المالكي والبرزاني والاتفاقية ودرء أسوء الاحتلالين بأهونهما
عندما انتقدت في مقالتي السابقة تصريحَي كل من رئيس الوزراء ورئيس كردستان لم أرد أن أساوي بينهما فيما يتعلق بموضوعنا (الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية)، كما لم أرد أن أساوي بين المالكي والبرزاني مجتمعين من جهة وبين الرافضين للاتفاقية في موقف متناسق مع إيران من جهة أخرى. فمن ناحية نعلم أن مسعود البرزاني وعموم الأحزاب الكردية من المؤيدين بحماس للاتفاقية، وهذا ما عبر عنه رئيس الإقليم بقوله: «إن الاتفاقية تصب في مصلحة الشعب العراقي والولايات المتحدة والمنطقة أجمع»، وهذا القول مما لا نملك إلا أن نثني عليه ونعتبره في غاية الدقة، رغم انتقادي لتصريحه بمطالبة أمريكا بإقامة قواعد عسكرية، من حيث كونه تصريحا لمسؤول سياسي بموقع رئيس الإقليم، وليس من حيث تقويمه سلبا أو إيجابا.ففي هذه القضية بالذات نجد أنفسنا منسجمين مع الحزبين الكرديين، وإن كانت لدينا ملاحظاتنا المهمة على أدائمهما في كردستان وفي الكثير من القضايا ذات التأثير على مسار العملية السياسية في العراق، ليس آخرها مسؤوليتهما عن تقوية تيارات الإسلام السياسي والطائفية السياسية الشيعية والتوجه الإيراني، إضافة إلى ملاحظات مهمة عن الأداء الديمقراطي وقضايا الفساد الإداري والمالي في كردستان، والاستغراق في البعد القومي، والموقف مما يسمى بالمناطق المتنازع عليها وعلى رأسها كركوك، ومن الأقليات القومية والدينية في كردستان، ومن حرية الصحافة والتعبير وغيرها من الأمور.
لكننا ما زلنا نرى أن القوى الإسلامية الشيعية لاسيما الموالية لإيران أو المنسقة معها هي الأخطر والأشد ضررا على العملية الديمقراطية في العراق، لأننا نجد أن من الأسهل مع الأحزاب العلمانية ومنها الحزبان الكرديان عندما يسيئان الأداء السياسي، محاولة إصلاحها وتصحيح مسارها أو نقدها ومعارضتها، لكونها لا تدعي القداسة الدينية لنفسها، كما هو الحال مع أحزاب الإسلام السياسي التي تنسب نفسها إلى الله، وتضفي بالتالي على نفسها القداسة، باعتبار أنها تحمل فكر ورسالة وشريعة السماء.
وقلت أيضا إنني لا أساوي بين المالكي والقوى الرافضة للاتفاقية، تارة تناسقا مع إيران، وتارة تنسيقا معها، أو لعله تنفيذا لأجندتها. فموقف المالكي وحزبه حزب الدعوة لا يمكن أن يساوى مع موقف المجلس/بدر والتيار، ومعهم البعثيون الجدد، فالمالكي وحزب الدعوة (ولا أعني منه حزب الدعوة تنظيم العراق) يؤيدان توقيع الاتفاقية بعكس المجلس، الحليف اللدود للدعوة. ولكن عدم المساواة هذه لا يمنع من التعبير عن الاستغراب الشديد لتصريح المالكي الأخير بعرض الاتفاقية على دول الجوار. لا ندري إلى متى تحكمنا دول الجوار لاسيما إيران والمرجعية بدلا من مؤسسات الدولة بسلطتيها التنفيذية والتشريعية، كل بحسب صلاحياتها الدستورية.
ونحن عندما نجد أنفسنا أكثر انسجاما في هذه القضية بالذات مع المؤيدين لتوقيع الاتفاقية، لا يعني أننا نريدها من غير قيد أو شرط، فقضية السيادة الوطنية التي يتاجر البعض بها ويزايد سياسيا الآخرين عليها، أو يتبناها البعض بشكل حماسي وغير واقعي، تتصدر أولوياتنا من غير شك. ومن هنا نجد من الطبيعي أن يراعى في الاتفاقية بأقصى الممكن، وعندما أقول بأقصى الممكن فيعني أننا يجب أن نميز بين واقعية أقصى الممكن ومثالية أقصى الطموح، أن يراعي في الاتفاقية أقصى الممكن من مراعاة السيادة الوطنية العراقية. فنحن نعلم أن في كل اتفاقية طرفين، لكل منهما مصلحة فيها، ومن هنا لا يمكن أن تنفرد إرادة ومصلحة أحد الطرفين دون الآخر بصياغة بنود الاتفاقية ومن هنا يكون من الهراء والمبالغة واللاواقعية أن نطالب بمراعاة السيادة الوطنية بأقصى حدودها الممكنة وغير الممكنة، بل المراعاة مطلوبة لكل الواجب وجُلّ الممكن مراعاته.
