليف السياسي الثاني بالمرتبة للمجلس الأعلى بعد إيران في سنوات معارضة المهجر.
أين تكمن المشكلة مع البعثيين، ومع حزب البعث يا ترى؟ قد يبدو السؤال لكثيرين ساذجا لبداهة الجواب عندهم، ولعله عندي أيضا. وعندما نتكلم عن البعثيين الذين لدينا معهم مشكلة، فبلا شك نعني من كان جزءً من النظام الديكتاتوري السابق بكل دمويته، وبشكل خاص من كان مع النظام عن قناعة ومن غير اضطرار، ومن قرن هذه المعية بمعية الجريمة، يعني من كان مسؤولا عن القتل والتعذيب، أو من ما زال يبرر جرائم النظام السابق ويشرعنها، وبالتالي يتبنى ضمنا تكرارها لو سنحت له الفرصة. وبقطع النظر عن ملاحظاتنا التي نسجلها على قانون اجتثاث البعث، فإن جوهر الفكرة التي انطلق منه القانون هي فكرة سليمة، لانسجامها مع مبادئ الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان والمبادئ الوطنية.
ولكن إذا وضعنا مبررات ذلك، فهي مبررات ليس خاصة بالمجرمين من البعثيين، بل بكل من مارس نفس الممارسات، من قتل وتعذيب وسلب لأمن الناس وتضييق على الحريات. فهناك أطراف كانت معارضة لنظام صدام، ودخلت بعد التغيير في العملية السياسية وتبوأت مواقع في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وجدنا أنها مارست نفس ممارسات ذلك النوع من البعثيين، ممن ينبغي أن يُشمَلوا باستبعادهم عن المواقع السياسية، والحذر منهم أن يكرروا جرائمهم أو يهددوا مشروع التحول الديمقراطي. فمن القوى المعارضة آنذاك لصدام ولحقبة الحكم البعثي، من مارس القتل والتعذيب والإعدام بمحاكمات صورية، أو حتى بدون محاكمة، ومصادرة حريات الناس فيما يفكرون وما يمارسون في شؤونهم الشخصية الخاصة بهم.
من هنا فإن قرار الاجتثاث والاستبعاد، أو قرار المصالحة والإشراك في العملية السياسية لا ينبغي أن يتخذ تجاه أطراف على وجه التحديد، بل تجاه جميع من تنطبق عليه مبررات هذا أو ذاك القرار، سلبا أو إيجابا.
وفي كل الأحوال إذا شُخِّصت مصلحة وطنية في إجراء مصالحة مع غير المجرمين من البعثيين، فلا بد من إزالة العقبة الدستورية أمام هكذا قرار، وتوفير الأرضية الدستورية لذلك، وإلا فمخالفة الدستور حتى تحقيقا لمصلحة وطنية ما يجب أن يمثل خطا أحمر لا يجوز بأي حال تجاوزه، لأن هذا الخرق الدستوري إذا ما حصل وبأي مبرر كان سيكون سابقة خطيرة تؤسس لمنهج هو من مناهج النظم الديكتاتورية.
فنحن أمام مادة دستورية هي السابعة من دستور 2005 لجمهورية العراق، هذا نصها:
أولا: يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو العنف أو التكفير أو التطهير الطائفي، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، كما ويحظر مزاولة الترويج أو التمجيد أو التبرير أو التمهيد أو التحريض عليه، وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن التعددية السياسية، وينظم ذلك بقانون.
