كيف الانتقال من دولة الطوائف إلى الدولة الوطنية؟
بحث كتب خصيصا للملف الخاص لمجلة الثقافة الجديدة عن ملامح وإشكالات الدولة العراقيــــة الجديدة
من ملامح المجتمع العراقي هو هذا التنوع المذهبي والديني والقومي. والتنوع كواقع، وهذا الواقع عندما يصار إلى حالة من التعايش والألفة، يكون عامل إثراء ثقافي للمجتمع المتنوع. ولكن واقع التنوع هذا يمكن أن يتحول إلى كارثة بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد، إذا تحول إلى احتراب وتباغض بين مكونات المجتمع. وفي العراق هناك تنوع على أربعة أصعدة، ثلاثة منها من حيث المبدأ اجتماعية، وكان ينبغي لها أن تبقى كذلك، وواحدة منها سياسية.
فلدينا التنوع القومي، المتمثل بوجود القوميات العربية والكردية والتركمانية والآشورية، وربما قوميات أخرى. هذا من جهة ومن جهة أخرى لدينا التنوع الديني المتمثل بكل من دين الأكثرية الإسلام والمسيحية والإيزيدية والصابئة المندائيين، وربما أديان أخرى. أما التنوع المذهبي، فأهمه ما نعرفه بالتقسيم الثنائي لمسلمي العراق من شيعة وسنة، مع وجود نوع من تعدد مذهبي داخل الوسط السني، من أحناف وشافعية وحنابلة، وربما ثمة تنوع داخل الوسط الشيعي. وهناك التعددية السياسية.
في الوقت الذي لا يمثل التنوع الديني في العراق مشكلة ذات بعد خطير، ولكن مع هذا لا بد من الالتفات إلى ما أصاب المكونات الدينية المنتمية لغير دين الأكثرية من اضطهاد ديني، ولكن هذا لا يقع في خانة المشكلة الطائفية-الدينية بقدر ما يمثل جانبا من مشكلة التطرف الأصولي الإسلامي، فمتى ما عولجت هذه المشكلة، لا تبقى أي مشكلة مع بقية الأديان التي تعايشت داخل المجتمع العراقي دائما بسلام وتحابّ. ولا نستطيع أن نقول أن ليس هناك مشكلة قومية، فهناك مشكلة كركوك، وهي مشكلة قومية ثنائية كردية-تركمانية، أو ثلاثية كردية-تركمانية-عربية، وتمثل لغما نأمل أن تنزع فتيله الحكمة والوطنية.
ولكن المشكلة التي هي أكبر وأعقد وأخطر من غيرها، هي المشكلة الطائفية، والتي تعني في العراق بشكل خاص جدا المشكلة الطائفية بين الطائفتين الكـُبرَيَين لمسلمي العراق، الشيعة والسنة. وفي الواقع لم يعرف العراق مشكلة طائفية شيعية-سنية على هذا النحو المرعب، والذي يهدد السلام المجتمعي، والمشروع الديمقراطي على حد سواء، كما برهنت لنا التجربة منذ 9 نيسان 2003 حتى يومنا هذا.
إذن التنوع الطائفي أو قل المذهبي يمثل واقعا اجتماعيا، يمكن أن يكون عامل إثراء وتعايش، وهو بلا شك لا علاقة له بالطائفية السياسية، ولا يجب بالضرورة - لا بل لا يجوز بأي حال من الأحوال - أن يؤول إلى الطائفية السياسية. ولكن الذي حدث في العراق هو تأسيس للطائفية السياسية، وإصرار عليها، وتأصيل وتجذير لها. وهذا ما يتحمل مسؤوليته التياران القومي (العربي)، والديني من جانب القوى السياسية السنية، كما سنفصله، والتيار الديني من جانب القوى السياسية الشيعية.
