عملية إعدام الطاغية .. ما لها وما عليها .. وما بعدها

 

«فقـُطِـعَ دابـِرُ القـَوم الـَّذينَ ظـَلمُوا وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العالـَمين»

 

لنتوقف عند هذا الحدث، الذي لا نغالي إذا وصفناه أنه حدث تاريخي؛ لنتوقف عنده قليلا، لنرى ماذا يمكن أن نستخلص منه من عبر، وماذا علينا أن نسجل من ملاحظات حول ما اقترن بهذا الحدث، من ملابسات ومن ردود فعل.

 

ابتداءً أحب أن أكرر ما ذكرته في التهنئة الثلاثية بالأضحى ورأس السنة والميلادية وفرحة العراقيين بإعدام الطاغية، فأقول: قـُرَّت أعين كل شهداء العراق من ضحايا الطاغية، وضحايا كل إفرازات نظامه المقبور، قـُرَّت أعين كل اللاتي والذين ثـُكلن وثـُكِلوا ويُتـِّمن ويُتـِّموا ورُمِّلن ورُمِّلوا بشهدائهم وشهيداتهم، قـُرَّت أعين كل العراقيين بهذا اليوم، الذي طـُويَت فيه حقبة من أشد الحُقـُب ظـُلمة من تاريخ العراق إلى الأبد، بإنزال العقوبة العادلة بحق جلاد العصر، ليكون هذا اليوم الخالد يوما للمصالحة، ولفتح صفحة جديدة لكل العراقيين، ويوما لابتهاجهم جميعا، وليكون في نفس الوقت يوما للعبرة لكل من يستخف، أو يفكر أن يستخف بحرمات الإنسان العراقي، لاسيما حرمة حريته، وحرمة كرامته، وحرمة دمه.

 

إنه ليحق لنا أن نتبادل أجمل التهاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك، ورأس السنة الميلادية الجديدة، وعيد فرحة الشعب العراقي بإعدام طاغيته، هذه التهاني المقرونة بالدعاء في أن يكون عام 2007 هو الأفضل من كل الأعوام منذ 2003، والأفضل من كل الأعوام قبل 2003، وأن يمثل فاتحة خير لمستقبل مشرق على جميع الأصعدة، وأن يعيد الله العيد على الجميع بأجمل وأهنأ ما يكون فيه العيد، من تحقيق المصالحة والأمن والديمقراطية والرفاه الاجتماعي، وكل ما يتطلع إليه شعبنا وقواه الخيرة، هذا التطلع الذي طال انتظار تحقق الحد الأدنى منه، مما أدى إلى تحوّل الأحلام التي انبعثت مع سقوط الصنم إلى كوابيس، والأمل إلى ما هو أقرب لليأس، والتفاؤل إلى ما هو أقرب للتشاؤم. وحتى الفرحة بهلاك الطاغية، فهي لم تكن بالحجم الذي يستحقه الحدث، بل لعل الكثير منا حاول افتعال إظهار الابتهاج، تعويضا عما فاته من فرص الفرح كما كان ينبغي أن يكون في يوم سقوط الطاغية، ويوم إنزال القصاص العادل به. ومع هذا يمكن القول بأن هلاك الطاغية يبعث بومضة ضوء في الأفق. وومضة الضوء هذه في أفق العراق لا ينبغي أن تفقدنا موضوعية وواقعية الرؤية، فنستغرق في التمنيات والأحلام، مع إنه من حقنا الطبيعي والمشروع جدا أن نتمنى ونحلم. ولكن من أجل تناول الموضوع بموضوعية، نجد أنفسنا إذا ما واجهنا السؤال عما سيكون بعد إعدام صدام، سنجد أنفسنا أمام أكثر من احتمال. فمن الممكن أن يصدق التخمين بتراجع العنف، ولكننا في نفس الوقت قد لا نجد ما يعطي الضمانات في أن إعدام الطاغية لن يكون سببا من جانب آخر لتصعيد العنف. مع هذا لا يمكن القول أن الأمر يبقى سواء، مع إعدام صدام، أو إبقائه، فلإعدام صدام، وبقطع النظر عن الاستحقاق القضائي والشرعي، مجموعة فوائد نوجزها كالآتي:

