الجماهير طاقة معطلة .. الأسباب والعلاج
ضياء الشكرجي
الجماهير طاقة فعالة عظيمة، وورقة ضغط مهمة غاية الأهمية في الصراعات السياسية والثورات الشعبية والعمل التغييري والإصلاحات والمطالب الوطنية. فخروج الجماهير إلى الشارع مثــّـل دائما طاقة وطنية فعالة في حركة الشعوب في كل أنحاء العالم. خروج الجماهير مثلا في بلدان أوربا الشرقية هو الذي ساهم بشكل أساس في إسقاط الأنظمة الديكتاتورية في التسعينيات، وهكذا لعبت الجماهير في إيران الدور الأساس في إسقاط ديكتاتورية الشاه عام 1979، وخرجت الجماهير في أورپا في حالات كثيرة لتعلن استنكارها لخيارات الحرب ورفضها لحربي الخليج الأمريكيتين الثانية والثالثة على العراق، ودعوتها إلى السلام. وكان للجماهير العربية في كل أنحاء الوطن العربي دور مؤثر في الوقوف إلى جانب مصر عبد الناصر أثناء العدوان الثلاثي عام 1956. وخرجت جماهير العراق المليونية في الرابع عشر من تموز عام 1958 لتعبر عن فرحتها بسقوط ديكتاتورية العهد الملكي، ولتعرب عن تأييدها لقادة العهد الجديد من الضباط الأحرار واستبشارها بالعهد الجمهوري الوطني الجديد، وكادت الجماهير العراقية أن تسقط واحدة من أعتى ديكتاتويات العصر وأكثرها دموية ألا هي ديكتاتورية صدام في انتفاضة شعبان/آذار 1991، وهكذا كان للجماهير صولاتها في مقارعة العهد الصدامي في انتفاضة صفر عام 1977 وانتفاضة رجب عام 1979. ونعرف أن خروج الجماهير إلى الشارع هو الذي حقق انتصارات ثورات عديدة في العالم كثورة الطبقة العاملة ضد القيصرية في روسيا والثورة الفرنسية وغيرهما. ولسنا بصدد تقييم كل حدث وكل موقف تحركت فيه أو من أجله الجماهير، بقدر ما يهمنا هنا بيان أهمية هذه الطاقة وفاعليتها في الصراعات السياسية في العالم. ومن الطبيعي أننا لا نستطيع اعتبار كل تحرك جماهيري صحيحا أو أنه أدى إلى نتائج إيجابية، أو أنه لم يخدع ويغرر به في التأييد هنا والرفض هناك، وكما نعرف أن للتحرك الجماهيري في كثير من الأحيان سلبياته، إذا ما خضع للحماس الملتهب غير المنضبط بضوابط الوعي والحكمة والعقلانية والاعتدال والحساب الدقيق لمردودات العمل، كما اتسمت كثير من حالات العمل الجماهيري بالعنف، أو بالغلو، أو انخدعت أحيانا الجماهير بالشعارات. ولكن تبقى الجماهير طاقة رائعة إذا أحسن تحريكها واستثمارها بالاتجاه الصحيح لخدمة القضايا الوطنية وخدمة المبادئ. ومنذ سقوط الصنم في العراق نفتقد الحضور الجماهيري الفاعل والمعتدل في الساحة السياسية. فالجماهير العراقية ولكون النظام لم يسقط بأيديها أو بأيد وطنية، ولاقتران السقوط بالعمليات الحربية، ولاقتران الحدث بوجود القوات الأجنبية وبواقع الاحتلال، لم تخرج الجماهير العراقية إلى الشارع لتعبر عن فرحتها بالخلاص، كما كان يتوقع منها، بل وكما كانت تتوق إليه منذ عقود من الزمن. وغابت الجماهير عن الشارع العراقي في كثير من الحالات التي كان ينبغي أن يكون لها حضور فاعل في عملية الصراع السياسي، أو في تأييد تارة، وفي رفض واستنكار تارة أخرى. ولا أعني أن الغياب كان بالمطلق، بل كان هناك بلا شك حضور لشرائح وتيارات سياسية، ولكن لم يكن الحضور شاملا، ولا في الحالات التي كان يتطلب فيها الحضور، أو كان الحضور في غير الاتجاه الذي كان سيساهم في خدمة القضايا الوطنية كما ينبغي. وهنا أحب أن أذكر بعض الأمثلة التي كان ينبغي أن يكون للجماهير حضور فاعل في الشارع العراقي:
كما مر آنفا كان من المناسب جدا أن يخرج الشعب العراقي بجماهيره المليونية في ساعة سقوط الصنم ليعرب عن فرحته بالخلاص، وليقول لقوات الائتلاف: إن جئتمونا محررين فمرحبا، وإن جئتمونا مستعمرين، فنطالبكم بمغادرة العراق في أقرب وقت تسمح به طبيعة الظروف، وإن أردتم المكوث الموقت فحددوا السقف الزمني، فنحن مستعدون للتعاون معكم حتى تنتهي مهمتكم وتسلمون أمور العراق لأهله، وإن كنتم جادين في مساعدة الشعب العراقي لإنجاز عملية التحول الديمقراطي، فالديمقراطية طموح ومطلب كل العراقيين قبل أن تكون طموحكم، وسنكون شاكرين لمساهمتكم في مساعدتنا على إنجاز هذا المشروع، وإن كنتم غير جادين بهذا الأمر وتعنون بالديمقراطية شيئا آخر وتريدون الالتفاف على المشروع خدمة لمصالحكم، فنحن كعراقيين لن نكف عن مواصلة النضال حتى تحقيق هذا المطلب الوطني، إلى جانب تحقيق هدف الاستقلال والأمن والازدهار والسلام.