والطائفية السياسية تنتمي إلى عالم آخر تماما، يختلف اختلافا جذريا عن عالم التعددية السياسية، فالطائفية السياسية من ملامح المجتمع البدوي، أو في أحسن الأحوال القبلي، والتعددية السياسية هو من ملامح المجتمع المدني، ومن لوازم النظام الديمقراطي. فبدلا من أن تكون كتل برلمانية قائمة على أساس التعددية السياسية، ما بين عَلماني يساري ديمقراطي، وعَلماني ليبرالي ديمقراطي، وقومي معتدل ديمقراطي، وإسلامي-ديمقراطي معتدل، نرى الكتلتين البرلمانيتين العربيتين تقومان على أساس التخندق الطائفي، فتجمع التناقضات السياسية والثقافية، وترمي بها في بوتقة شيعية هنا، وتجمع التناقضات السياسية والثقافية، وترمي بها في بوتقة سنية هناك. وهكذا الناخبون، نراهم لا ينتخبون على ضوء الفكر السياسي، أو لا على أساس البرنامج السياسي، بل على أساس الهوية المذهبية.
ومن حيث يعي أو لا يعي السياسيون المسؤولون عن هذا الواقع، فإن القوى السياسية السنية والشيعية إنما أسست لمشكلة، من الممكن - لا قدر الله - أن يدفع ثمنها الشعب العراقي لعقود من الزمن، إلــَّم نقل لقرن كامل لا قدر الله، إذ إنها ستعرقل وتؤخر مشروع التحول الديمقراطي، الذي كان ينبغي أن يكون المشروع المركزي لدى كل القوى السياسية، وإن تأخير المشروع الديمقراطي سينتج عنه تأخير لمشروع الإعمار والتنمية، وتأخير لمشروع السلم المجتمعي. بل خطر الطائفية السياسية يمتد إلى أبعد من كونه عامل عرقلة وتأخير، بل هو يختزن خطر انهيار أصل المشروع الوطني الديمقراطي برمته.
إن هذا الواقع المأساوي للاحتراب الطائفي، وهذا القتل والتهجير على الهوية المذهبية، إنما هو إفراز طبيعي من إفرازات الطائفية السياسية، والطائفية السياسية بدورها لم تنبعث تلقائيا، بل يتحمل مسؤولية ولادتها ونموها ومنحاها الخطير، أداء سياسي وثقافة دينية ومجتمعية، من قبل هذا أو ذاك الجانب. إني لا أتحدث هنا، ولا بنسبة الواحد بالمئة، من موقع انتماء مذهبي شخصي، بل من موقع محاولة الانطلاق من نظرة موضوعية متجردة تمام التجرد، أو قدر ما يسعني التجرد، ومن موقع الهم الوطني، والرؤية التي تعتمد مشروع التحول الديمقراطي كأساس ذي أولوية تتقدم على سائر الأولويات، وكقضية مركزية أولى. من هنا أقول إن كلا الطرفين، السني والشيعي، يتحملان من حيث يقصدون - ولا نبرئ البعض أنه يقصد ذلك - أو من حيث لا يقصدون - ولا نعمم الاتهام على الجميع بأنه يقصدون -؛ يتحملان مسؤولية انبعاث وتجذر وامتداد واستدامة هذه الطائفية السياسية القاتلة. والبداية الظاهرة كانت بداية سنية، وأقول (الظاهرة) من أجل ألا أبرئ الشيعة من مشروع طائفي مختزن عند البعض من القوى الشيعية. أقول البداية كانت سنية، ولا يمكن أن نعمم الطائفية والمعاذ بالله على كل سنة العراق، ولكني أقول إن البداية كانت سنية، من حيث أن الأداء السياسي للقوى السنية، بل حتى الأداء الشعبي، كان