حقيقة مواقفي من مجموعة أمور حساسة

 ابتداءً لا بد من بيان خلفية توضيح مواقفي من الأمور المتـناولة في هذه المقالة. وربما يكون من المناسب بيان الأسباب التي لم تكن هي وراء هذا التوضيح، وذلك:

-         لا يختزن بيان موقفي الإحساس بأهمية شخصي، أو الرغبة بالإيحاء بمثـل هذه الأهمية أو ادعائها.

-         ليس الدافع هو درأ شبهات أثيرت حول مواقفي، أو دفع تهم وجهت لشخصي من قبل البعض بشكل مباشر أو غير مباشر.

ولكن قد يكون شيء قليل من هذا أو ذاك؛ فإني وبالرغم بأني أرأب بنفسي أن ادعي أو أحاول أن أضفي على شخصيتي أهمية فوق ما هو الواقع، ولكني ككاتب، ثم كمزاول بقدر أو آخر للفعل السياسي، وكمنتم [وقت كتابة المقالة] لتنظيم سياسي مهم ومعروف، وقد عرفني البعض بفضل بعض الفرص التي فتحها الله لي من خلال كتاباتي وظهوري بين حين وآخر على الفضائيات، ولوجود شبهات بالفعل قد أثيرت حولي، وربما أيضا من دوافع البيان هو لأني لم أرد أن أحرج التنظيم الذي [كنت] أنتمي [وقت كتابة المقالة] إليه، بحيث ينسحب سوء الفهم لبعض متبنياتي على التنظيم نفسه. لهذه الأسباب كلها أحببت أن أبين حقيقة أفكاري ومتبنياتي من بعض القضايا الحساسة كما هي، مؤكدا أني لست خائفا من أن يعرف الجميع حقيقة ما أتبنى.

ما هو حقيقة موقفي من المرجعية؟

اتهمت بأني مناوئ للمرجعية، وجرى ترتيب أثر على هذا التصور في موقـف ما لا أريد الآن تناوله. صحيح إني لست من دعاة الاندكاك الكلي والاتباع الأعمى للمرجعية، ولست من متبني أن موقف المرجعية معصوم من الخطأ ولا يجوز التوقف عنده أو مناقشته ناهيك عن مخالفته، وكأنه وموقف المعصوم على حد سواء. ولكني أكيدا لست من الراضين بأن يتعرض موقع المرجعية للتوهين والانتقاص، لأن المرجعية تمثـل بلا شك رمزا مهما من رموز الأمة، ولأن دورها دور رائد وجدير بالدعم والاحترام، ولكن دون مستوى الغلو بالنظر إلى مواقف المرجعية على أنها نهائية وقطعية وغير قابلة للمناقشة. في الواقع إني حريص على أن تحفظ للمرجعية مكانتها التي تستحقها في واقع الأمة، ولكني أرى أن تحفظ مكانتها بالمعايـير التي أقدر أنها أقرب إلى الصواب، لا المعايـير التي تدعى أو يراد لها أن تفرض أو يزايد بها. فحفظ مكانة المرجعية يجري على النحو الإجمالي حسب تقديري بمعايـير على نحوين:

  1. المعايـير التي أفهمها، وهي حسب تـقديري معايـير العقلانية، معايـير الواقعية، معايـير الإسلام، وأدعي أنها قبل كل ذلك هي معايـير المرجعية نفسها.

  2. المعايـير التي يتبناها آخرون كثيرون، كالمعايـير الشعبـية، ومعايـير الغلو أو ما قد يقـترب من الغلو، ومعايـير المزايدات السياسية وغيرها، وكذلك معايـير النفعية، ثم معايـير الخوف من الاصطدام بالواقع المرهون للمعايـير المذكورة آنفا، ومن التعرض لتهمة مناوءة المرجعية، بما قد يكون عند البعض، لا بل عند الكثرة الكاثرة مساوقا للخروج عن ولاية أهل البيت عليهم السلام، أي وكما يعبر هو بمثابة خروج عن المذهب، من أجل ألا نقول عن الدين، ومن هنا فهي تمثـل للبعض تهمة، إذا ما وجهت أو أثيرت، لا يعاب على المعني بالتهمة أن ترتعش وترتعد ذرات وجوده كلها خوفا من التسقيط.

 

ثم بالنسبة لي أرى من الأهمية بمكان التميـيز بين المرجعية مفهوما وبينها مصداقا، وكذلك التميـيز بين المفهوم الواقعي، أي المستل من واقع وتاريخ المرجعية والمراجع، والمفهوم المجرد الفلسفي المثالي. فالمرجعية كمفهوم افتراضي مجرد فلسفي ومثالي، يعلو ولا يعلى عليه، لأنه مساوق للحق، [ولو إن المرجعية بالفهم السائد على أنها امتداد للإمامة وطل ما يرتبط بذلك من الفهم السائد للتقليد ومسألة وجوب تقليد الأعلم والحي دون الميت ابتداءً والرجل دون المرأة من الأمور القابلة علميا وشرعيا، عقلائيا فيما يستند فيه إلى الأدلة العقلائية وروائيا فيما يستند فيه على الحديث والرواية؛ كل ذلك قابل للمناقشة والمراجعة].

