الأولويات عند كل فصيل سياسي

ضياء الشكرجي

 

لكل حزب سياسي أولوياته، التي يمكن أن نسميها بمبادئ أو أسس أو مرتكزات أو استراتيجيات كل حزب من الأحزاب السياسية. ويمكن أن نجد أساسا أو أكثر من أساس مشترك بين أكثر من حزب، وبعض هذه المشتركات ربما بين كل الأحزاب الوطنية، ولكن قد تتدافع الأولويات بشكل متفاوت بين الحزب والآخر، فيتقدم في حزب ما هو متأخر عند غيره، والعكس بالعكس. وهناك أولويات وأسس خاصة بحزب ما أو بتيار ما يضم أكثر من حزب، كالأحزاب الإسلامية والأحزاب الكردستانية، والأحزاب الليبرالية، والأحزاب اليسارية، وهكذا. وتارة نتحدث عن الأولويات المشتركة بما ينبغي أن يكون، وتارة بين ما نجده قائما بالفعل في الواقع. ويمكن إيجاز الأسس أو الأولويات المشتركة المتوقعة من كل الفصائل السياسية الوطنية، ثم نتناول ما هو الواقع، وفي الختام نتناول الأسس الخاصة ببعض الفصائل دون غيرها.

 

الأسس التي ينبغي أن تمثل الجامع الوطني لكل الأطياف على أقل تقدير حسب رؤية كاتب المقالة هي:

 1.      الديمقراطية.

 2.      وحدة أرض وشعب العراق.

 3.      السيادة الوطنية الكاملة.

 4.      الفيدرالية.

 5.      استتباب الأمن والاستقرار.

 6.      الرفاه الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.

 7.      الانتعاش الاقتصادي.

 8.      ازدهار التقدم العلمي والتكنولوجي.

 

الكثيرون يجعلون وحدة العراق شعبا وأرضا والسيادة الوطنية – وهما بلا شك أساسان مهمان – يتقدمان على التحول الديمقراطي، بحيث يستطيعون أن يعيشوا في عراق موحد مستقل مع غياب الديمقراطية. كما إن البعض تهمه الديمقراطية بدرجة أساسية بحيث يقبل بها ويرتضيها مع غياب السيادة الوطنية الكاملة، لا بل قد يرى ببقاء شيء ولو مخفف من الاحتلال ضرورة من ضرورات حماية التحول الديمقراطي ولو إلى حين. وبعض آخر يجعل الفيدرالية متقدمة على كل الاعتبارات، فليست الديمقراطية عنده بأمر مهم، بحيث لو غابت أو كانت مثلومة في منطقته الفيدرالية، لا يرى في ذلك ضيرا أبدا ما زال هدفه الاستراتيجي الأول في الفيدرالية قد تحقق. وآخرون يرون بالعكس أن الديمقراطية كافية لضمان حقوق الجميع، ولا حاجة لنا إلى الفيدرالية، فالدولة الديمقراطية المركزية تستطيع أن تمنح الجميع حقوقهم، ومن ثم تحافظ على قوة المركز من خلال مركزية الإدارة والحكم. وفريق واسع يرى الأمن هو المطلب الأول والأخير، وهو بلا شك في غاية الأهمية، بحيث يفضل هذا الفريق الأمن في ظل نظام تغيب فيه الديمقراطية على نظام ديمقراطي يغيب فيه الأمن. وفريق آخر يرى علمانية الدولة وعلمانية القوانين وعلمانية الثقافة هي الأساس الأول الذي يتقدم على كل أساس، والذي لا ينبغي أن يحيد عنه العراق، حتى لو كان على حساب الديمقراطية، بحيث لا تـُغـَيَّب كليا، بل يمكن أن تـُثـلـَم لصالح العلمانية، أو يمكن تغييبها حتى كليا إذا كان التغييب موقتا لحين تجذر النظام العلماني وضمان عدم تأثير التيارات الدينية على مسار العملية السياسية. وبعكسه هناك من يرى الأصل أن يكون النظام منسجما مع ثوابت الإسلام حتى لو اضطر إلى تحقيق ذلك على حساب تحقق الديمقراطية. ثم هناك من يقدم المذهبية إن لم نقل الطائفية على إسلاميته إن كان إسلاميا، بل وعلى علمانيته إن كان علمانيا، وحتى على ديمقراطيته إن كان ديمقراطيا. والأسوأ من كل ذلك ذلك إذا تقدمت الحزبية على كل الأسس والمبادئ والأولويات، والطامة التي هي أكبر من كل طامة تقدم الذاتية أو الشخصانية على الأولويات الوطنية والمبدئية بل وحتى الحزبية. أما في القضية الاقتصادية فهناك من يقدم الانتعاش الاقتصادي دون أن يهمه كثيرا تحقق العدالة الاجتماعية، وآخر يرى العكس أن تتقدم العدالة الاجتماعية على الانتعاش الاقتصادي، بينما المطلوب هو المزاوجة بين الهدفين بحيث يتعاضدان ويتكاملان. ولا أريد ان أسمي الأشياء بأسمائها، لأني أرى ضرورة تجميد الخلافات في مرحلة ما قبل الانتخابات المقبلة، ولعل الأطراف المعنية بتقديم وترجيح أساس على آخر يوازنه أو يتقدم عليه في الأولويات معروفة. فهناك العلمانستيون الذين يقدمون العلمانية على الديمقراطية، وهناك الإسلامستيون الذين يقدمون الهوية الإسلامية على الديمقراطية، وهناك الفيدرالستيون الذين يقدمون الفيدرالية على الديمقراطية والسيادة الوطنية والوحدة الوطنية، وهناك الديمقراطستيون الذين يريدونها ديمقراطية ولو بلا سيادة وطنية، وهناك الاستقلالستيون الذين يريدون سيادة وطنية ولو في ظل حالة شبه صدامية، وما هم بوارد الديمقراطية ولا الفيدرالية ولا غيرها. وهناك شواهد كثيرة على لاديمقراطية وربما لاوحدوية ولااستقلالية الكثير من الفيدرالستيين، وشواهد على لاديمقراطية الكثير من العلمانستيين وكذلك البعض من الإسلامستيين، أما الاستقلالستيون الذين يريدونها سيادة وطنية مركزية بلا ديمقراطية ولا عدالة اجتماعية ولا انتعاش اقتصادي ولا أمن ولا استقرار فمعروفون.