1.  بلا شك إن إنزال حكم العدالة بمن كان مسؤولا عن معاناة شعب بأكمله، لأكثر من ثلاثة عقود بما قل مثيله، وكذلك لما أصاب شعبين مجاورين؛ إن إنزال حكم العدالة بحد ذاته، والانتصار لمبدأ العدالة وحده،، يمثل إنجازا يحق للعراقيين أن يستبشروا من جرائه بعهد جديد تكون فيه السيادة للقانون والقضاء العادل.

2.  وثمة فائدة معنوية ليست بقليلة الشأن لكل من ناله ظلم الطاغية، ولاسيما لذوي ضحايا جرائمه البالغة من اللاإنسانية مبلغا رهيبا، يمثل حقا إنسانيا طبيعيا لهؤلاء من الجميل أنه تحقق، بعدما كان الكثير من هؤلاء قد يئس من اليوم الذي يرون فيه إنزال العقوبة بمن ترك جيوشا من الثكالى واليتامى والأرامل.

3.  وتنفيذ العقوبة بصدام أعاد للعراقيين ثقتهم بالقضاء العراقي، إذ بدأ قبل تنفيذ الحكم الكثيرون يشكـّون بجدية المحاكمة، بل أخذوا يتصورون أنها لا تعدو أن تكون مسرحية، من أجل الإلهاء والتأميل وامتصاص الغيظ المعتمِل في نفوس معظم العراقيين.

4.  في حال حصول أي تغيير أو تحول في مسار العملية السياسية أو تعطيلها أو تجميدها أو الانقلاب عليها، بالاتجاه السلبي لا قدر الله، أي بإقامة ديكتاتورية جديدة، أو اشتعال نار الحرب الأهلية، أو بالاتجاه الإيجابي، بمعنى إنقاذ مشروع التحول الديمقراطي من الانهيار الكلي وتضييع الفرصة التاريخية الأولى من أيدي الشعب العراقي؛ في الحالتين نكون بإنهاء الفصل الصدامي قد استثنينا واحدة من السيناريوهات، ألا هي عودة صدام التي كان البعض يُمنـّي نفسه بها، ويعيش حلم تحققها، وربما كان حتى صدام يُؤمِّل بها نفسه، وكذلك زبانيته. فإن هذا الخيار لم يعد من ضمن الخيارات، رغم إن احتمال تحققه كان الأضعف من أي احتمال آخر، إلا أننا لم نكن لنستطيع بالقطع واليقين نفي إمكان تحققه.

 

ثم إن إعدام صدام يجعلنا نتوقف عند بعض الظواهر وعند بعض الحقائق. الغريب إننا ما زلنا نرى من يرى في صدام بطلا، فنجد تعاطف الكثير من مفاصل الشارع العربي مع صدام، وحزن الكثيرين عليه، أو تأسفهم على إعدامه، ومنهم من رأى إن ذلك يمثل إهانة للأمة العربية أو الأمة الإسلامية. فنسمع مصريا يسأل في الشارع عن مشاعره، فيقول بكل استغراب باللهجة المصرية: «الله؟ .. هُوَّ معؤول (معقول) رئيس گـُمهوريّة (جمهورية) بينعدم؟»، فيكون بالنسبة لهذا الرجل من غير المعقول أبدا أن يُعدم رئيس جمهورية. نعم هذه ثقافة شعوبنا؛ فلا استغراب عندنا ولا استنكار يصدر منا، عندما يحكم رئيس دولة شعبه بالنار والحديد والقمع والتعذيب والقتل الجماعي، ولكن الغريب هو أن يقتص الشعب أو القضاء العادل من طاغية كصدام، لأننا تثقفنا على ثقافة أننا لسنا إلا عبيدا وإماءً أرقاء لحكامنا، يفعلون بنا ما يشاؤون، يرحمون منا من يشاؤون ويعذبون من يشاؤون، يُبقون على الحياة من يشاؤون ويُميتون من يشاؤون، لا يُسألون عما يفعلون، بل هم المخولون ليقولوا لأي من أفراد شعوبهم: قفوهم إنهم مسؤولون، فيُعاقـَب منهم على ما يفعل، مما لا يروق للحاكم، وحتى عما لا يفعل، بل ربما على ما ينوي، فيما يعتقدون أنه يضمر من نوايا أو حتى مشاعر غير مباح بها وقناعات غير مصرح بها، مما يتقاطع مع الولاء المطلق للحاكم بأمر الله أو الحاكم بما يعلو على أمر الله ونهيه. قرون من الزمن يملك رقابنا الحاكم أو الخليفة أو الأمير، وبيعة أفراد قلائل له تجعل البيعة ملزمة للأمة كلها، بحيث يعتبر الخارج عن بيعة الخليفة أو الحاكم خارجا عن الدين، ويكون بحكم المرتد المستحق للقتل، بقطع رأسه، أو رميه من شاهق، أو صلبه، أو بأي وسيلة من وسائل القتل يبتكرها الحاكم.