يوحي بمجموعة أمور، أهمها عدم إدانة جرائم النظام البائد، وبالتالي عدم التعبير عن التعاطف مع ضحايا الديكتاتورية من إخوة الوطن - وعلى الأعم الأغلب إخوة الدين - من الشيعة - عربا وكردا وتركمانا -، ومن الكرد – سنة وشيعة ومسيحيين وإيزيديين -، وإن كان السنة العرب لم يسلموا من قمع النظام، ولكن لا كما حصل للشيعة والكرد والتركمان. ثم كرس الأداء السياسي وأحيانا الشعبي في الوسط السني العربي شبهة الميل، أو حتى التعاطف، أو لعله الاحتضان، أو الدعم، للبعثيين، والإرهابيين، والطائفيين. وارتكب الشيعة من جانبهم الخطأ القاتل، في عدم التمييز بين حقهم في حماية أنفسهم من الفعل الطائفي الموجه ضدهم، وبين التحول - صحيح كردة فعل - إلى فعل ومشروع طائفيين. فبينما كان المفروض أن يتبنى شيعة العراق مشروعا وطنيا عراقيا، يجعل من مشروع التحول الديمقراطي قضيته المركزية. ولكن ولسوء حظ العراق وبدلا عن ذلك جرى تبني مشروع أصولي إسلامي في أحد وجهيه، وطائفي شيعي في وجهه الثاني، انعكس على خطاب وأداء الشخصيات والقوى السياسية الشيعية، من كيفية تشكيل القائمة الانتخابية للدورتين الانتخابيتين، إلى طريقة التعاطي مع العملية الدستورية، حيث أصروا على إضفاء الصبغتين الإسلامية والشيعية على الدستور، لاسيما على باب المبادئ الأساسية منه.
إذن المسؤول عن هذا الواقع الطائفي في العراق، هي تياران سياسيان بشكل أساسي؛ التيار القومي العربي في الجانب السني، وتيار الإسلام السياسي في الجانبين الشيعي والسني، إضافة إلى بعض الليبراليين من الجانبين، الذين وقعوا في شراك الطائفية السياسية، وأداروا ظهرهم لليبراليتهم، التي يفترض أن تكون متقاطعة تماما مع أي مشروع طائفي، وذلك من خلال توهم بعضهم على جبهتين، أن مصلحة طائفتهم وحمايتها من طائفية الطرف الآخر يستوجب في هذه المرحلة الاصطفاف في خندق الطائفة، وكل ما سواه من مبادئ ديمقراطية، وتقديم الهوية الوطنية مرتبة في سلم الأولويات، والليبرالية، اعتبرت أمورا سابقة لأوانها، ومن يتحرك من خلالها مجانب للواقعية، وجاهل بلوازم المرحلة، ولذا يجب إرجاءها إلى ما بعد ضمان مصالح الطائفة، وهم بهذا التوجه لا يعون بأنهم إنما يسهمون في هدم المشروع الديمقراطي، الذي إذا ما انهار - لا قدر الله - إنما ينهار المشروع الوطني برمته، وعندما ينهار المشروع الوطني العراقي، فستنهار معه كل المصالح ذات الخصوصية الطائفية والقومية. ولكن تبقى جُلّ القوى الإسلامية على الجانبين الشيعي والسني، وجُلّ القوى القومية-العربية على الجانب السني، تتحمل مسؤولية هذه الولادة الممسوخة للمشروع الطائفي المدمر، والذي سندفع ثمنه - حتى مع نجاح المشروع الديمقراطي على المدى الأبعد - غاليا من دمائنا، وتأخر ولادة مشروعنا الوطني الديمقراطي، ومن فرص الإعمار والترفيه عن شعبنا المنكوب، ومن تكدر أجواء الإخاء الوطني، لأمد قد لا يكون قصيرا.