 

أما المرجعية كمفهوم مستل من الواقع والتاريخ فهو من غير شك دون ذلك ببون شاسع. وربما يمكن اعتبار المفهوم المستـل من الواقع الذي أعنيه هو مصداق جمعي عام.

 

وأما المرجعية كمصداق فردي شخصي خاص، فمقصود به عندما يجري الكلام بمنطوقه أو بمفهومه عن مرجع بعينه وعلى وجه التحديد. وفي حالتـنا في المرحلة الراهنة يقصد به غالبا سماحة المرجع الكبير السيد علي السيستاني حفظه المولى تعالى.

 

ومن الأمور التي بعثت على اللبس في مواقفي وتحليلاتي من المرجعية، هو عدم تميـيز البعض بين هذه المستويات الثلاث من المقصود بالمرجعية. وهنا قد أحمَّـل أنا مسؤولية هذا اللبس، لأني ربما لم أشقق هذا التشقيق فيما كتبته من قبل، ظانا أن المراد كان واضحا، أو إنه كان واضحا ولكن ليس في مستوى لا يفسح المجال للمتصيدين والتسقيطيين، أو بعض حسني النية من المستعجلين في القراءة والفهم والتحليل أو ربما التأويل، [ولكن حتى مع فرض صحة ما فـُهـِم مني وما أوِّل إليه طرحي، فهذا مما لا يجب أن يكون مبررا لاعتبار صاحب الطرح قد خرج عن الدين والملة].

 

بشكل عام أتبنى – ليس من موقع المحاباة أو الخوف من أحد أو الهروب من التهم والشبهات، بل من موقع القناعة الذاتية -؛ أتبنى وجوب احترام مقام المرجعية وشخوصها في الواقع، ولكني لا أتبنى إضفاء القداسة المبالغ بها، والتي يضفيها كثيرون من المغالين أو من المزايدين. وهنا أقول لعل دوافع المزايدة هو الغالب على دوافع الغلو، أو لنقـل في بعض الأوساط من النخب يغلب دافع المزايدة والنفعية، وفي بعض الأوساط الشعبية يغلب دافع الغلو النابع من البساطة المقترنة بالإيمان الفطري والطيبة والولاء الذي يُفهم على أنه امتداد وتجسيد للولاء لأهل بيت النبوة عليهم السلام، والمُغذى أحيانا من قبل بعض المستـفيدين. المراجع أنفسهم، إلم أقل كلهم، فلا أقل معظهم، لا أظنهم ينسجمون مع هذا الإضفاء المغالي للقداسة بأي حال من الأحوال، إلا بعض من آمن بنفسه فوق العادة، من موقع مطابقة الإيمان للواقع، أو من موقع سوء تقويم الذات عند بعض العاملين وبعض العلماء وبعض المفكرين وبعض المثـقـفين وبعض السياسيـين ولعله بعض المراجع.

 

أما بالنسبة للمرجع الكبير السيستاني، فهو من غير شك شخصية دخلت التاريخ من أوسع أبوابه وبكفاءة، [ولكن التحفظ على بعض مواقفه السياسية، أو مناقشتها، أو حتى نقدها ومعارضتها، أمر مشروع شرعا وعقلا وديمقراطيا ودستوريا، حتى لو افترضنا وقوع أصحاب التحفظ والنقد والمعارضة في خطأ ما]. فلقد سجل سماحته مواقف مهمة جدا في مفاصل خطيرة وتأسيسية، إلم نقـل مصيرية، منذ سقوط النظام المستبد. فأصل الانتخابات كآلية لتشكيل الجمعية الوطنية الانتقالية الموكل إليها كتابة مسودة الدستور، لا يستطيع أحد أن ينفي فضل تحقيق هذا المكسب التاريخي للشعب العراقي لسماحته، [وإن كان هناك رأي محترم بقطع النظر عن مدى اتفاقنا معه، بأن الانتخابات كان ينبغي إرجاءها إلى ما بعد المرحلة الانتقالية]. وكذلك لعب سماحته دورا تاريخيا في إنجاح العملية الانتخابية، وبما في ذلك تشكيل قائمة الائتلاف العراقي الموحد ورعايته لها، بما لا غبار عليه، [وهذا هو الآخر قابل للمناقشة والنقد، لاسيما تكرار الدعم للقائمة ولو بشكل غير مباشر، إلا أنه كان دعما سافرا وواضحا، والكثيرون يرون خطأ هذا الدعم]. ولا ينسى دوره في قضايا مفصلية أخرى في غاية الأهمية.