ومقترح التعديل الذي طرحته على صفحة نسماء لما أسميته بدستور 2025، يجعل النص، الذي نأمل أن يعتمد في بداية الدورة النيابية القادمة، أي في عام 2010، وليس في عام 2025 الذي آمل أن تنجز فيه كل التعديلات المطلوبة للدولة المدنية، أو التي أسميها بالعلمانية، أي التي تفصل بين الدين والدولة، حيث تضمن الدولة احترام الدين من جهة، وتحظر من جهة أخرى تدخل المؤسسة الدينية في الشأن السياسي، وتحول دون تسييس الدين، واستخدامه جسرا للسلطة وأداة لمصادرة الحريات والمس بحقوق المواطنة. أرجع إلى مادتنا السابعة والتي اقترح مشروع التعديل على نسماء أن تكون على وفق النص الآتي:
أولا: يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو العنف أو التكفير أو التطهير الطائفي أو الديني أو العرقي، أو التضييق على حرية الرأي والفكر والعقيدة وحرية التعبير عن أي منها، بما في ذلك الفكر المنتمي لعهد الديكتاتورية البائد، أو مناهج تسييس الدين أو المذهب، أو كل ما يهدد الأساسين الديمقراطي والعلماني، كما ويحظر مزاولة الترويج أو التمجيد أو التبرير أو التمهيد لأي مما ذكر، أو التحريض عليه، وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن يُبرَّر أي من ذلك بـِعَدِّه من التعددية السياسية، كما لا يجوز تأسيس كيانات سياسية على أساس ديني أو مذهبي أو قومي، ويستثنى إقليم كردستان من حظر الأحزاب القومية للسنوات العشر الأوَل بعد إقرار هذا الدستور، كما تستثنى المكونات الدينية والقومية الصغيرة، حماية لهويتها من الانصهار، وينظم ذلك بقانون.
ولتناول المقترح إضافته إلى نص المادة، ونبين مبرراته من بعد ذلك. المقترح إضافته هو الآتي:
- أو الديني أو العرقي
السبب: لأن هناك ثلاث أنواع من التطهير قد مورست أثناء الحقبة الصدامية، وكذلك بعد 2003 على يد ميليشيات وقوى سياسية، وهو التطهير الطائفي (سني شيعي)، ولكن أيضا التطهير الديني تجاه الأقليات الدينية (المسيحية والمندائية)، والعرقي تجاه أقليات قومية وعمليات تعريب على حساب الكرد والتركمان، أو تكريد على حساب العرب والتركمان والآشوريين، وكل هذه الأنواع من التطهير يجب أن يكون محظورا دستوريا.
- أو التضييق على حرية الرأي والفكر والاعتقاد، وعلى حرية التعبير عن أي منها
السبب: هذه أيضا واحدة من الخروقات للحريات الدستورية التي مارسها النظام السابق، كما ومارستها أحزاب وميليشيات بعد 2003.
- أو مناهج تسييس الدين أو المذهب
السبب: الإسلام السياسي والطائفية السياسية من قوى سياسية شيعية وسنية مما مورس بعد 2003 كان من أشد ما هدد ولعله ما زال يهدد المشروع الديمقراطي والأمن المجتمعي والوئام الوطني.
- أو كل ما يهدد الأساسين الديمقراطي والعلماني
السبب: من الممكن أن تستجد لا قدر الله ظواهر وممارسات تهدد الأساس الديمقراطي للعراق، وبالتالي لا بد من تعميم الحظر على كل ما يهدد الأساس الديمقراطي، مما نطمح أن يُثبَّت عاجلا، ثم نتطلع إلى إضافة الأساس العلماني عندما يثبت هذا الأساس كما نأمل لغاية 2025 كأقصى سقف زمني، لأن العلمانية هي الضامنة الحقيقية للديمقراطية والحافظة لحرمة وقدسية الدين.
- كما لا يجوز تأسيس كيانات سياسية على أساس ديني أو مذهبي أو قومي
السبب: لأن انقسام الأحزاب إلى سنية وشيعية، أو تأسيسها على أرضية دينية، أو انقسامها إلى عربية وكردية وإلى غير ذلك، لا ينسجم مع روح الديمقراطية وأساس التعددية السياسية، ومع مبدأ حاكمية الأكثرية، بمعنى الأكثرية السياسية، وليس الأكثرية المذهبية أو الدينية أو القومية، مع احترام حقوق الأقليات بكل معانيها السياسية والثقافية والدينية والإثنية.
