غالبا ما يجري ذكر حزب الدعوة دون تمييز بين الدعوتين؛ (حزب الدعوة الإسلامية)، و(حزب الدعوة الإسلامية – تنظيم العراق). ويُذكـَر غالبا وزراء الحزب الثاني بصفتهم وزراء حزب الدعوة (الوزيران الحاليان: خضير الخزاعي، وعبد الفلاح السوداني). والكل يعلم أن حزب الدعوة لكونه قد حاز على رئاسة الوزراء في كلا العهدين الجعفري والمالكي، فلا حصة له من الوزارات، ولذا جعلت الوزارتان للدعوة اليمينية منهما إذا صحت التسمية.
فالحزبان، وإن كانا يحملان نفس الاسم مع تذييل للثاني، وينتميان إلى نفس الحزب الأصل، إلا أن الفرق بينهما كالفرق بين حزب الفضيلة والتيار الصدري، أو ربما كالحزب الشيوعي والحزب الشيوعي الماوي (العمالي). فحزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق وأهم رموزه وشخصياته القيادية حاليا هما عبد الكريم العنزي وخضير الخزاعي، إضافة إلى عبد الفلاح السوداني وحسن السعيد، هذا الحزب يعتبر الأكثر تشددا وأصولية وانغلاقا بكثير من حزب الدعوة الإسلامية، الذي يسميه أتباعه بالحزب الأم أو الحزب الأصل، بحيث يكون هذا الحزب من حيث التشدد الأقرب إلى المجلس والتيار منه إلى الأحزاب الإسلامية المتمتعة باعتدال وعقلانية ولو نسبيا، أي بالمقارنة إلى عموم أحزاب الإسلام السياسي، بما فيهم الفضيلة، الذي يعتبر الأخف تشددا من التيار، وإن كان ينتمي إلى نفس المدرسة التي أسسها الصدر الثاني.
إني لست بصدد الدفاع عن حزب الدعوة، فأنا ناقد له ومُحمِّل إياه قسطا كبيرا من مسؤولية ما يجري وما آل إليه العراق، مع وجوب تسجيل نقاط للمالكي الذي كما يبدو يحاول جادا أن يسلك مسارا تصحيحيا، والذي لا نستطيع أن نقوِّمه، أي هذا المسار، إلا بعد انتهاء بعض أشواطه، والمهمة منها بالذات، ولكننا شهدنا بعض ملامح هذا المسار التصحيحي: البصرة، مدينة الثورة، الموصل، الدعوة إلى إخلاء الأحزاب للمباني الحكومية، الدعوة إلى انتخابات القوائم المفتوحة، وربما سيأتي دور شن الحرب على الفساد الإداري والمالي، والذي يُغـَضّ النظر عنه الآن، آملين أن يكون غضا اضطراريا يتحين الفرص للانقضاض على سُرّاق الشعب والوطن وثروتهما.
ومن أجل توضيح الاختلاف بين الحزبين، دعونا نذكر بما حصل من انشقاقات داخل حزب الدعوة منذ تأسيسه، ابتداءً بـ(جند الإمام) و(الدعوة الإسلامية) - من دون لفظة حزب قبلها - ثم اختيارها لاحقا لاسم (حركة الدعوة الإسلامية)، وكان في التسعينات (كوادر الدعوة الإسلامية)، و(حزب الدعوة الإسلامية/ مؤتمر الإمام الحسين)، والذي انتهى باسم (حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق) المعنية به مقالتنا هذه، و(حزب الدعوة الإسلامية/ المجلس الفقهي) أو (حزب الدعوة الإسلامية/ ولاية الفقيه)، المتمسكة بولاية الفقيه والولاء المطلق لإيران، والآن ثمة تيار إصلاحي منفتح باسم (أنصار الدعوة الإسلامية)، مع الفارق الكبير بين الواحد والآخر مما ذكرت، ومع انتهاء الكثير منها في المهجر، أي قبل التغيير بفترة غير قصيرة، أو تحول بعضها إلى توجه آخر تماما. المهم هذا الحزب الذي انشق عن الحزب الأم قبيل السقوط بعد خلافات حادة بين قياديين للحزب في إيران، فمن جهة هاشم الموسوي وعبد الكريم العنزي وخضير الخزاعي وحسن السعيد، ومن جهة أخرى علي الأديب وحسن شبر والمرحوم مهدي العطار وغيرهم، فبُذِلت في وقتها مساع إصلاحية مكثفة من قبل شخصيات من الحزب من أوربا، وبالذات من لندن، باعتبارهم لم يكونوا طرفا في الخلاف، فذهب وفد للإصلاح أبرز من كان فيه الجعفري (على رأس الوفد) وسامي العسكري وعبد الفلاح السوداني، والذي تحول من وسيط إصلاح إلى صف التكتل الذي قاد الانشقاق وأسس «حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق». وهذا التذييل كانت له خلفيتان، الأولى درء شبهة أن إيران وراء الانشقاق، والثاني كون كل من التكتلين المتنازعين داخل الحزب كان يدعي أنه صاحب رصيد في الداخل، فأراد هذا الجناح أن يحتكر دعوى امتلاك رصيد لما يسمى بتنظيم الداخل والوحدات الجهادية للحزب، وتبين من بعد ذلك إفلاس الحزب بشقيه في داخل العراق.