كان من الممكن ومن المطلوب تعبئة الجماهير باتجاه المطالبة بتعديل المادتين 3 أ و61 ج بما يؤدي الغرض بالنسبة لإخواننا الأكراد دون الوقوع في المفارقة القانونية غير المقبولة.
كان المطلوب أن تخرج الجماهير سنة وشيعة وبكل أطياف الشعب العراقي إبان أزمتي الفلوجة والنجف، لتطالب الأطراف المعنية، أي الأمريكان من جهة والطرفين المعنيين من جهة أخرى بالتخلي عن التصعيد والابتعاد عن الخيار العسكري، واللجوء بدلا من ذلك إلى الحل السياسي السلمي، ومطالبة كلا طرفي المقاومة، النجفي والفلوجي بإنهاء مظاهر التسلح ونبذ العنف.
ثم كان من الرائع والضروري أن تخرج الجماهير لا سيما الإسلاميون – لكون الإسلام هو الذي يتخذ شعارا لتلك الممارسات – فيعلنون تعاطفهم مع المختطفين الأجانب، كرجال الأعمال الأمريكان الذين قتلوا ومثل بجثثهم، ثم الأمريكي الذي ذبح بسيف الزرقاوي، وأخيرا الكوري الجنوبي الذي لاقى نفس المصير المأساوي، لتعلن الجماهير استنكارها لهذه الممارسات الإرهابية، وتعلن براءة الإسلام وبراءة العراقيين من هذا العنف الدموي اللاإنساني، وأن تواسي أهل الضحايا من بعد ارتكاب الجرائم البشعة التي يندى لها الجبين، وتعرب عن أسفها لذلك، لنعبر بهذا عن إنسانية الإنسان العراقي، وعن إنسانية وعقلانية واعتدال الإسلام، وليرى العالم منا حضاريتنا وشفافية مشاعرنا الإنسانية تجاه الضحايا الأبرياء.
كما كان يجب الخروج بحشود جماهيرية تحذر من أي تسامح في عملية اجتثاث البعث، وتؤكد إصرار الشعب العراقي على عدم السماح برجوع البعثيين، لا سيما إلى المواقع السياسية الحساسة والمواقع العسكرية والمخابراتية، إلى جانب طمأنة المغرر بهم والمجبرين من البعثيين بأنهم مرحَّب بهم كمواطنين لهم كل حقوق المواطنة أسوة بغيرهم، إلا أن البعث يجب ألا يكون له مكان في المواقع الحساسة في العراق الجديد.
كما كان على الجماهير واجب الخروج إلى الشارع لمطالبة قوات الاحتلال بعدم ارتكاب التجاوزات التي مورست هنا وهناك، ولا سيما كان من الجدير أن نعبئ الجماهير لإدانة جرائم سجن أبو غريب.
ثم كان من الرائع أن نخرج تظاهرات وحدة بين السنة والشيعة، ولكن ليس تحت شعارات التطرف وما يسمى بالمقاومة وفي إطار العنف والإرهاب، بل لتكون وحدة عقلاء ومعتدلي السنة مع عقلاء ومعتدلي الشيعة في إطار الأهداف الوطنية المشتركة، وفي إطار إبراز الوجه المشرق للإسلام في إنسانيته وعقلانيته واعتداله.
