الفيدرالية من مخاطر التجزئة إلى ضمانات الوحدة
ضياء الشكرجي
مداخلة قدمت في 15/11/2005 في الندوة المنظمة من قبل رئيس المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية في سيراكوزا – إيطاليا حول الفيدرالية في العراق وتحت عنوان «الفيدرالية من مخاطر التجزئة إلى ضمانات الوحدة»، والتي تناولت تصورات حول الشروط اللازمة لإنجاح المشروع الفيدرالي في العراق.
- بالنسبة للعراق بدأت الفيدرالية مطلبا كرديا مشروعا، ثم تحولت إلى إرادة شيعية مستجدة تحضى كذلك بشبه إجماع، وانتهت ضرورة وطنية لكل العراق.
- الفيدرالية أفضل حل لواقع التنوع والتعددية.
- الفيدرالية قرينة الديمقراطية ومكملتها، تبقى أي منهما دون الأخرى مشروعا مبتورا وناقصا، فالديمقراطية بدون الفيدرالية تمشي مشية عرجاء، والفيدرالية بدون الديمقراطية تتخبط تخبطا أعمى.
- الفيدرالية بعد أن كانت طموحا كرديا، ثم تحولت كذلك إلى توجه شيعي مستجد، يمكن أن تكون فرصة أوسع من فرص المشاركة للمكون الثالث في إدارة العراق.
- الفيدرالية واجبة التطبيق، حتى لو لم تكن إلا مطلبا يحضى بإجماع الشعب الكردي في العراق.
- الفيدرالية هي موضع اتفاق القوى السياسية العراقية الوطنية أيام المعارضة، جرى تبنيها منذ مؤتمر بيروت فمؤتمر صلاح الدين، ثم مؤتمر لندن، وقبلهما في لجنة العمل المشترك.
بالنسبة للكرد في العراق، أحب أن أقول إنهم يملكون مقومات أمة، ومقومات شعب، بل ومقومات دولة بشكل كامل، وهذه حقيقة يجب ألا نكابر في الاعتراف بها، بل واحترامها. لكننا يجب علينا - كما نتبنى حق الشعب الكردي بكل هذا الوضوح والحسم - أن نضع الضمانات لحقوق الاقليات القومية الأخرى والأقليات الدينية والمذهبية في كردستان، وفي كل إقليم مستقبلي ذي أكثرية قومية أو مذهبية أو دينية.
يمكن تلخيص الجواب على سؤال متى نحتاج إلى الفيدرالية بما يأتي:
- في حالات سعة البلاد.
- في حالة توحيد أكثر من دولة توجد ثمة مشتركات فيما بينها.
- في حالات التنوع الأثني والديني والمذهبي.
بعد هذه المقدمات أحب باختصار أن أطرح مجموعة نقاط للإثارة، قد تصلح لتكون مبادئ للفيدرالية العراقية، وشروطا لإنجاحها، وضمانات لوحدة العراق:
وضع ضمانات للالتزام بمبادئ الديمقراطية في كل إقليم من الأقاليم على حد سواء، وعدم السماح بالانتقاص من هذه المبادئ، وعدم السماح بنشوء ازدواجية باعتماد الديمقراطية في المركز، وعدم الاكتراث بمدى اعتمادها في الأقاليم أو في بعضها.
وهذا يتطلب ابتداءً تجذير وتأكيد وتوسيع التقليد الديمقراطي داخل الأحزاب، سواء الكردستانية، أو الإسلامية، أو الليبرالية، لأن التقليد الديمقراطي ما زال غائبا نسبيا داخل الأحزاب.
اعتماد مبدأ المساواة في الحقوق والرفاه الاجتماعي بين كل الأقاليم.
اعتماد مراعاة خصوصية كل إقليم في تحديد سقف اللامركزية صعودا أو نزولا.
إيجاد آلية لحل التناقض بين المبدأين الآنفين؛ مبدأ المساواة من جهة، ومبدأ تفاوت درجات اللامركزية من جهة أخرى.
اعتماد التدرج في التشكل الفيدرالي للأقاليم، حتى تتكامل التجربة تدريجيا، بشرط عدم المساس بالحقوق الفيدرالية المكتسبة للكرد، وعدم المبالغة في التباطؤ في تشكيل بقية الأقاليم.
اعتماد المرونة في التحول من صيغة إلى صيغة فيدرالية أخرى، فيما هو تحديد طبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم.
التوفيق بين الانفتاح على تجارب الدول الفيدرالية، وبين بلورة تجربة فيدرالية ذاتية ترعى الخصوصية العراقية.
وضع برنامج للتحول من الفيدرالية القائمة على أساس التنوع القومي والمذهبي، إلى الفيدرالية القائمة على أساس التنوع السياسي، أو لنقل إلى حالة المزاوجة بين مراعاة التنوع القومي والمذهبي من جهة، ومراعاة التنوع السياسي من جهة أخرى.
