العدوانية في لغتنا .. «المتنازَع عليها» نموذجا

لست بصدد الكلام عن كركوك وخانقين ومندلي وسائر ما أسماه دستور 2005 بالمناطق المتنازَع عليها. وإنما أريد أن أتساءل لماذا أسماها الدستور بـ«المناطق المتنازَع عليها». وأقصد في تساؤلي البعد اللغوي للمصطلح والخلفية السايكولوجية لاختياره. فإننا نعرف أن هناك درجات متفاوتة للاختلاف، تبدأ بالحوار والتفاهم، وأول درجات عدم الاتفاق هو الاختلاف، وإذا لم يحل بالطرق السلمية والعقلانية، يتحول الاختلاف إلى خلاف ثم نزاع، ثم خصومة فعداوة فاقتتال. واللغة الدستورية لا يجوز لها أن تختزن مواقف هي أقرب إلى الانفعالات العاطفية، سواء السلبية منها أو الإيجابية، كالمصطلحات المعبرة عن معاني الانسجام أو التنافر مثلا، بل لا بد للغة الدستورية من أن تكون لغة موضوعية إضافة إلى كونها لغة قانونية، وإن كانت بمضامين سياسية، ولكن غير مؤدلجة. والنزاع أو المنازعة من الفعل (نازع، ينازع) أو التنازع من (تنازعا، يتنازعان)، إنما هو مصطلح يختزن ثمة مشاعر سلبية وفيه حكم بعدم الاتفاق، بل هو تصعيد للاختلاف الذي تتطلب الموضوعية إقراره؛ تصعيده إلى مستوى الخلاف ثم يتجاوزه مرتبة إلى النزاع، والحمد لله الذي لم يستخدم كاتبو الدستور مصطلح المُتخاصَم أو لا قدر الله المُتقاتَل عليها. مع هذا فصحيح إن التنازع هو دون مرتبة التخاصم، والتخاصم دون التعادي، والذي هو أي التعادي صحيح دون التقاتل، لكنه مقدمة له. أقول حتى التنازع هو مصطلح غير مقبول دستوريا، وكأن كاتبيه كانوا يضمرون تصعيد وتيرة الاختلاف إلى درجة التنازع، التي هي المرتبة السابقة للتخاصم، تليها مراتب أشد خطورة وقى الله العراق والعراقيين شرور أي من مراتبها. نعم هناك مناطق مختلَف عليها، وكان لا بد للدستور من أن يضع آليات للخروج من الاختلاف إلى الاتفاق والتوافق، ومن هنا فإن المصطلح الدستوري المناسب كان يفترض أن يكون «المناطق المختلَف عليها» أو المتخاَلف عليها وليس «المتنازَع» عليها.

لا أدري هل إن كتبة الدستور وقعوا دون أن يعوا في فخ استخدام بعض ما تختزنه لغتنا من أبعاد عدوانية، كـ «اتق شر من أحسنت إليه»، و«من تعلم لغة قوم أمن شرهم»، وغيرها من العبارات التي كانت ربما عندما أطلقت لها سياقاتها، مما جعلها تناسب تلك السياقات في الظرف الزماني والمكاني للسياقات، وهي بالتالي تمثل حالة طارئة وليست قاعدة عامة، وبالتالي فهي مقبولة ضمن سياقاتها، ولكن تحويلها إلى قاعدة عامة هو الذي ينم عن البعد العدواني للبيئة الاجتماعية التي حولتها من مقولة مناسبة لسياقاتها الخاصة بها تلك إلى قاعدة عامة وقانون شامل. وهذا يشبه ما جرى مع مقولة «إن كيدهن لعظيم» التي استحالت قانونا، والتي لم تكن حسب الرواية القرآنية إلا مقولة للعزيز موجهة إلى مجتمع نسوي محدود، متمثلا بزوجة العزيز التي شغفها يوسف بحبها إياه، وصديقاتها، وبحسب انطباعه هو عنهن، فأخذ الناس يستخدمونها كقاعدة إلهية تدين النساء تعميما وإطلاقا، بينما الآية إنما تنقل قولا لشخص ما لم يطرحه القرآن كشخص مقدس، ولم يشر لا من بعيد ولا من قريب إلى أن أقواله تمثل قواعد عامة وشاملة أو معتمدة من قبل القرآن.