جميل جدا لو كانت الجماهير العربية والكردية والتركمانية وغيرها قد خرجت لتحسم أمر النزاع على موضوعة الفيدرالية، لتعلن انسجامها مع أطروحة الفيدرالية، مع التأكيد على وحدة العراق ووحدة العراقيين، بحيث تكون وحدة ترعى وتراعي التنوع، كما تكون تنوعا يتحرك في إطار الوحدة، فتكون فيدرالية تراعي خصوصيات أهل كل إقليم من الأقاليم الفيدرالية التي ستتشكل، دون تكريس للعنصرية والطائفية وغيرها العصبيات المقيتة، فيطمئن العرب إخوتهم الأكراد بأن حقهم في الصلاحيات الفيدرالية محفوظ، وليطمئن الأكراد سائر العراقيين بحرصهم على وحدة العراق الفيدرالي الموحد، وليطمئن الطرفان إخوتهم التركمان وأبناء بقية القوميات بأن حقوقهم لن تضيع في خضم حقوق الأكثريات أو الأقليات الكبيرة نسبيا.
وكم كان رائعا لو نظمت تظاهرة تجمع القوى الإسلامية سنية وشيعية، والقوى العلمانية يسارية وليبرالية وقومية، ليعبروا عن الوحدة الوطنية على قاعدة المشتركات، فالإسلاميون يطالبون بالديمقراطية باسم الإسلام الذي يتخذونه قاعدة فكرية لرؤاهم ومواقفهم السياسية، ويؤكدون انسجام الإسلام كليا مع الأطروحة الديمقراطية، ويقر العلمانيون على ضوء التزامهم بالديمقراطية باحترام الإسلام كهوية لغالبية المجتمع العراقي. فلا الإسلاميون يريدونها أصولية إسلامية تكفر العلمانية وتقصيها، ولا العلمانيون يريدونها أصولية علمانية تعتبر التمسك بالإسلام رجعية وتحارب الدين وتقصيه عن الحياة السياسية والاجتماعية.
وحيث أنه لم يخرج أحد من العراقيين بعد سقوط الصنم البغيض ليهتف له إلا بعض – وأؤكد على "بعض" – السنة، فكم كان مناسبا لو خرج السنة الوطنيون اللابعثيون اللاصداميون اللاطائفيون ليعبروا عن فرحتهم بسقوط الصنم واستنكارهم لجرائمه لا سيما ضد إخوتهم الشيعة وإخوتهم الأكراد، لتكون فرصة تتلاقى فيها قلوب كل العراقيين الطيبين على حب العراق وعلى بغض عدو العراق صدام وحزبه الفاشي.
وهكذا نأمل أن يكون للجماهير دور فاعل في هذه المرحلة الحساسة بعد تشكيل الحكومة الموقتة، وبعد أن يتم تسليم السلطة للعراقيين، وفي الأشهر المقبلة، لتعلن عن تأييدها للإنجازات، وعن معارضتها لكل خطوة تشعر أن فيها ضررا على المصالح الوطنية، أو خطرا على مستقبل العراق، لا سيما على عملية التحول الديمقراطي.
هذه بعض الأمثلة لما كان ينبغي، ومما ما زال ينبغي للجماهير أن تخرج من أجله إلى الشارع، دون إفراط أي أن تتحول التظاهرات إلى هواية وهوس بمناسبة وبدون مناسبة. ولكن يا ترى ما هي العوائق التي كانت وما زالت أمام تعبئة الجماهير للمساهمة بدورها في التأييد تارة والمعارضة أخرى، في التنبيه أو في التعاطف، في التعبير عن أحزانها في كوارثها، أو عن افراحها فيما حققته أو تحقق لها، وفي رسم ملامح المستقبل الذي تتوق إليه. المشكلة للأسف الشديد أن جماهيرنا – ولو حاليا ولحد الآن – تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
المتطرفون الصاخبون الغوغائيون الشعاراتيون الفئويون المتعصبون الذين من شأنهم أن يخربوا مشروع النشاط الجماهيري ويحولوا مساره إلى ما يحملون من ولاءات لا تخلو من غلو وتعصب واحتكار للحق ونـَـفـَس إقصائي للآخرين، ومن هنا تفقد التظاهرة قيمتها ويضيع هدفها الذي خرجت من أجله.
المعتدلون العقلانيون ولكن الذين يبالغون في عقلانيتهم بحيث يزهدون في النشاط الجماهيري ولا يرغبون في الخروج إلى الشارع، بل يكتفون بالتفاعل والتعاطي مع الأطروحات الوطنية والمطالب المعتدلة والعقلانية وهم يجلسون في بيوتهم على الأرائك متقابلين، أو مقابلين لشاشات التلفزة.
اللامبالون بما يحدث اللامكترثون بالشأن السياسي والشأن الاجتماعي أو في أقصى حد المكتفون بالتفرج والنقد دون مشاركة فاعلة بأي أداء وطني.
القلة التي هي على استعداد للخروج إلى الشارع في إطار الخطاب القوي ولكن العقلاني المعتدل والمسؤول والمدروس والملتزم بالضوابط المقررة. وهي لا تمارس هذا النوع من هذا النشاط خوفا من أن يكون ضعيفا فيفقد فاعليته المرتجاة، بسبب التشخيص المذكور فيما يتعلق بالفرائق الثلاثة أعلاه.