وهنا لا بأس من ذكر حقيقة، وهو أن الصراع المحتدم في إيران آنذاك بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى، جعل الأخير يستغل هذه الانشقاقات داخل الدعوة، بحيث كلما أراد أن يهمش حزب الدعوة في المشاريع التحالفية، دعا مجموعة ممن يحمل نفس الاسم (الدعوة الإسلامية) تارة، و(حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق تارة أخرى)، بحيث عندما تسأل أطراف ما (الإيرانيون مثلا أو غيرهم): وأين حزب الدعوة من هذا المشروع، فيقولون: ها هم معنا. على كل حال هذا أصبح تاريخا، وإن التنظيم الذي كان يحمل اسم (الدعوة الإسلامية) مجردا، والذي تحول إلى (حركة الدعوة الإسلامية) يمثلون اليوم حزبا إسلاميا معتدلا قياسا إلى أحزاب الائتلاف العراقي الموحد، وقد جرى تهميشه وحورب من قبل هذه الأحزاب وبدعم المرجعية.
الذي أردت أن أقوله أن (حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق) هو حزب إسلامي شديد التشدد في إسلاميته، أي في مبنى الإسلام السياسي الأصولي الذي لا يؤمن إلا بشرعية الدولة الإسلامية، وإنما دخل مشروع الدولة التعددية الدستورية المدنية (ولو بحدود) اضطرارا لا اختيارا. ولذا من الظلم أن تنسب الملاحظات المسجلة على الوزارتين مثلا على حزب الدعوة وعلى المالكي. وهذا لا يعني أن حزب الدعوة يمثل الخيار البديل، فخيارنا هو الدولة المدنية والتي أنعتها بالدولة العلمانية، ولكن حزب الدعوة هو الأقرب إلى التيارات الديمقراطية الوطنية من غيره من الأحزاب الإسلامية، وإن كان هناك عداء غير مبرر منه لأياد علاوي، ولكن لهذا الموضوع أسراره الخاصة والتي لا تعني أن هذا العداء هو عداء لعموم الديمقراطيين الليبراليين، وإني هنا عندما اذكر أياد علاوي باعتباره الأقرب إلى الليبراليين، لا يعني أن ليس هناك من ثمة ملاحظات، ومنها الحالف الخماسي الغريب الذي دخله، بينما كنا نتمنى للقائمة الوطنية العراقية ولعلاوي أن يكونا من أركان المشروع الوطني الديمقراطي الليبرالي المؤمن بالدولة المدنية، فمن ناحية هناك التقاء مع أياد علاوي في أكثر طروحاته، ولكن من جهة أخرى لا نفهم تحالفاته هذه، ولا نفهم تعبيره المستمر بأن المجلس الأعلى هو الأقرب إليه من قوى الإسلام السياسي الشيعية، بينما هو الأقرب إلى إيران كما يعرف الجميع، كما كنا نتمنى على المالكي أن يخفف من حدة موقفه من علاوي والقائمة العراقية.
وإننا نرى اليوم ملامح التفاوت في المواقف بين المالكي والمجلس، فالمجلس مع القوائم المغلقة والمالكي مع القوائم المفتوحة، والمالكي قرر إخلاء الأحزاب للمباني الحكومية والمجلس وبدر اعترضا، والمجلس هو داعية الفيدرالية الشيعية الكبرى، وسنرى غدا معارضة المالكي لها.