ثم قد يصح القول بأن الاتفاقية من شأنها أن تكرس الاحتلال الأمريكي وتمنح الوجود الأمريكي الشرعية. عندما أقول قد يصح، يعني تصحيحي لهذه المقولة محدود وليس تصحيحا غير مشروط، أو لنقل إنه تصحيح افتراضي، وإن كان لا يخلو من ثمة صحة، فالافتراض لا يعني النفي. لكن أقول دعونا نذهب شوطا مع هذه المقولة، ومع إن الاتفاقية، مهما حقق الجانب العراقي من تحقيق أقصى الممكن في مراعاة السيادة والمصلحة الوطنيتين للعراق، سيبقى هناك من جرائها ثمة مساس بالسيادة الوطنية، فإن مجرد وجود قوات أجنبية على أراضي بلد ما قد يكون بحد ذاته مما يعد مساسا بالسيادة. فالتواجد الأجنبي مهما أضفيت عليه مساحيق التجميل يبقى بمعنى من المعاني لونا من ألوان الاحتلال، إلا إذا تحول الطرفان إلى صديقين متكافئين، وهذا أمر ممكن بل مطلوب. ولكننا كما نعلم اليوم أي ما بعد 2003 نجد أنفسنا بين احتلالين؛ الاحتلال الأمريكي، والاحتلال الإيراني. فأي الاحتلالين أشد خطرا وضررا وإفسادا وقابلية للبقاء الطويل أو المستديم؟ إذا أمعنا النظر ودرسنا أبعاد كل من الاحتلالين على مدى التجربة الماضية القريبة والواقع الراهن والمستقبل المنظور وما وراء المنظور، سنجد من غير شك إن الاحتلال الإيراني هو الأفتك من الاثنين.
فإيران من شأنها ومن مصلحتها وعبر تجربتنا معها أن تقوي كل عناصر تهديد الديمقراطية والأمن، واللذين عبرتُ عنهما في مقالة سابقة لي بأنهما لما يزالا ديمقراطية قلقة وأمنا قلقا، وبالتالي ما زالا مهددَين بالانهيار. فأحزاب الإسلام السياسي لاسيما المتشددة والمتطرفة منها تشكل خطرا جديا على المشروع الديمقراطي، وإيران من شأنها أن تقوي هذه الأحزاب. والطائفية السياسية الملازمة للإسلام السياسي هو خطر أشد فتكا بالديمقراطية والأمن، وإيران هي الداعمة الأولى للطائفية السياسية والمستفيدة الاولى منها. والميليشيات هي بؤر الخطر الأساسية ضد الأمن والديمقراطية، وإيران هي ممولة ومدربة ومساندة هذه الميليشيات بل ومؤسسة البعض منها. هذا على الصعيد السياسي والأمني، ولكن حتى على الصعيد الاجتماعي والديني والثقافي، فإيران مُصدِّرة ثقافة الخرافة والغلو والاستغراق في ذلك اللون من الشعائر الذي من شأنه تجسيد وتأكيد وتكريس الخرافة والغلو.
وهذا كله لا نجده فيما يسمى على نحو التسامح أو على نحو الواقع بالاحتلال الأمريكي، دون أن نبرئ الأمريكان من مساوئ كبيرة وأخطاء رهيبة، ولكن مساوئ الاحتلال الأمريكي بكل تأكيد أفضل من محاسن الاحتلال الإيراني. ولا ننسى خطرا آخر من مخاطر الاحتلال الإيراني في مقابل الاحتلال الأمريكي، وهو بسبب العلاقات بين المجتمعين العراقي والإيراني من جوار مباشر، ووحدة دين على الأعم الأغلب، ووحدة مذهب بين أغلبية الشعب الإيراني ومكون كبير من مكونات الشعب العراقي، وحوزة وعمائم ومراقد ومواسم زيارات وشعائر دينية وتداخل اجتماعي وانتماء للشرق وعاداته وتقاليده التي قد تلتقي في الكثير من مفرداتها، كل ذلك يجعل الاحتلال الإيراني أكثر قدرة على التأثير، ثم خبرة الاطلاعات (المخابرات) الإيرانية وجيش القدس وامتداداتها في الوسط العراقي متمثلة بأحزاب ذات نفوذ وسلطة وثروة مالية وميليشيات متدربة وخبرة مخابراتية وميليشياوية وحوزوية، كل ذلك يمنح الاحتلال الإيراني القابلية على التجذر والبقاء لأمد طويل لا يعلم مداه إلا الله والراسخون في العلم. بينما الاحتلال الأمريكي فمحتَّم أن مآله إلى الانتهاء مهما طال، حتى لو دام عقدا أو عقدين أو خمسة عقود، بينما سيمكث الاحتلال الإيراني قرونا ولعله حتى قيام الساعة.
03/11/2008
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::