أقول لا أدري ما هو منشأ هذه اللغة العدوانية بمفردات عدائية من قبيل (العدو، الكافر، الخائن، المتآمر ...)، ثم لا أدري كيف انتقلت عدوى العدوانية إلى لغة الدستور، الذي يفترض أن كتبته يحملون حدا أدنى من ثقافة العصر، ثقافة السلام والاعتدال والعقلانية، من أجل ألا أقول الثقافة الليبرالية، كي لا تأتي تهمة التغرب الثقافي أو التأثر بثقافة الغرب (الكافر)، أو الغرب (المستعمر) أو أقلها الغرب (العلماني)، بعدما عُدَّت العلمانية ظلما وفي إطار ثقافة عامة رُوِّج لها، ذات مفهوم يختزن مناوءة الدين وانتهاك حرمة المقدسات، ولو إن هناك اليوم في العراق كما في مناطق عربية وإسلامية أخرى ثمة مؤشرات للعودة إلى تصحيح مثل هذه المفاهيم، مما تؤكده ظاهرة وجود متدينين علمانيين، ونشوء فهم علماني للدين لاسيما في بعديه الاجتماعي والسياسي، وفهم ليبرالي للدين في بعديه الثقافي والتعايشي، كما وظهرت ملامح ظاهرة الدين المتصالح مع العلمانية، بعد أن تبين أن العلمانية الحقة متصالحة مع الدين بالضرورة، كما إن الإيمان في جوهره متصالح مع العلمانية، بل هو علماني في كثير من جوانبه، وكذلك فإن العلمانية في جوهرها تكاد تلتقي كليا مع جوهر الإيمان، لا أقل في بعده الإنساني.

 إننا في حاجة إلى ثقافة القاعدة والأصل، التي هي ثقافة الرفق، لا ثقافة الاستثناء والطارئ التي هي ثقافة العنف، ثقافة «ادخلوا في السلم كافة»، و«إذا جنحوا للسلم فاجنح له»، و«الصلح خير»، و«أن تبروهم وتقسطوا إليهم»، بدلا من ثقافة «خذوهم أينما ثقفتموهم»، و«بدت بيننا وبينكم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة»، و«قاتلوهم»، لأن النوع الأول من النصوص يمثل نصوص الجوهر والمبادئ والثوابت، أو نصوص القاعدة، بينما النوع الثاني فيمثل نصوص الاستثناء والعناوين الثانوية الطارئة. فالإيمان في جوهره، والفلسفات الأخلاقية، وأسس العقلانية، والمثل الإنسانية، كل ذلك يقول بأصالة السلام لا أصالة الحرب، أصالة الصداقة لا أصالة العداوة، أصالة الرحمة لا أصالة القسوة، أصالة الرفق لا أصالة العنف، أصالة الحب لا أصالة البغض، أصالة التفاهم والتوافق لا أصالة التنازع والتخاصم، أصالة العفو والتسامح لا أصالة الثأر والانتقام. وهذا يجب أن ينعكس على لغة الدستور، والخطاب السياسي، والخطاب الديني، والمناهج التربوية، ومناقشة التاريخ، وحوار الأديان والمذاهب والثقافات والحضارات، والحدود الدولية والإقليمية والإدارية، وإدارة الاختلاف ولغة الحوار.

أرجع إلى مفردتنا الدستورية «المتنازَع عليها»، المستوحاة كما يبدو من الروح العدوانية للغتنا، ولا أقصد هنا أن اللغة العربية ذات طبيعة عدوانية، بل استخداماتنا لمفردات اللغة تنم عن العدوانية في كثير من الأحيان. أرجع لمفردتنا هذه لأقول إذن ليس لدينا مناطق متنازَع ولا متخاصَم عليها، بل مناطق مُختلَف عليها، ثم لتكون مناطق متفاهَما ثم متوافَقا عليها. وهكذا أردناها فيدرالية تصالح وتعايش، لا فيدرالية تنازع وتخاصم، فيدرالية وحدة تقر التنوع، لا فيدرالية فرقة وتقسيم، كما أردناها ديمقراطية تعددية سياسية، لا ديمقراطية محاصصة طائفية وعرقية وحزبية.

وما أردناه ما زالت أمامنا فرصة تحقيقه ضمن برنامج سياسي وثقافي، وطني وإنساني وعقلاني.  

03/10/2008

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::