من هنا تتحمل القوى السياسية السنية والشيعية، ولا أقصد هنا كل من كان سنيا أو شيعيا من السياسيين، وإنما أولئك الذين حملوا في حقيبتهم أجندة طائفية، يتحملون مسؤولية ما آل إليه الوضع الكارثي. فمعارضة السنة العربية للعملية السياسية، واختيارهم لما أسموه بخيار المقاومة، وعدم استعدادهم لامتصاص صدمة التغيير، لا حبا بالنظام السابق، بل خوفا من انتهاء كل ذلك التاريخ الطويل الذي انفرد السنة العرب بقيادة العراق سياسيا، هذه الصدمة التي جعلت حتى غير الطائفيين منهم يصطفون إلى المشروع الطائفي، أو إلى المشروع القومي العربي الذي يلامس المشروع البعثي في كثير من ملامحه، أو المشروع الأصولي الإسلامي المختزن غالبا للبعد الطائفي. وأخطأت القوى الإسلامية الشيعية، وأعني بالذات الإسلامية منها، والمؤثرة منها في المشهد السياسي بالذات، عندما اختارت لنفسها أن تصطف هي الأخرى طائفيا، وتطرح مشروعها الأصولي-الطائفي، أي الإسلامي-الشيعي، بدلا من طرح المشروع الوطني-الديمقراطي، الذي يكون محضنا لكل الطوائف والأديان والقوميات، لاسيما عبر المزاوجة بين الديمقراطية والفيدرالية، من حيث أن لا ديمقراطية حقيقية لمثل العراق، إلا في ظل نظام فيدرالي، ولا فيدرالية حقيقية، من غير اعتماد الديمقراطية ومبادئها على المستوى الاتحادي (المركزي)، وعلى مستوى كل الأقاليم بلا استثناء. وعلى ذكر الفيدرالية، فحتى الفيدرالية كانت ضحية التوجه الطائفي، إذ صرنا نؤسس لفيدرالية طائفية كما أسسنا لـ (ديمقراطية؟) طائفية.
حيث إن الطائفية في العراق ولدت على الأعم الأغلب من رحم قوى الإسلام السياسي، فهذا يؤكد أن الخلاص من الكارثة الطائفية، ومن تهديد المشروع الديمقراطي، وبالتالي إنقاذ المشروع الوطني للعراق، لا يمكن أن ينجز حق الإنجاز، إلا من خلال عَلمانية الدولة. وهنا لا بد من أن أقف عند مصطلح العَلمانية، لأصحح اللبس الحاصل عند معظم شرائح المجتمع العراقي، لاسيما أنصار التيار الإسلامي وعموم المتدينين التقليديين، ذلك من خلال الثقافة التي ثقفت عليها القوى الدينية، وهي أن العَلمانية تتخذ من الدين موقع التعارض ولعله المعاداة، بينما العَلمانية هي الأحفظ للدين، باعتبار أن من أشد ما يمثل خطرا مدمرا للدين ومُثـُله هو تسييسه، وبالتالي تمثل الدولة الدينية مقبرة الدين، بينما نرى الدين وكل الثقافات وكل ما يمكن أن ينفع الناس - وربما بعض ما يمكن أن يضر الناس، حسب ما يرى البعض -، يمكن أن ينتعش في ظل الدولة الديمقراطية العَلمانية، غير المؤدلجة، لا بإيديولوجية سماوية، ولا بإيديولوجية أرضية. والدين الذي يملك عناصر القوة من حيث قيمه الروحية، وحججه العقلية، وما يشتمل عليه من البعد الإنساني، والبعد العقلاني في التعاطي مع الواقع، لا يمكن أن يختنق في أجواء الحرية، ولا ينبغي لأهله أن يخشوا عليه من الديمقراطية، فهو المستفيد الأول، إذا كان دينا رصينا في قاعدته الفكرية، وإنسانيا في أخلاقياته، وعقلانيا في تعاملاته، وهكذا يستفيد كل فكر وتوجه ذي منفعة للوطن والإنسانية: «فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض»، وهذا لا يتوقف على الدين نفسه في عالم التجريد، بل على سلوك وخطاب حملته. إذن هناك تلازم من حيث الواقع، لا من حيث الفكرة المجردة، تلازم ما بين تسييس الدين والطائفية السياسية، وهذا يستوجب العمل الجاد من أجل علمنة الدولة والدستور، إنقاذا للدين والوطن، باعتبار أن العَلمانية تقف موقف الحياد من الدين، بل تعطيه فرصا أرحب مما تعطيه الدولة الدينية، التي ترفض حتى فهم الدين، وترفض التدين نفسه، ما لم يكن وفق مواصفات ومقاسات السلطة الدينية-السياسية.