 

ثم إن ما امتاز به سماحته هو التحلي بالعقلانية والاعتدال والابتعاد عن التفاصيل وكذلك الابتعاد عن التشدد – ولا أقول التطرف فالبعد هنا بدرجة أولى -، وكذلك مساهماته الأساسية في دعم عملية التحول الديمقراطي في العراق.

 

مع هذا أقول – وليس الأمر متعلقا بشخص سماحة السيد كمصداق – أنه من غير الصحيح إخضاع العملية السياسية لولاية ووصاية وإمرة المرجع بالمطلق، لا سيما ان سماحته لا يتبنى نظرية ولاية الفقيه، وليس من الصحيح التعامل مع مقولات وتصريحات ومواقف وتوجيهات المرجع – أي مرجع كان – على أنها مسلمات ونهائيات وقطعيات. وحسب مراقبتي وتحليلي وغلبة ظني المساوق للقطع، أن سماحة السيد لا يريد ذلك، وهو في تقديري منشرح الصدر لأي حوار ومناقشة لأي موقف او رأي أو توجيه، أكثر بكثير مما هي منشرحة صدور عامة الغلاة وخاصة المزايدين من الموالين والتابعين. ثم إننا لا يمكن ان نؤسس لسُنة قد ندفع ضريبتها باهضة في المستقبل وبعد حياة سماحته، من بعد العمر المديد المعطاء إن شاء الله. فهل نضمن الا يأتينا فقيه يريد بحجة شرعية ما هدم صرح الديمقراطية، هذا المكسب التاريخي العظيم، وتأسيس دولة الولاية المطلقة التي تضيق ذرعا بالتعددية؟ هل نضمن ألا يأتينا فقيه يقول بما يسمى بالجهاد الابتدائي الهجومي أو الاستباقي أو الدعوي؟ إن كان الله تعالى وبلطفه بالشعب العراقي قد من علينا في هذا المفصل التاريخي الخطير بمرجع معتدل وواع ومنفتح وعقلاني، فما أدرانا ما يخفي لنا الدهر في المستقبل؟ لذا لا بد عندما نؤسس لفكرة أن نؤسسها على ضوء النظرة المستقبلية بعيدة المدى، وليس فقط على ضوء اللحظة التاريخية الآنية. وإلا فهل من المعقول أن بعضنا ما زال يضمر ولاية الفقيه في مكنون التربص والتحين للفرص؟ هذا ما لا أظنه أبدا فيما أعرفه عن إخواني الإسلاميـين ذوي التأثير، من حركيين أو مرجعيين أو مستقلين على حد سواء، إلا ما شذ مما يتوقع له التأثير، [ولعل هذا الشذوذ عن القاعدة ليس بعديم الأهمية وقليل الخطر].

ما هو حقيقة فهمي لمفهوم "المنتمي المستـقـل"؟

أجد أنه لا بد للإنسان المنتمي أن يوازن بين التزامات واستحقاقات الانتماء، وبين استـقلالية الفكر. ولعلي لست من الذين يحقـقون ذلك التوازن الكامل أو المقارب جدا لما ينبغي له أن يكون عليه، بل لعلي أميل قليلا إلى حرية المستـقـل أكثر من التزامات المنتمي، وربما بسبب أني أقرب إلى شخصية المثـقف مني إلى شخصية السياسي، ولو إن ميلي إلى حرية المستقـل أكثر لا يصل حتما إلى درجة الانفلات، ولا إلى ما يقرب من ذلك إن شاء الله. ولكن أيضا لعل هذا الميل مني إلى الاستـقلالية وحريتها أكثر مني إلى الانتماء واستحقاقاته، ليس على ضوء المعايـير الصحيحة بقدر ما هو خاضع للمعايـير الشائعة، وإن كنت لا أنفي قدرا من ذلك الميل. [وإن كنت اليوم قد حسمت فك ارتباطي التنظيمي، إلا أني ما زلت أرى أهمية هذا المفهوم، مفهوم المنتمي المستقل، أو الموازنة بين استحقاقات ولوازم الانتماء واستقلال الفكر وحيادية وموضوعية التقييم، سواء لصالح الكيان المنتمى إليه أو لغير صالحه].