وحتى سكوت المالكي عن لصوص الوطن وسُرّاق الشعب والفاسدين حتى في الوسط القريب منه، إنما هو سكوت - كما آمل - لأنه لا يستطيع أن يفتح كل الجبهات عليه مرة واحدة. ليس المالكي خياري، إلا إذا انتزع نفسه من الإسلام السياسي والتحق بالخط الوطني غير الطائفي وغير المسيس للدين، لكنه يبقى الخيار الأفضل الممكن، ويبقى حسب تقديري وحسب معرفتي الشخصية به الأنزه والأكثر عراقية، فهل سيكون المالكي عند حسن ظني وظن الكثيرين، أم سيخيب - لا قدر الله ظننا - كما خاب ظني بكثيرين كنت أحترمهم وأؤمن باستقامتهم ونزاهتهم وعقلانيتهم واعتدالهم، فأسقطتهم السياسة أيما سقوط. هذا حسب ما أقدر، وقد يختلف معي الكثيرون من المعارضين مثلي للإسلام السياسي في ذلك، ولا أدعي استكشاف الغيب، لكنها رؤية مبنية على ثمة معرفة قد لا تكون كاملة، وثمة أمل وتفاؤل، وإذا تبين خطأ التشخيص لغياب معلومات ما، فكل حادث حديث.
وهنا وفي صدد المقارنة بين الحزبين، أذكر أني عندما كنت في حزب الدعوة كنت شديد المعارضة لمحاولات إعادة توحيد الحزبين، بل كنت أقول علينا أن نتحرك بدلا عن ذلك على الإخوة في حركة الدعوة الإسلامية لكونهم الأكثر عقلانية واعتدالا وعراقية.
وأيام كنت أكتب منظرا للديمقراطية من زاوية فهم شرعية إسلامية، كان معظم أفراد حزب الدعوة الذي كنت فيه يؤيدون طروحاتي ويفتخرون بها، لولا أني بدأت أحرجهم في طرح بعض ما لا يريدون الاقتراب منه، بينما كان قياديو (حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق)، خاصة العنزي والخزاعي يرون في أفكاري انحرافا وخروجا صارخا عما يسمونه بثقافة الدعوة، بينما لم أكن في حينها علمانيا كما اليوم، بل كنت إسلاميا ديمقراطيا وعن قناعة، وهم يرون أن الإسلام والديمقراطية ندان متعارضان لا يلتقيان ولا يتصالحان. نعم الجماعة أصبحوا اليوم ديمقراطيين تقية على قاعدة «فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه» من زاوية فهم متشددة للآية. لست محرِّضا على أحد، ولا كاشفا لسر مستور، بل مباني الجماعة معروفة للقاصي والداني، فهم بنفس درجة إسلامية المجلس والتيار والفضيلة مع الاختلاف فيما بينهم بالتفاصيل.
هذه حقائق أرى من الضرورة أن يطلع عليها من لا يعرفها من العراقيين. وإن كنت لا أدعي أني أملك كل الأسرار وكل خيوط القضية. بل هي محاولة تسليط ضوء على بعض الزوايا الواقعة في الظل، ولا يحركني في ذلك غير حب العراق وحب الوسطية والاعتدال والنفور من التطرف والتحجر والطائفية السياسية وتسييس الدين ومناوئة الديمقراطية بحجة رؤية شرعية تنسب إلى الدين.
ولنتطلع إلى عراق ديمقراطي مدني آمن مرفه متآخ متحاب يكون فيه رئيسنا أو رئيس وزرائنا سنيا أو شيعيا أو مسيحيا أو صابئيا أو إيزيديا، عربيا أو كرديا أو تركمانيا أو آشوريا، جنوبيا أو شماليا أو شرقيا أو غربيا، بغداديا أو محافظاتيا، دون أن نعرف كل هذه التفصيلات أو نسأل عنها أو نضعها في حساباتنا أو محاصصاتنا، بل نقبله وندعمه بمقدار عراقيته ووطنيته وإنسانيته وعقلانيته وديمقراطيته وكفاءته ونزاهته، لا يسيس الدين أو المذهب، ولا يقدم مصلحة حزبه على مصلحة العراق، ولا يكون همه الإثراء المشروع وغير المشروع، ولا يسكت عن فساد وخروقات أقاربه وأفراد حزبه، ولا يقاتل من أجل الإمساك بالكرسي، ولا يبرر للعنف، واللاءات كثيرات والنـَّعَمات أكثر، والأمل كبير، والصعوبات في الطريق أكبر، ولكن الأكبر من ذلك همة المخلصين وإصرارهم.
23/05/2008
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::