 

نعم هناك ثقافة غريبة تسود المنطقة. فنحن يمكن أن نفهم أن تتخذ شعوب أو مجاميع من شعوب موقفا من جراء مقدمات معلوماتية خاطئة، تحصل من جراء تحريف لحوادث تاريخية أو تعتيم إعلامي على أحداث معاصرة، لكن أن توالي مساحات واسعة مما يسمى بالأمة العربية أو الأمة الإسلامية جلادا قد تبين لها بشكل لا يقبل اللبس أنه ارتكب من حمامات الدم والدفن الجماعي وقتل بالأسلحة الكيماوية، ما لا يمكن أن يرتضيه الإنسان حتى إذا ما ارتكبت هذه جرائم ضد أعدى أعدائه، فهو أمر يظهر مدى الانحراف في الإحساس الإنساني والإدراك الذهني على حد سواء.

 

الفلسطينيون يعلنون عن ولائهم لصدام معدوما كما عبروا عن ولائهم له حاكما شعبه بالنار والحديد، وكما عبروا عن ولائهم له يوم احتل الكويت التي آوتهم ومَوَّلتهم سنين طويلة، ويوم انتهك حرمات الكويتيين، الذين يفترض أنهم إخوتهم في العروبة أولا، وفي الإسلام ثانيا، وفي الانتماء المذهبي ثالثا، وفي نصرة القضية الفلسطينية رابعا، وكما عبروا عن ولائهم له من بعد ذلك يوم سقط الصنم في ساحة الفردوس، وعبروا عن ولائهم له مرة أخرى يوم أخرج ذليلا من جحر الجرذان، وعبروا عن ولائهم له أخيرا يوم نزل به القصاص العادل. وهكذا نرى إعلان الولاء في الشارع الأردني. فأية شعوب وأية مجاميع هذه التي فقدت كل إحساس بإنسانيتها، فاستشعرت كل هذا الحب والولاء لواحد من أعتى الطغاة في التاريخ وأشدهم دموية.

 

مذيعات فضائيات كالجزيرة والعربية يظهرن موشحات بالسواد، مظهرات الحداد والحزن، غير خافيات لدموعهن على جزار شعب بكامله، ومنتهك لحرمات شعبين مجاورين.

 

القذافي، هذا المجنون الذي ينتمي إلى أسرة، تحمل لقبا نستطيع أن نقول إنه اسم على مسمى، وهو لقب (گـَــّذاف الدم) أي (قـَــّذاف الدم)، نراه يعلن الحداد لثلاثة ايام على مَثـَله الأعلى في الطغيان وسلفه في المصير، وإنما هو حداد مسبق على نفسه، عندما سيقذف وكل الطغاة في مزبلة التاريخ، ويمنع خلال أيام الحداد كل مظاهر الفرح والابتهاج بعيد الأضحى.

 

وحتى بعض السياسيين في العراق والمشاركين في العملية السياسية، لم يستطيعوا أن يخفوا تعاطفهم مع سيدهم المعدوم.