الدولة الوطنية، أو الدولة المدنية، أو الدولة العصرية، أو الدولة الديمقراطية، لا يمكن أن تكون دولة طوائف، فإنهما مختلفتان في الجوهر والمنطلقات والنتائج، ولا يمكن التوفيق عمليا بينهما، إلا بمقدار ما تستوجبه عملية التحول من تدرج في مراحل العملية، يتطلب ثمة توفيق مرحلي، من أجل الانتقال تدريجيا إلى الدولة الوطنية، ولو إن حتى هذا القبول المرحلي، قد أثبتت التجربة خطورة تحوله إلى تقليد مستحكم يصعب تغييره، وإلى ثمة دستور غير مكتوب، ولذا حتى هذا القبول المرحلي، لا بد أن توضع له ضوابط، تمنع من تحوله إلى ثابت سياسي.
في الفترة بين 25/07 – 13/08/2006 كتبت تسع حلقات تحت عنوان «السبل العملية لمعالجة الجسد العراقي من ورم الطائفية الخبيث»، أهم ما جاء فيها من علاجات للطائفية:
المعالجة عبر قانون عصري ديمقراطي لاطائفي للأحزاب، يحظر بموجبه تأسيس أحزاب على أساس ديني أو مذهبي أو قومي.
معالجة الطائفية عبر تقوية تيار الوسط.
تأسيس حزب ديمقراطي وطني واسع غير مؤدلج يتجاوز الأطر الطائفية والقومية.
المعالجة عبر إصلاح دستوري برفع الصبغة الدينية والمذهبية منه.
تجنب تبني فيدرالية طائفية.
إنهاء ظاهرة تسييس قوات الأمن والدفاع وحل الميليشيات.
إنجاح مشروع المصالحة الوطنية.
منع خطب الجمعة والأحاديث الدينية الطائفية، وجعل الخطاب الديني خاليا من السياسة.
إصلاح مناهج التربية والتعليم، لاسيما ما يتعلق الأمر بدرسَي الدين والتاريخ.
بعدما طرحت هذه التصورات حول علاجات الطائفية السياسية، ومن أهمها عبر تشريع قانون للأحزاب يحظر تأسيس أحزاب على أساس ديني أو مذهبي، وكذلك عبر تعديل دستوري ينتزع كل ما في الدستور من أدلجة دينية (إسلامية)، أو مذهبية (شيعية)، نريد هنا أن نحاول بلورة ملامح وأسس لقانون للانتخابات، يعالج المشكلة الطائفية من خلال الحيلولة دون خوض الانتخابات على أساس الاصطفافات الطائفية، ولكن أيضا الاصطفافات القومية والدينية. وهذا يمكن أن يجري عبر وضع نسب عُليا ودُنيا لأتباع كل دين، أو مذهب، أو قومية. ولا بد من أن يؤخذ في هذه النسب بنظر الاعتبار حجم كل مكون مذهبي، أو ديني، أو قومي، بحيث تـُعامَل المكونات الصغيرة بقدر أكبر من المرونة، مما تعامل به المكونات الكبيرة، بل وتـُستـَثنى بعضها من هذه النسب، من أجل ألا تضيع هويتها في أطر المكونات الكبيرة، التي يمكن أن تـُذوِّبها في بوتقتها، أو تبتلعها.