تثبيت مبدأ الاتحاد الاختياري الذي طالب به الكرد، ولكن مع مراعاة عدم إثارة المخاوف عند العرب من التجزئة من جهة، وعدم إثارة المخاوف عند الكرد من فرض الوحدة القسرية وإلغاء حق تقرير المصير من جهة أخرى.
عدم الخوف من الإفصاح عن حقيقة الخصوصيات للمكونات العراقية الثلاث ومن تسميتهم باسمائهم (الكرد، الشيعة، السنة العرب)، مع ضرورة التثقيف الموازي لذلك على نبذ الطائفية والعنصرية، والتخلص منهما أينما وجدا.
اعتماد الفيدرالية المركبة لفسح فرص التنافس بين الكيانات السياسية في كل إقليم، وتحقيق بعض شروط التحول إلى الفيدرالية القائمة على أساس التنوع السياسي، وذلك باعتماد صيغتين؛ الأولى صيغة الأقاليم، والثانية صيغة اتحاد الأقاليم، على سبيل المثال اتحاد أقاليم أو إقليمي كردستان، واتحاد أقاليم الوسط والجنوب، واتحاد أقاليم أو إقليمي غرب العراق، وهكذا بالنسبة لأقاليم أو إقلمي الغرب، من أجل اجتناب انفراد اللون السياسي الواحد أو الحزب الواحد بحكم إقليم ما من جهة، والتخلص من الاضطرار للجوء للمحاصصة السياسية، والتي تعتبر تعطيلا لآلية جوهرية من آليات العملية الديمقراطية من جهة أخرى.
التوليف بين مبدأ التنافس بين الأقاليم ومبدأ المساواة وعدم الوقوع في مرض الأنانية الإقليمية.
وضع ضمانات كافية لحفظ حقوق الأقليات داخل الأقاليم ورعاية خصوصياتهم الثقافية والدينية والقومية، وعدم تذويب هوية تلك الأقليات في هوية الأغلبية لذلك الإقليم.
توسيع وتجذير الثقافة الفيدرالية – بالطبيعي إلى جانب ثقافة ديمقراطية – بدءً بالنخبة المثقفة وانتهاءً بجماهير الشعب العراقي كلها، لأن المشروع لا ينجح، ما لم توفر له حاضنة من لدن جماهير الشعب العراقي، والحاضنة هذه لا تتحقق إلا بتوفير قاعدة معرفية، فيما هي الفيدرالية، وفيما هي الديمقراطية، وفيما هي كيفية التعاطي اليومي معهما.
من أجل بيان أن التقسيم الثلاثي لمكونات الشعب العراقي، لا يمثل تقسيما قوميا أو مذهبيا محضا، بل هو تقسيم سياسي، لأن هناك ملامح سياسية بارزة لكل من المكونات الثلاثة، نورد أمثلة على الموقف السياسي العام والغالب لكل منها تجاه أكثر من قضية.
الشيعة يميلون إلى توزيع الاختصاصات بين الاتحاد والأقاليم.
الكرد يميلون إلى جعل الاختصاصات بشكل أساسي للأقاليم.
السنة العرب يتحفظون على الفيدرالية، ويميلون إلى حصر الاختصاصات في المركز.
الشيعة يميلون إلى اعتبار العراق متعدد القوميات، مع ثمة مراعاة لحقيقة الأكثرية العربية.
الكرد يميلون إلى اعتبار العراق متعدد القوميات، وتأكيد أن القوميتين الأساسيتين هما العربية والكردية.
السنة العرب يميلون إلى تأكيد أن العراق جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، مع ثمة اعتراف بوجود تنوع قومي.
الشيعة مع تأكيد وتفعيل اجتثاث البعث، دون ملاحقة البعثيين غير المجرمين، أي التمييز بين إبعاد البعثيين الكبار عن مواقع المسؤولية المهمة من جهة، ومساواتهم فيما دون ذلك في حقوق المواطنة من جهة أخرى.
الكرد غير معنيين كثيرا بالجدل حول البعث رغم معاناتهم السابقة، لكون كردستان غير مهددة بشكل جدي من قبل البعثيين.
السنة العرب مع عودة البعثيين غير الصداميين، ومساواتهم في الحقوق السياسية بدون استثناء، بما في ذلك إعادة تشكيل حزب البعث.
الشيعة مع إنهاء تواجد القوات الأمريكية بالطرق السياسية السلمية، وفي الوقت المناسب الذي يقرره العراقيون.
الكرد يميلون إلى تأكيد الصداقة الأمريكية.
السنة العرب مع اعتماد المقاومة المسلحة وغير المسلحة لطرد المحتل.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::