 

إنها شعوب وأحزاب وقادة وحكومات علمونا أنهم يحزنون لأفراح العراقيين ويفرحون لأحزانهم.

 

كما رأينا أقلاما عراقية تكتب على المواقع وتعلن بكل وقاحة وصلافة وقذارة عن موالاتها للطاغية وتعاطفها معه وتمجيدها له. وعندما أقول إنها أقلام عراقية، فهذه التسمية من قبيل التسامح مع المصطلح، فهم عراقيون بمقدار عراقية صدام نفسه، ولكنهم ليسوا عراقيي الولاء، لأن من كان عراقي الولاء، لا يمكن أن تهون عليه دماء وأعراض وكرامات العراقيين، بقطع النظر عن مقدار التقائه في الأفكار والقناعات والانتماءات.

 

باختصار إن كل من أعلن تعاطفه مع هذا الطاغية الدموي، الذي لم يرع في عراقي إلا ولا ذمة، هو من غير شك قد تجرد عن إنسانيته وضميره وعراقيته وإسلامه وكل ما يدعي الانتماء إليه، أو حمل قيمته.

 

ولكن هذا كله لا يمنعنا من تسليط الضوء على ملاحظات تسجل على ملابسات الإعدام. وأول ما يسجل هو عدم موضوعية مستشار الأمن الوطني، عندما صور صدام في حالة من الذعر والرعب والارتباك حين قيد إلى الإعدام. انظر كيف يعلمنا القرآن الكريم أن نكون موضوعيين ومنصفين حتى مع أشد الناس لنا عداءً ومقتا، فيقول الله عز وجل «لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى». عندما تقيم إنسانا أو موقفا أو حدثا، لا ينبغي أن تجعل عواطفك السلبية أو الإيجابية هي التي تحلل وتقيم لك، بل اترك موضوعيتك التي هي من لوازم العقلانية ومن لوازم العدالة هي التي تتحدث. فنحن عندما نقيم الدقائق الأخيرة للطاغية قبل أن يلقى مصيره، لا نقيمه على ضوء ما نتصوره ونحتمله مما نفترض أنه يعتمل في داخله من أحاسيس، بل على ضوء المعطيات الخارجية الملموسة. فالرجل عليه ما عليه، والذي عليه لا يعد ولا يحصى، ولكن لا بد من أن نسجل له، أنه سار إلى المشنقة بكل رباطة جأش وثقة وتوازن، ولم يظهر ترددا، ولم يدع أحدا يقتاده إلى المشنقة، بل أصر على أن يسير بقدميه وبمحض إرادته إليها، ولم يرض بتغطية رأسه، ولم تكن حتى نبرة صوته عندما نطق بالشهادتين مكررا لهما مرتين مما يوحي إلى أنه خائف أو مرتبك. نحن نرجح إن هذا كان تمثيلا لدور البطل ودور الشهيد، ولكنه بصراحة أتقن أداء هذا الدور. وكنت أتمنى أن يصور بكاميرا خفية، ومن غير أن يعلم أن خطواته منذ لحظة اقتياده من زنزانته حتى آخر لحظة كلها توثق بالتصوير، ليبقى على سجيته، وتظهر انفعالاته وردود فعله على طبيعتها. لا نستطيع الآن أن نجزم أنه كان سيتصرف على نحو آخر، ولكن كنا سنستطيع أن نقيم ذلك بشكل أكثر موضوعية.