- ويستثنى إقليم كردستان من حظر الأحزاب القومية للسنوات العشر الأوَل بعد إقرار هذا الدستور
السبب: صحيح إن الأكراد بعد ضمان حقوقهم القومية لم يعودوا بحاجة إلى أحزاب قومية كردية، كما لا يحتاج العرب إلى أحزاب مغلقة للعرب دون بقية العراقيين، ومن قبيل الأولى لا نحتاج إلى حزب للشيعة وآخر للسنة أو حتى إلى حزب خاص بالمسلمين. مع هذا يمكن أن نضع سقفا زمنيا لإنهاء ظاهرة وجود الأحزاب على أساس قومي كردي، حتى يتخلص الأكراد من أزمة الثقة بعرب العراق، وتكون المعايير السائدة هي معايير المواطنة والوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وسيكون حاصل تحصيل أن يتشكل أعضاء أي حزب عراقي في المنطقة ذات الأكثرية القومية أو الدينية أو المذهبية من ذلك المكون على الأعم الأغلب دون إغلاق باب الانتماء أمام المكونات الأخرى، ومع ترشد وتجذر الديمقراطية سنجد أننا لا يهمنا من يتبوأ هذا الموقع أو ذاك في الدولة والأحزاب، وليكن رئيسنا آشوريا أو من أي مكون ديني أو قومي صغير، ما زال ذلك يمثل خيار الشعب وفقا لآليات الديمقراطية، وعبر تجذر الوعي الوطني والإنساني المتجاوز لكل الأطر والتخندقات.
- كما تستثنى المكونات الدينية والقومية الصغيرة، حماية لهويتها من الانصهار
السبب: لأن من حق المكونات الصغيرة أن تخشى من محاولات صهرها في بوتقات المكونات الكبيرة القادرة على ابتلاعها، أو اضطرارها إلى الجلاء عن وطن أجدادها، من هنا لا بد من استثناء لهذه المكونات الصغيرة لتحمي نفسها من ذلك، لغاية أن تشعر بالاطمئنان على هويتها الخاصة تمام الاطمئنان، وعلى مواطنتيها المتساوية في الحقوق والمتكافئة في الفرص تمام المساواة والتكافؤ.
أما الذي اقترحنا حذفه من المادة فهي عبارة:
وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه
فالدستور لا يجب ان يسمي الأطراف المشمولة بالحظر، بل يكفي أن يثبت مبررات الحظر من فكر وممارسة، وسيتساوى العراقيون إيجابا وسلبا تمتعا بالحقوق وحرمانا منها على ضوء أرضية دستورية، فالبعثي والإسلامي المتطرف والشيعي الطائفي أو السني الطائفي، والشوفيني العربي أو الشوفيني الكردي، سيكونون مشمولين بالحظر إذا انطبقت عليهم أسباب الحظر الدستوري، وكلهم أي بما فيهم البعثي سيتساوون بالتمتع بالحقوق، ومنها حق المشاركة في الحياة السياسية، إذا لم يكن هناك مانع دستوري.
نعم هناك ربما ثمة خصوصية لممارسات الحقبة الصدامية بسبب التجربة القاسية جدا والمعاناة الاستثنائية التي مر بها الشعب العراقي، من هنا يطرح المقترح الاستعاضة عن نص «وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه» بنص «بما في ذلك الفكر المنتمي لعهد الديكتاتورية البائد»، فجعلت عبارة «بما في ذلك» بديلا عن عبارة «وبخاصة»، كما تكون عبارة «الفكر المنتمي لعهد الديكتاتورية البائد» بديلا عن عبارة «البعث الصدامي في العراق ورموزه».
النص البديل أو المعدل المقترح للمادة السابعة جاء على ضوء ما أثبتت ضرورته تجربة ما بعد التاسع من نيسان عام 2003، علاوة على ما يعتبر منها ضمانات إضافية لحماية علمانية وديمقراطية الدولة، وتحقيقا للمصالحة الوطنية.
إذن القضية ليست قضية بعث وبعثيين على وجه التحديد، وإنما هي قضية معايير دستورية ثابتة وشاملة وعامة، يتساوى الجميع في تطبيقها له الجميع حقا، أو عليه حظرا، فالدستور يحدد المفهوم دون المصداق، والسلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) كل بحسب اختصاصها تطبق المفهوم على مصاديقه في الواقع، والمحكمة الدستورية الاتحادية العليا، هي صاحبة الكلمة الفصل عند الاختلاف في تفسير النص الدستوري أو سوء تطبيقه.
هذه رؤية يمكن أن تجري مناقشتها وتنضيجها وإثراؤها.
بغداد 20/03/2009
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::