ما هو حقيقة موقفي من الحزب الذي أنتمي إليه؟

لعل البعض سيرى غرابة في هذا السؤال، فمن المفترض أني كمنتم [وقت كتابة هذه السطور] إلى حزب الدعوة الإسلامية بعد كل هذا العمر مقـتـنع تماما بالحزب وطروحاته وفكره وطريقة عمله، ومؤيد لكل رؤاه، وداعم لكل مواقفه. إني في الواقع كما هو الحال مع معظم إخواني الدعاة لا نرى أن حزب الدعوة خال من النواقص والثغرات ونقاط الضعف والأخطاء، أبدا، وإلا لكان ذلك مجانبة صارخة للواقع وغلوا ممقوتا، ومن غير شك وبدرجة ما، زادت أو قلت، أمثـل شخصيا عنصرا من عناصر الضعف والخطأ والقصور والتقصير. فانتمائي لحزب لا يعني اتفاقي معه في كل التفاصيل وبشكل كامل مئة بالمئة، بل هو نابع من حقيقيتين؛ الأولى أصل القـناعة بجدوى العمل الجماعي المنتظم في إطار تنظيم حزبي، والثانية القناعة النسبية بأن الحزب الذي أنتمي إليه يمثـل أفضل البدائل على أرض الواقع. [لكني وصلت في نهاية المطاف إلى تقاطع، لا أقول كلي، بل بقدر يبرر لي الانفصال].

ما هو حقيقة موقفي من الديمقراطية؟

المشكلة أن البعض يتصور أن كل من يلهج بالديمقراطية في الوقت الراهن، إما لأنها أصبحت من صرخات العصر، أو إن ذلك يمثـل حالة استمالة للغرب، أو تأثرا بالثقافة الغربية، وبالتالي قدرا من الانسلاخ عن الهوية الإسلامية وعن الأصالة. وجدير ذكره أنه بدأ اهتمامي بموضوعة الديمقراطية على وجه التحديد عام 1991 على مستوى التدبر وإمعان النظر والحوار، وفي عام 1994 على مستوى التنظير والكتابة والتأليف.

 

لست هنا بصدد التـنظير للديمقراطية وللأرضية الشرعية لها إسلاميا، لأني كتبت الكثير في ذلك. ولكني أردت هنا أن أثبت بعض الأساسيات. لا أقول أن الإسلام هو الديمقراطية، أو الديمقراطية هي الإسلام، فالإسلام يبقى هو الإسلام، والديمقراطية تبقى هي الديمقراطية. ولكني أزعم ألا تعارض ولا تقاطع أبدا بين الديمقراطية والإسلام. فإذا افترضنا أن الديمقراطية من جهة ما وبالعنوان الأولي المجرد من طارئات الواقع محرمة، فهي من جهات أخرى كثيرة وبعنوان ثانوي أول جائزة، ثم بعنوان ثانوي ثان راجحة، وذلك إذا ما تحققت بها بعض المصالح المهمة، وبعنوان ثانوي ثالث تكون واجبة، إذا ما توقفت عليها مصالح كبرى يعتد بها ويحرم التفريط بها، وهذا يمثـل رؤيتي وقناعتي. لذلك فإني أشعر بأجواء عبادية أو قل ممارسة تعبدية عندما أنظـّر للديمقراطية وأروّج وأدعو لها وأمارسها. ولطالما كتبت في الديمقراطية في ليال هي من أشرف الليالي عند الله وأعلاها منزلة، وأنا مطمئن في ذلك بأني إنما أقوم بممارسة عبادية قربة إلى الله تعالى من خلال خدمة الإنسانية والوطن والإسلام. إسلاميتي وديمقراطيتي أراهما من حيث عمق القناعة متكافئتين، دون أن يعني ذلك أني أريد أن أضع الإسلام؛ دين الله ووحيه ورسالته على كفة من الميزان، والديمقراطية ثمرة التجربة الإنسانية الرائدة والمنسجمة أخلاقيا وشرعيا بل وحتى فلسفيا مع روح الإسلام في كفة ثانية متكافئة. ولكني أستطيع وبكل قناعة واطمئنان أن أقول إني إسلامي حتى النخاع، دون أن تنتقص إسلاميتي شيئا من ديمقراطيتي، وديمقراطي حتى النخاع، دون أن تنتقص ديمقراطيتي شيئا من إسلاميتي. هكذا هي المعادلة عندي ببساطة. ربما يشكل علي البعض أني أضع بالفعل كلا من الإسلام والديمقراطية في كفتين متكافئتين، فأجيب أن طبيعة الحديث وسياقاته يتطلب ذلك، كما لو كان الكلام يجري حول موضوعة الأخلاق، أو موضوعة العلم والتعلم، أو موضوعة العقلانية والواقعية والموضوعية، فينصب عندها الحديث على تلك المفردات بتركيز وبالاقتران بالإسلام، إذا نظر له على ضوء مفاهيم وأحكام وفلسفة الإسلام، بحيث يبدو الأمر وكأن المقصود منه دعوى التكافؤ. ولكن في الواقع التكافؤ شيء، وحقيقة عدم التعارض شيء آخر.

 

ضياء الشكرجي

بغداد - 19/02/2005

روجعت في 10/06/2006

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::