ثم هناك من غير شك مشكلة موضوعية مهمة، ألا هي غياب الغطاء الأمني الكافي الذي من شأنه أن يحمي الشارع من مفخخات ذوي العقول المفخخة بالخرف والعفونة والإرهاب والحقد الأعمى على العراقيين، فهذا يمثل من غير شك عقبة مهمة تحول دون النشاط الجماهيري.
على ضوء ما ذكر من تقسيم رباعي للجماهير، لا بد من العمل تثقيفا وتربية جماهيريتين على مستوى تحييد المتطرفين والتخفيف من حدة حماس المتحمسين بالنسبة للفريق الأول، وبعث المسؤولية وتعميق الوعي بالنسبة للفريق الثاني لأهمية المشاركة الفاعلة، والتنبيه لعدم صحة اللامبالاة من الناحية الوطنية، ومن الناحية الشرعية – بالنسبة للمتدينين – فيما يتعلق بالفريق الثالث، وبالتالي لا بد من العمل على توسيع مساحة وحجم الفريق الثالث. نعم إننا لن نستطيع تحويل كل المتطرفين إلى معتدلين أو الحد من تطرفهم وحماسهم، ولن نستطيع تحريك كل القابعين في بيوتهم، كما لن نستطيع جعل كل اللامبالين إلى ذوي إحساس بالمسؤولية الوطنية، ولكننا إذا حققنا نجاحا ولو نسبيا في وسط كل من الفرائق الثلاثة الأولى، نكون قد خطونا خطوة بالاتجاه الصحيح، ولكن هذا كله يحتاج إلى جهد مستمر وبرامج مكثفة حتى نبلغ ما نريد أو جله أو بعضه.
وهناك ملاحظات يجب مراعاتها في العمل الجماهيري كالتظاهرات والتجمعات والاعتصامات أذكر أهمها:
لا بد للنشاط الجماهيري من أهداف محددة لا يجوز الخروج عنها والتفرع إلى غيرها.
لا بد من الالتزام بشعارات ولافتات وهتافات متتفق عليها مسبقا ومدروسة دراسة جيدة ولا يجوز الارتجال في الخروج عن الشعارات المقرة إلى غيرها أثناء النشاط.
في النشاطات المشتركة بين عدة تيارات وطنية لا بد من التركيز على المشترك وترك الخصوصيات الحزبية والتيارية والولائية، إلا إذا كانت طبيعة المناسبة وطبيعة النشاط يسمحان بطرح خصوصيات حزبية إلى جانب الشعارات المشتركة من قبيل الدلالة على المشاركة الواسعة لكل التيارات، وهنا لا بد من التوافق على مدى ما يسمح به من خصوصيات بحيث لا تضيع الاهداف المشتركة في صخب وتعدد الخصوصيات، كأن يكتفى بطرح أسماء الجهات المساهمة مع الالتزام بالشعارات المشتركة، أو أن يطرح كل طرف شعاره ببعض خصوصيات خطابه الخاص، ولكن ضمن العام المتفق عليه، والجدير هنا أن تطلع اللجنة المشتركة على الشعارات والهتافات واللافتات لتقرها المستجدة، ولو أن الترك أولى.
لا بد من اجتناب رفع الصور أو الهتاف بأسماء الرموز الخاصين بهذا أو ذاك التيار في النشاطات المشتركة كي لا يصادر النشاط وتصادر التعبئة الجماهيرية لطرف ما، ولكي لا يصار إلى بعث الحساسيات المحتملة بين الأطراف المشاركة.
في النشاطات الخاصة التي يقوم بها حزب ما أو تيار ما يمكن التركيز على الخصوصيات بدرجة أكبر مما هو الحال مع النشاطات المشتركة، ولو شاركت أطراف أخرى كضيوف مشاركين في النشاط، مما قد يمنحهم الحق في التعبير عن هويتهم لإعطاء انطباع باستجابة ذلك الطرف في المشاركة في النشاط المقام من قبل طرف خاص دعى إليه، وكل ذلك لا بد ان يجري وفق تنسيق مسبق، أو تداول وربما استئذان من القائمين على النشاط والمشرفين عليه، مع الالتزام بما يقررونه.
الجماهير طاقة وطنية غائبة أو مغيبة، عاطلة أو معطلة، لسبب أو آخر، لا بد من تفعيل حضورها وفاعليتها لتؤدي دورها في القضايا الوطنية التي تحتاج إلى هذه الوقود وإلى هذه الطاقة العظيمة والمهمة، إلى حضور وفاعلية صاحب الشارع في الشارع السياسي.
24/06/2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::