إجهاض الثورة ضد الفساد والعودة للائتلاف الطائفي
منذ مدة ليست قصيرة وأنا شبه منقطع عن الكتابة، رغم حدوث أمور كثيرة، كان بودي أن أبين وجهة نظري فيها، ومنها أمور دولية وأخرى إقليمية، وعلى رأس الأولى خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي، الذي ارتقى فيه من مستوى الزعيم الأمريكي إلى مستوى الزعيم العالمي، وتداعيات الانخابات الرئاسية في إيران والصراع المحتدم بين التشدد المتمثل بخامنئي وأحمدي نژاد، والإصلاحي المتمثل بمير حسين موسوي ومحمد خاتمي ومهدي كروبي، والترقب لموقف رفسنجاني. لكني أريد هنا العودة إلى القراء الأعزاء بموضوعين هامين من الشأن العراقي، أتناولهما باختصار، ولعل نشرهما سيتأخر بسبب مشكلة لدي في الشبكة لعلها تحل اليوم أو غدا بإذن الله. ولعلي أجد الفرصة لإكمال مجموعة من مقالات ابتدأتها منذ فترة غير قصيرة، ولم تكتمل، وربما أعذر عن المواصلة بالكتابة كما اعتاد كثيرون من قرائي، بسبب تفرغي لأكثر من مشروع سياسي، لاسيما مشروع الائتلاف الديمقراطي، إضافة إلى تجمع الديمقراطيين العراقيين، ولكن لا يخلو الأمر من شيء ذاتي من تماهل أو تكاسل، أو مزاجية يكابر من يدعي الخلو منها تماما. إذن مع القراء الأعزة في هاذين الموضوعين بإيجاز شديد.
هل أجهضت الثورة ضد الفساد؟
ما أن استبشر العراقيون باطلاق ما يمكن تسميته بالثورة البرلمانية السلمية والديمقراطية ضد الفساد المالي والإداري، وذلك بتفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب، حتى طفحت إلى السطح محاولات إجهاض الوليد الذي ترقب ولادته العراقيون بشوق.
فالنائب الأول لرئيس مجلس النواب (الائتلافي)، وبتنسيق واضح مع السلطة التنفيذية وتلبية لرغبتها، يقدم مقترحا لتقييد الصلاحيات الرقابية لمجلس النواب، مما سيحولها إلى دور شكلي غير فاعل وغير مؤثر، ذلك بوضع شتى العراقيل أمام ضلوع مجلس النواب بهذا الدور الهام، آملين ألا يسمح النواب بتمرير ذلك، بل تأكيد الدور الرقابي للمجلس وتفعيله أكثر، كي لا يصاب المواطن بخيبة أمل جديدة في ممثليه. وعلاوة على ما طرحه النائب الأول لرئيس مجلس النواب، سمعنا وباستغراب شديد أنه راح رئيس الوزراء يهدد بفتح الملفات التي تطلبت مصلحة السلطة والحزب، أن يجري التستر عليها بالمقايضة، إذا ما واصل مجلس النواب دوره المرسوم له دستوريا، ورفض أن يعطل هذا الدور. وهذا واضح فيه أن هناك تسترا، وهذا ما يتعارض بشدة مع مبادى (دولة القانون) ومبادئ الديمقراطية.
أخذنا نسمع أشياء غاية في الغرابة؛ إجراءات تأديبية تتخذ ضد من كان سببا في إنزال الطائرة التي أقلت الوزير الهارب المتهم بالفساد، وتهديد يوجه لرئيس لجنة النزاهة برفع دعوى قضائية ضده من قبل رئيس السلطة التنفيذية. وهذا سيجعل الناخبين الذين انتخبوا في انتخابات مجالس المحافظات ما توهموه بديلا وطنيا يقف ضد الطائفية السياسية وتسييس الدين والعنف والفساد، سيجعلهم أو يجعل الكثيرين منهم يعيدون النظر في خياراتهم، لاسيما إذا أضيف إليه بعث الحياة إلى الائتلاف المسجى، كما في موضوعنا الثاني لاحقا.