 

ومن المؤكد إن مما يسجل على عملية الإعدام هو سوء اختيار التوقيت، فلا أدري ما إذا كان هذا التوقيت ضروريا إلى هذه الدرجة بحيث يستبعد أي خيار آخر، قبل أو بعد هذا التوقيت. ولكن مع تسجيل هذه الملاحظة على سوء الاختيار من جهة، لا بد ومن جهة أخرى تسجيل مبالغة وتضخيم الأطراف الأخرى لهذه المفردة. فمن حيث الحكم الشرعي، ليس هناك حكم بحرمة تنفيذ حكم الإعدام في يوم العيد، بحيث يذهب شخص لا ناقة له ولا جمل في القضية العراقية، لا سلبا ولا إيجابا، لا من بعيد ولا من قريب، وهو الرئيس الأفغاني، لينتقد التوقيت بقوله إن العيد يوم فرح وليس يوم انتقام. ومع إن قضية التوقيت والملاحظات التي سجلت عليها مبالغ فيها ومهولة أكثر مما تستحق القضية، لا يمنعنا أن نذكر الحكومة العراقية بقول النبي الأكرم (ص): «رحم الله من جب الغيبة عن نفسه». أذكر ذلك لا لكونه حديثا شريفا، بل لكون هذه المقولة تعبر عن حكمة لا بد أن يلتزم بها العقلاء. وإذا كان المطلوب من الفرد أن يتجنب سلوكا يجبر الآخرين أن يسيئوا فهمه ويتناولوه بالنقد الذي عبر عنه في الحديث بالغيبة، فمن قبيل الأولى أن تتصرف الحكومات والأحزاب والجماعات والأمم بما لا يجعل الآخرين يسيئون فهمها ويوجهون سهام نقدهم لها، حتى مع افتراض سوء النية عند الطرف الناقد أو المستغيب. ونفس الشيء يقال عما جرى من هتافات وصلوات وتعليقات، أقل ما يقال عنها أنها ليس في محلها ولا في وقتها. إنه حدث ليس كأي حدث، ولذا لا بد أن يحاط بإجراءات ليست كأي إجراءات، من حيث ضبط من يدخل المكان ومن لا يدخله، وحسن اختيار الحاضرين وإلزامهم بضوابط محددة. ومن المعيب السماح بإظهار عملية الإعدام وكأنها مهرجان شيعي محض، وليس من العقلانية ولا من الأخلاق ولا من الشيم العربية ولا من الدين ولا من المدنية إظهار الشماتة أمام المقود إلى الموت في لحظاته الأخيرة، بينما كانت أخلاق علي عليه السلام تأبى أن تساء معاملة قاتله أو يهان أو يعذب في تنفيذ الحد عليه أو أن تهان جثته أو يمثل بها، فأين نحن من تلك الأخلاق الراقية؟

 

يا إخواني .. متى نتعلم؟

 

ولكن حتى مع نقدنا لأداء الحكومة العراقية وأجهزة الدولة، لا بد من أن نسجل ما يسجل لها، فكانت هناك على أقل تقدير محاولات واضحة جديتها وصدقها أن يتعامل حتى مع جلاد الشعب العراقي باحترام وعدالة وإنسانية، لولا تجاوز بعض المتخلفين، وقد جرى تسليم جثته وسمح بتشييعه ودفنه وإقامة مجلس التأبين له، بل وحتى إظهار الحزن عليه لمن حزن عليه. فيجب أن نكون منصفين ونقول رغم نقدنا للكثير من الممارسات، أين هذا كله مما كان يعامل النظام المقبور خصومه بل وحتى المشتبه بهم أنهم من خصومه ولو بغير دليل؟

 

ولنتأمل بهذه الحرية التي يتمتع بها في العراق أنصار الطاغية الذين يعلنون حزنهم على قائدهم جزار شعبهم، ويجددون له الولاء هالكا بإقامة مجالس التأبين عليه، ورفع صوره، وإخراج تظاهرات الاستنكار لإعدامه وإطلاق التهديد والوعيد للوطنيين العراقيين. فماذا كان سيحصل لو تصورنا أن أحدا جرأ في زمن صدام أن يقيم مجلس تأبين لعراقي أعدمه صدام بناءً على وضعه في خانة أعداء النظام. أولا كانت الطائرات قد حلقت لتقصف المناطق ذات الولاء لذلك المعدوم وتبيدها عن بكرة أبيها. فمع كل الملاحظات على العهد الجديد، فإن هناك ثمة فسحة واسعة من الحرية حتى لأعداء الحرية وأعداء الشعب العراقي. فهؤلاء الذين يرفعون صور الطاغية المقبور ويهتفون باسمه ويجددون الولاء لنهجه، إنما يقولون: نعم سنقيم الأنفال مرة أخرى، وسنجدد مجازر حلبجة والدجيل، وسنجدد المقابر الجماعية، لو أوتيت لنا السلطة من جديد. ومع هذا يملكون كامل الحرية للتعبير عن دمويتهم.