على المستوى الديني يجب على كل قائمة انتخابية تتشكل بغالبيتها من دين الأكثرية (الإسلام)، أن تشتمل على ما لا يقل عن 5% من أتباع الديانات الأخرى، بشرط أن يكون واحد من هؤلاء ضمن العشرة الأوائل، والثاني ضمن الثلاثين الأوائل، والرابع ضمن الستين الأوائل. أما بالنسبة لعدد أتباع أي دين آخر غير الدين الإسلامي، فلا يشترط حد أقصى من أعضاء القائمة، بل يكفي ألا يكون جميع أعضاء القائمة من دين واحد. مع إن هذه الـ 5% بالمئة، وكذلك التوزيع المقترح هنا، يمثل كله مجرد تصور أولي قابل للخضوع للدراسة.
أما على المستوى المذهبي، بالنسبة للمسلمين من مرشـَّحي كل قائمة، أي ما يتعلق بإشكالية التخندق الشيعي، والتخندق السني، وهنا بيت القصيد، ومكمن الداء، ولغم الخطر، فلا يجوز أن يكون المرشحون من المسلمين من أحد الطائفتين، الشيعية، أو السنية، يتجاوزون نسبة 80%. وهذا يتطلب ورود اثنين من المذهب الآخر ضمن كل عشرة في القائمة الانتخابية، على أن يكون الأول ضمن الخمسة الأوائل، وهكذا في كل عشرة تالية، يكون الأول من الاثنين في تلك العشرة من خمستها الأوائل.
وبالرغم من أننا نعالج هنا المشكلة الطائفية على وجه التحديد، ولكن للتداخل الحاصل أحيانا بين الهوية القومية والهوية المذهبية، كما التداخل بين الطائفية السياسية والإسلام السياسي، يكون من المفيد طرح تصور حول توزيع أعضاء القائمة على المستوى القومي. فيقترح ألا يسمح قانون الانتخابات الجديد من أن يتجاوز عدد العرب نسبة الـ 80% من كل قائمة، أو أن يتجاوز عدد الكرد نسبة الـ 90% من كل قائمة، وربما تكون النسبة المقترحة للتركمان هي الـ 95%. وتحديد النسب والسقف العليا النهائية لا بد من أن يجري على ضوء دراسة أكثر دقة مما يطرحه هذا البحث من تصور أولي لمبادئ الفكرة. أما الانتخابات الإقليمية، فتحتاج إلى نوع مغاير قليلا من العلاج، ولكن على ضوء نفس المبادئ والمنطلقات.
كل هذا سيؤدي بالنتيجة ألا تكون هناك قائمة متشكلة من الشيعة فقط، أو من السنة فقط، أو من العرب فقط، أو من الكرد فقط. بينما يجوز لقائمة أن تتشكل فقط من المسيحيين، من الصابئة، من التركمان، من الكرد الشيعة، من الآشوريين و... وهذه العلاجات عبر قانون الانتخابات، يجب أن تتكامل مع العلاجات المعتمدة في قانون الأحزاب الذي أشرنا إليه.
على ضوء ما اقترح سلفا فيما يتعلق الأمر للتقسيم الطائفي الثنائي الشـّيعْسُنـّي، لا بد للقائمة ذات الأكثرية الشيعية أن تشتمل على السنة بما لا يقل عن 20% من مجموع الأعضاء المسلمين فيها، كما لا بد للقائمة ذات الأكثرية السنية أن تشتمل على الشيعة بما لا يقل عن 20% من مجموع الأعضاء المسلمين فيها. والقائمة ذات الأكثرية المسلمة لا بد من أن تشتمل على ما لا يقل عن 5% من أعضائها من أتباع الديانات الأخرى، إضافة إلى مراعاة التنوع القومي الذي أشرنا إليه.
هذه بعض الملاحظات والإثارات السريعة، التي حاولت أن تسلط الضوء على خطر تكريس واقع دولة الطوائف، وواقع الطائفية السياسية، وواقع تسييس الدين والمذهب، وحاولت تقديم بعض العلاجات من أجل:
الانتقال:
- من الطائفية السياسية إلى التعددية السياسية،
- من دولة البداوة الطائفية إلى دولة الحداثة المدنية،
- ومن دولة الطوائف إلى الدولة الوطنية.
06/02/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::