هل من عودة إلى الائتلاف الشيعي؟
منذ مدة غير قصيرة ونسمع بالكثير مما يؤشر أن هناك سعيا حثيثا للعودة إلى الائتلاف العراقي الموحد (الشيعي الإسلامي)، ولعل أكثر المتحمسين لهذه العودة غير المرحب بها طرفان، هما المجلس الأعلى الإسلامي وإيران الخامنئية، خاصة تيار التدخل في الشأن العراقي، الذي ربح المعركة السياسية المحتدمة بطريقة يستبعد أن تكون ديمقراطية، ألا هو تيار الثنائي خامنئي – أحمدي نژاد. أما المالكي ومعه ائتلاف دولة القانون وحزب الدعوة، فما زال يراوح ما بين الحفاظ على ما قطفه من ثمار الربح السياسي في انتخابات مجالس المحافظات، والرضوخ للضغوط، التي لا ندري ما إذا كانت المرجعية هي الأخرى طرفا فيه، يضاف إلى الطرفين المذكورين، فإذا كان الأمر كذلك، فيسصعب على المالكي ودعوته أن يصمدا أما هذه الضغوطات (الشرعية) المحرجة.
لكن ربما تكون هذه العودة عودة محمودة ومرحبا بها من جهة أخرى، وتكون لصالح التيار الوطني الديمقراطي، حتى لو ربح تيار الإسلام السياسي الشيعي المعركة الانتخابية المقبلة، فذلك لصالح التيار الديمقراطي، لأن مثل هذه العودة تجعل الخارطة السياسية واضحة الملامح وبينة الحدود بين الفصائل والتيارات، فلا تداخل في المساحات، ولا خلط في التوجهات، ولا ألوان مزيجة، توهم المواطن، بل هذا سيؤدي إلى أن يكون هناك تياران متمايزان عن أحدهما الآخر، تيار وطني، أي ليس شيعيا ولا سنيا من الناحية السياسية، وديمقراطي حقا وحقيقة، ومدني علماني غير مسيس للدين محترم له، ومحارب للفساد غير قابل بالتستر عليه، وتيار متخندق مذهبيا شيعيا أو سنيا، مسيس للدين، مؤدلج للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، مضيق للحريات، متكتم في الغالب على الفساد. فهذا الفرز هو في صالح المشروع الوطني الديمقراطي ولو على المدى الأبعد، مع أنه من الممكن أن تحصل مفاجئات فيما يمكن أن يحققه هذا تيار الوطني الديمقراطي، رغم ضعف إمكاناته مقابل إمكانات التيار الآخر، لاسيما الإمكانات المالية التي نعلم فيما يتعلق الأمر بالتيار الآخر أن من فصائله وأحزابه ما يملك ميزانية دولة. مع هذا فنحن مطمئنون إلى أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، فالصحيح هو المشروع الوطني وليس المشروع الطائفي، والصحيح هو الدولة المدنية العصرية التي تحترم الدين ولا تسيسه، والصحيح هو محاربة الفساد، وليس مزاولته أو لا أقل التستر عليه. لكننا عندما نرحب بهذا الفرز، لا نريد ان نوصد الباب أمام الإسلاميين المعتدلين الذين كفروا - حقيقة وليس مزايدة أو ركوبا لموجة - بالطائفية السياسية، والذين آمنوا أخيرا بأصلحية وأفضلية المشروع الديمقراطي في مقابل مشروع الدولة الدينية (الثيوقراطية)، المؤجل العمل به اضطرارا عند المتشددين، والذين أي هؤلاء الإسلاميون المعتدلون وطنوا أنفسهم أن يكونوا حربا على الفساد المالي والإداري، والاهتمام حقيقة بالمواطن وتوفير الخدمات والحياة الكريمة له.
20/06/2009
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::