 

أقول الديمقراطية بلا فيدرالية مبتورة ومنقوصة، ولكن الأسوأ منها فيدرالية بلا ديمقراطية. والسيادة الوطنية الكاملة غير المنقوصة طموح كل الوطنيين، ولكن لا خير في استقلال وسيادة وطنية مع غياب الحرية والديمقراطية. لتكن العلمانية عند العلمانيين ذات ثقل متميز وأولوية متقدمة، ولكن من غير الصحيح أن تتقدم على الديمقراطية، كما ليكن الإسلام هاجس وهم وغاية الإسلاميين، ولكن ليس مع تغييب الديمقراطية.

 

ثم كيف نكون ديمقراطيين إذا لم نستطع حتى الآن استخدام آليات الديمقراطية داخل أحزابنا، بحيث يكون المؤسس للحزب أو الوارث لزعامته زعيما له مدى الحياة. ثم كيف نكون ديمقراطيين ونتصالح مع أعدى أعداء الديمقراطية والوطنية حينما تتطلب مصالحنا الضيقة مثل هذه المصالحة، وكيف نكون ديمقراطيين عندما لا نعرف أن نحل خلافاتنا إلا بلغة الدم ولغة القتال؟ ثم كيف نكون فيدراليين ونطالب بحقوقنا الفيدرالية ولا نلتفت لحقوق الأقليات في فيدرالياتنا؟

 

إذا عرفنا ألا تناقض بين الوحدة والفيدرالية، وعرفنا أن الفيدرالية مطلب لكل العراق وليس لمنطقة خاصة دون أخرى، وإنها لا تتم إلا بقرار سكان المحافظات التي تريد تشكيل أقاليمها الفيدرالية، وأن الفيدرالية لا تهدد وحدة العراق بل تحتضنها وتضمنها، وإذا علمنا بالتالي ألا انفكاك بين الديمقراطية والفيدرالية، وأنه ليس من تعارض بين الديمقراطية والسيادة الوطنية، ولا تقاطع بين الإسلام والديمقراطية، ولا تلازم بين الديمقراطية والعلمانية، وإذا علمنا أن الديمقراطية لا يمكن أن تنتعش ولا تتعايش مع الطائفية والعنصرية والتطرف والغلو والعنف والإرهاب والسلفية والبعثوية الصدامية، وإذا علمنا أن الانتعاش الاقتصادي لا يكون من غير العدالة الاجتماعية، بل إنهما يتعاضدان ويتكاملان، ويسير معهما في خط واحد ازدهار التقدم العلمي والتكنولوجي؛ إذا فهمنا ووعينا هذه المعادلات بشكل صحيح، نكون قد وضعنا جميعا أقدامنا على طريق تحقيق المستقبل المنشود للعراق، ولتكن إلى جانب الأولويات المشتركة لكل أولوياته الخاصة به، بحيث تتعاضد خصوصياته مع المشتركات الوطنية، ويتنافس الجميع في بناء العراق وضمان حقوق الجميع وحقوق كل على انفراد لنفسه دون تقديم الصالح الخاص على الصالح العام، بل ويدافع الكبار عن حقوق الصغار لا سيما الصغار الذين في كنفهم لا في كنف غيرهم، ولتكن للإسلامي إسلاميته دون أن يلغي علمانية العلماني، وللعلماني علمانيته دون أن يلغي إسلامية الإسلامي، وللكردستاني كردستانيته دون إلغاء عراقيته، ولليساري يساريته، ولليبرالي ليبراليته، ولتكن الكلمة الفصل للشعب وحده؛ عندها نكون فعلا عندها أهلا لحمل رسالة بناء المستقبل للعراق.

2003 أو 2004

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::