 

مع كل ما ذكر ومع ما كتبت مختلف الأقلام بهذه المناسبة، ليكن إعدام الطاغية فرصة لفتح صفحة جديدة، يعيد البعثيون فيها حساباتهم، ويعيد السياسيون فيها حساباتهم، وتعيد الحكومة فيها حساباتها، ويعيد الطائفيون من السنة والشيعة على حد سواء فيها حساباتهم، ويعيد المتطرفون والمتشددون فيها حساباتهم. فالعراق يستصرخنا، فلننهض كلنا لإنقاذه قبل فوات الأوان. ليست القضية أن يعدم صدام أو لا يعدم، وليست القضية أن يعدم في العيد أو بعد العيد، بل القضية هي قضية سلام وأمن الوطن، وهي قضية المصالحة الوطنية الحقة والإخاء الوطني، وهي قضية الهوية الوطنية والولاء للعراق أولا، وهي قضية إنجاح مشروع التحول الديمقراطي في العراق.

 

ضياء الشكرجي

01/01/2007

 

أعيادنا الثلاثة .. الأضحى ورأس السنة وفرحة العراقيين

 

«فقـُطِـعَ دابـِرُ القـَوم الـَّذينَ ظـَلمُوا وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العالـَمين»

 

قـُرَّت أعين كل شهداء العراق من ضحايا الطاغية، وضحايا كل إفرازات نظامه المقبور، قـُرَّت أعين كل اللاتي والذين ثـُكِلوا ويُتـِّموا ورُمِّلوا بشهدائهم وشهيداتهم، قـُرَّت أعين كل العراقيين بهذا اليوم، الذي طـُويَت فيه حقبة من أشد الحُقـُب ظـُلمة من تاريخ العراق إلى الأبد، بإنزال العقوبة العادلة بحق جلاد العصر، ليكون هذا اليوم الخالد يوما للمصالحة، ولفتح صفحة جديدة لكل العراقيين، ويوما لابتهاجهم جميعا، وليكون في نفس الوقت يوما للعبرة لكل من يستخف، أو يفكر أن يستخف بحرمة حرية وكرامة ودم الإنسان العراقي.

 

إنه ليحق لنا أن نتبادل أجمل التهاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك، ورأس السنة الميلادية الجديدة، وعيد فرحة الشعب العراقي بإعدام طاغيته، هذه التهاني المقرونة بالدعاء في أن يكون عام 2007 هو الأفضل من كل الأعوام منذ 2003، والأفضل من كل الأعوام قبل 2003، وأن يمثل فاتحة خير لمستقبل مشرق على جميع الأصعدة، وأن يعيد الله العيد على الجميع بأجمل وأهنأ ما يكون فيه العيد، من تحقيق المصالحة والأمن والديمقراطية والرفاه الاجتماعي، وكل ما يتطلع إليه شعبنا وقواه الخيرة، هذا التطلع الذي طال انتظار تحقق الحد الأدنى منه، والذي حول الأحلام التي انبعثت مع سقوط الصنم إلى كوابيس، والأمل إلى ما هو أقرب لليأس، والتفاؤل إلى ما هو أقرب للتشاؤم. حتى الفرحة بهلاك الطاغية، فهي لم تكن بالحجم الذي يستحقه الحدث، ومع هذا فإن هلاك الطاغية يبعث بومضة ضوء في الأفق. ولكن بعيدا عن التمنيات والأحلام، ولو إن من حقنا أن نتمنى ونحلم، ولكن من أجل تناول الموضوع بموضوعية، نجد أنفسنا إذا ما واجهنا السؤال عما سيكون بعد إعدام صدام، سنجد أنفسنا أما أكثر من احتمال. من الممكن أن يصدق التخمين بتراجع العنف، ولكن لا نجد ما يؤكد أن إعدام الطاغية لن يكون سببا من جانب آخر لتصعيد العنف. نعم لإعدام صدام مجموعة فوائد أجزها كالآتي:

5.  بلا شك إن إنزال حكم العدالة بمن كان مسؤولا عن معاناة لشعب بأكمله لأكثر من ثلاثة عقود بما قل مثيله، بحد ذاته، أي الانتصار لمبدأ العدالة وحده يمثل إنجازا يحق للعراقيين أن يستبشروا به.

6.  وفائدة نفسية أو معنوية لكل من ناله ظلم الطاغية، ولاسيما لذوي ضحايا جرائمه البالغة من اللاإنسانية مبلغا رهيبا، يمثل حقا إنسانيا طبيعيا لهؤلاء من الجميل أنه تحقق، بعدما كان الكثير من هؤلاء قد يئس من اليوم الذي يرون فيه إنزال العقوبة بمن ترك جيوشا من الثكالى واليتامى والأرامل.

7.  تنفيذ العقوبة بصدام أعاد للعراقيين ثقتهم بالقضاء العراقي، إذ كان الكثيرون يشكون بجدية المحاكمة، بل يتصورونها مسرحية من اجل الإلهاء والتأميل وامتصاص الغيظ المعتمل في نفوس معظم العراقيين.

8.  في حال حصول أي تغيير أو تحول في مسار العملية السياسية أو تعطيلها أو تجميدها أو الانقلاب عليها، بالاتجاه السلبي لا قدر الله، أي بإقامة ديكتاتورية جديدة، أو اشتعال نار الحرب الأهلية، أو بالاتجاه الإيجابي، بمعنى إنقاذ مشروع التحول الديمقراطي من الانهيار الكلي وتضييع الفرصة التاريخية الأولى من أيدي الشعب العراقي، نكون بإنهاء الفصل الصدامي قد استثنينا واحدة من السيناريوهات، ألا هي عودة صدام التي كان البعض يتمناها ويعيش حلم تحققها، وربما يؤمل بها صدام وزبانيته أنفسهم بها. فإن هذا الخيار مع إن احتمال تحققه كان الأضعف من أي احتمال آخر، إلا أننا لم نكن لنستطيع بالقطع واليقين نفي إمكان تحققه.

 

ثم إن إعدام صدام يجعلنا نتوقف عند بعض الظواهر وعند بعض الحقائق. الغريب إننا ما زلنا نرى من يرى في صدام بطلا، فنجد تعاطف الكثير من مفاصل الشارع العربي مع صدام، وحزن الكثيرين عليه، أو تأسفهم على إعدامه، ومنهم من رأى إن ذلك يمثل إهانة للأمة العربية أو الأمة الإسلامية. مصري يسأل في الشارع عن مشاعره فيقول بكل استغراب «الله .. هُوَّ معؤول (معقول) رئيس گـُمهوريّة (جمهورية) بيبأى (يبقى) ينعدم؟» نعم هذه ثقافة شعوبنا؛ لا استغراب ولا استنكار عندما يحكم رئيس شعبه بالنر والحديد والقمع والتعذيب والقتل الجماعي، ولكن غريب أن يقتص شعب من طاغيته، لأننا تثقفنا على ثقافة أن أرقاء لحكامنا، يفعلون ما يشاؤون، ولا يسألون عما يعملون بل الشعوب هي التي تسأل، فتعاقـَب على ما تفعل مما لا يروق للحاكم، وحتى عما لا تفعل. قرون من الزمن يملك رقابنا الحاكم أو الخليفة أو الأمير، وبيعة أفراد قلائل تجعل البيعة ملزمة للأمة كلها، بحيث يعتبر الخارج عن بيعة الخليفة أو الحاكم خروجا عن الدين، ويكون صاحبها بحكم المرتد المستحق للقتل بقطع رأسه أو رميه من شاهق أو صلبه.

 

30/12/2006

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::