بحر من دماء .. تخبط سياسي .. ثقة معدومة .. مستقبل مجهول
العراق إلى أين؟
أردت أن أجعل هذا السؤال عنوانا لهذه المقالة، ثم اخترت عنوانا ثانيا، حاولت أن ألخص من خلاله واقعنا الكارثي في العراق. منذ مدة توقفت تقريبا عن الكتابة في الحدث اليومي، بل جعلت مقالاتي تحليلية للوضع العام متجاوزة مسألة الزمن، ربما لأني أراني عاجزا عن اختيار الكلمات المناسبة لما يحدث يوميا في العراق، وربما لأن هناك الكثيرين من الكتاب المحترمين الذين يتناولون الحدث بالموقف والتحليل، أو ربما تكون من الأسباب التي حالت دون تناول هذه الأحداث اليومية هو انشغالي بإكمال عدد من الموضوعات المختلفة التي تشغلني منذ فترة، على أمل الانتهاء منها الواحدة بعد الأخرى ثم نشرها. لكن ما كانت به الأيام الأخيرة مكتظة به من الأحداث التي لا يمكن أن تمر بدون تناولها ولو بثمة إشارة، جعلني أكتب ما كتبته هنا.
أحداث الأيام الأخيرة
من سموا بجند السماء وما حدث في الزرگة، مجزرة الصدرية، ملاسنات ومهاترات مجلس النواب. كل هذا يجعلنا نقف أمام مشهد مأساوي، نجد فيه أمية سياسية محزنة وتخبطا إعلاميا مدمرا للكثير من المسؤولين وأعضاء مجلس النواب، ثم نرى أمامنا نزيف دم لا يتوقف بل يتحول إلى بحر مرعب من دماء، وأزمة ثقة بين السلطة والشعب من جهة، وأزمة ثقة بين القوى السياسية بعضها والبعض الآخر من جهة أخرى، ثم السؤال الذي نريد استكشاف جوابه، هو ماذا يخطط الأمريكان بالضبط؟ هل ستنجح الحكومة في خطتها الأمنية، ومع هذا وذاك يجد العراقي نفسه أمام مستقبل مجهول، أمام نفق مظلم، لا يدري إلى أين يَسير العراق، أو لعله بتعبير أصح إلى أين يُسار بالعراق.
جند السماء أم موكب عزاء الحواتمة؟
فلو تأملنا فيما سمي بقضية جند السماء، نقف والحيرة تلفنا، والتساؤلات تزدحم في عقولنا؛ أهم فعلا جند السماء، أم هي قضية أخرى؟ أهو موكب عزاء للحواتمة كما روت رواية أخرى، أم ما هي حقيقة الأمر بدقة؟ أطراف سياسية وأخرى شعبية تشكك في حقيقة ما جرى. ما عرفناه من مصادر موثوقة أن زعيم من سُمّوا بجند السماء، والذي كان يسمي نفسه بـ «أبو گمر اليماني»، هو شخص معروف لدى أهل البصرة منذ عام 2003، وبقي يدعي اتصاله بالإمام المهدي ككثير من المشعوذين، وكان كلما يستقل سيارته يقدم الإمام الذي لا يراه غيره، بأن يمسك بالباب ويقول له: «تفضل مولاي»، أو شيئا من هذا القبيل، وكانت صلته بإيران معروفة أيضا، إذ كان يتردد بشكل ملحوظ على إيران وبشكل مكثف جدا، ولم يكن له عدد يذكر من الأنصار، ولم تتعرض له الحكومة طوال هذه الفترة. فلا ندري هل تحول هذا المهدوي اليماني من مرحلة الدعوة إلى مرحلة المواجهة أو التأسيس، من أجل أن تتصدى له قوات الدولة على هذا النحو الذي حصل؟ ثم ما معنى وجود النساء والأطفال بين القتلى، هل أراد أن يتشبه بالحسين عليه السلام في أخذ عياله معه إلى كربلاء. لماذا يكاد ينفرد الائتلافيون بهذه القصة ويشكك الآخرون بها، أو يطالبون على أقل تقدير بفتح ملف تحقيق فيها؟ ثم ما معنى التفاوت بين تصريحات رئيس الوزراء والناطق الرسمي؟ أنا لا أتهم ولا أدين أحدا، ولكني في نفس الوقت لا أستطيع أن أجزم في تبرئة أحد، كما لا أستطيع أن أثق بالتقارير الرسمية، فالثقة وللأسف الشديد غدت معدومة، رغم أني وجدت الأمل الكبير في رئيس الوزراء، وربما ما زلت أحمل شيئا من ذلك الأمل. ولكن أليس من الأجدر في مثل هذا الحدث الجليل أن يطل رئيس الوزراء بنفسه إعلاميا علينا، ولا يترك الأمر لناطق رسمي؟
سجالات النواب ورئيس المجلس
ثم الملاسنة التي شهدها الجميع يوم الأحد بين النواب الائتلافيين ورئيس مجلس النواب. لعلي أنسجم مع ما طرحه رئيس مجلس النواب، ولكن رئيس المجلس حسب العرف السياسي في النظم الديمقراطية لا بد أن يبقى في المساجلات السياسية محايدا، وإذا أراد أن يعبر عن وجهة نظره الخاصة في أمر ما بصفته كنائب وليس كرئيس لمجلس النواب فلا بد له من تسجيل دور للكلام ومغادرة منصة الرئاسة إلى منصة إلقاء البيانات والمداخلات للنواب.
الانقسام طائفيا بين فريقي إدانة كل من سوريا وإيران
وظاهرة أخرى تستدعي التوقف والاستغراب والتساؤل؛ وهي ما معنى أن يُصعِّد النواب الائتلافيون كل هذا التصعيد من التركيز على الدور التخريبي السوري، بينما يُصعِّد في ذات الوقت النواب التوافقيون والحواريون كل هذا التصعيد من التركيز على الدور التخريبي الإيراني؟ لماذا لا يتفق الجميع على إدانة أو لا أقل معاتبة كلا الجارين الشرقي والغربي على حد سواء؟ لماذا يتغاضى معظم النواب والسياسيين الشيعة عن الدور التخريبي الإيراني، ويتغاضى معظم النواب والسياسيين السنة عن الدور التخريبي السوري؟ ربما أكون أميا في السياسة، وبالتالي أكون عاجزا عن حل هذه الألغاز والطلاسم للسياسيين المحنكين الذين لا يفقه ألغازهم إلا الراسخون في العلم، ولكن أي علم؟ أهو علم حل ألغاز وطلاسم سياسة السياسيين العراقيين؟ أم علم ما هو ليس من العلوم في شيء؟
العراق إلى أين؟
كل هذا ونزف الدماء لا يتوقف، ومأساة الإنسان العراقي لا تتوقف بل تتعاظم، واليأس يلف العراقيين، والكآبة والكوابيس غدت ملمحا أساسيا للإنسان العراقي، حتى غدا الكثيرون يترحمون على بل ويحنون إلى أقبح حقبة مر بها العراق، ألا هي الحقبة الصدامية المقيتة.
فإلى أين يسير العراق؟
أو عفوا:
إلى أين يسار بالعراق؟
04/02/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::