الجبهة الرباعية: حل، أم تخبط، أم اعتراف باستحكام الأزمة

 

ما يسمى بجبهة (الاعتدال) الرباعية بالحزبين الكرديين القوميين والحزبيين الشيعيين الإسلاميين؛ هل تمثل يا ترى خطوة تشكيلها المرتقبة مخرجا اضطراريا وحيدا من المأزق الحكومي، أم تخبطا ناتجا عن حيرة السياسيين أمام واقع استحكام الأزمة، وهو بالتالي اعتراف ضمني لهذا الاستحكام والاستسلام له، أم تمثل هذه الخطوة يا ترى خطأ سياسيا، أم خطيئة وطنية؛ كل ذلك مما يضاف إلى قائمة التخبطات والأخطاء والخطايا منذ نيسان 2003 حتى آب 2007 وإلى إشعار آخر؟

 

من جهة من الخطأ أن نستبق الحدث، فنحكم على خطوة لما نتعرف بعد على كل ملامحها، ومن جهة أخرى لا يدعنا القلق على مسار العملية السياسية إلا أن نسارع بتشخيص الخلل والتحذير من القادم المجهول.

 

ابتداءً يمثل دعوى الاعتدال كتسمية لهذه الجبهة تجنيا على الواقع، دون أن ننفي أن فيها ثمة معتدلين، من قوى واشخاص، ولكن الصفة الطاغية للقوى أو بعض القوى المراد انضواءها تحت خيمة هذه الجبهة والتي ستترك بصماتها على المشهد السياسي، كما تركت بصماتها الكارثية حتى الآن؛ أقول هذه الصفة الطاغية تأبى أن تتعنون بالاعتدال، إلا إذا كان الاعتدال مقصودا هنا كاعتدال نسبي، أي نسبة إلى من هي أبعد عن الاعتدال من تلك القوى التي استبعدت عن هذه الجبهة من داخل إحدى القائمتين.

 

والإشكال الثاني هو حصر الجبهة في مكونين، أحدهما قومي، والثاني إسلامي مذهبي، وهذا من شأنه تكريس الواقع العرقي-الطائفي، مما يمثل تماديا في الاعتداء على مبادئ الديمقراطية. نعم هناك محاولة لضم الحزب الإسلامي العراقي، هذه المحاولة التي من شأنها، إذا ما نجحت، واحتمال نجاحها يبدو ضعيفا جدا، فسوف يفك الطوق الثنائي الكردي-القومي/الشيعي-الإسلامي.

 

أما إذا سارت الجبهة الرباعية التي هي على عتبة التشكل كما تؤشر المؤشرات، إذا ما سارت في تشكلها الرباعي الكردي/الشيعي في تأليف حكومة أكثرية برلمانية، فيسجل هذا خرقا لمبادئ الدورة الانتخابية الأولى، التي من لوازمها أنها تعتمد ما سمي بالديمقراطية الانتقالية، مما يعني فيما يعني تشكيل حكومة وحدة وطنية وليس حكومة أكثرية برلمانية.

 

ثم حكومة الأكثرية البرلمانية بالإضافة إلى كونها سابقة لأوانها، باعتبار أنها تصلح للوضع السياسي المستقر، وليس لوضع متأزم كما هو الحال في العراق اليوم، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الأكثرية البرلمانية ستكون مقبولة، لو كانت تمثل أكثرية سياسية، وليس أكثرية عرقية-طائفية.

 

نحن نحتاج إلى حكومة وطنية غير طائفية وغير مؤدلجة بإيديولوجية شمولية، تتكون من أهل اختصاص وكفاءة ونزاهة ووطنية وإيمان بالمشروع الديمقراطي. ليكن على رأسها مهدي الحافظ أو أياد علاوي، وليشارك فيها الإسلاميون المعتدلون من السنة والشيعة، لاسميا إذا استطاع كل من حزب الدعوة والحزب الإسلامي العراقي انتزاع نفسه من قائمتيها غير المعتدلتين، لأنهما الحزبان الأبعد عن التطرف، ولأننا لا نستطيع أن نتجاوز على الواقع فنلغي دور كل الإسلاميين، وإلا فنحن نحتاج إلى أحزاب وقوائم برلمانية لا تقوم على واحد من أسس العرق، والطائفية، وتسييس الدين.

 

وتمنينا لو كان قد جرى تشكيل جبهة من الحزبين الكرديين، وحزب الدعوة بجناحه المتمثل برئيس الوزراء الحالي، والحزب الإسلامي العراقي، والقائمة الوطنية العراقية، والاتحاد الإسلامي الكردستاني. عندها كان يمكن أن تتعنون هذه الجبهة بالاعتدال، ولو إنه سيبقى اعتدالا نسبيا، لكنه القدر الممكن تحقيقه حاليا.

 

فإن إنهاء حكومة المالكي لا يجب أن يفسر على أنه إسقاط لشخص المالكي، لأن فشله ليس فشلا شخصيا، بقدر ما هو فشل للقائمة المتألفة من خليط غير متجانس، ليس بين قواه المؤتلفة فيه جامع إلا إيديولوجية الإسلام السياسي من أقصى التطرف حتى أخف التشدد، والطائفية السياسية. ولذا يمكن حل الحكومة بالتنسيق مع المالكي، وليس بالضرورة عن طريق إسقاط حكومته، مما يعتبر إسقاطا شخصيا له، ولو إننا لا ينبغي أن نتردد في إسقاط أية شخصية سياسية، دون محاباة وترضية ومجاملة، إذا توقفت المصلحة الوطنية العليا على ذلك، كما حصل بشكل من الأشكال مع مرشح رئاسة الوزراء الأول. فليست القضية شخصية بل هناك معايير وطنية هي وحدها التي ينبغي أن توضع في الميزان. ولكن هل سنتعلم قريبا أن نحكم معايير الوطنية والديمقراطية والكفاءة والنزاهة، ونجعلها متقدمة على معايير الطائفية والعرقية والحزبية ومعايير اعتبارات ما يسمى بالشأنية لبعض الشخصيات، التي برزت إلى الواجهة كقدر من أقدار هذا الوطن المبتلى؟

 

لا نحتاج إلى اختبارات بائسة وأجـِنـَّة تحمل شهادة العَوَق بالولادة. بل نحتاج إلى خطوة حقيقية وجريئة وشجاعة ووطنية، فالعراق المثخن بكل هذه الجراح، وآخرها كارثة الموصل التي ذهب ضحيتها المئات من الضحايا الأبرياء من أبناء شعبنا، والتي تأتي كشهادة أخرى على العجز الأمني، الذي لا يجب أن يكون تقصيرا، بقدر ما يمثل قصورا، أو تفوقا لقوى الإرهاب، بالرغم من التقدم الذي تحقق، ولكنه بقي تقدما دون القدرة على منح الثقة للشعب في إمكان تحقق حلم الأمن، الذي أصبح يرضى به حتى في ظل ديكتاتورية، أجارنا الله من كل لون وكل درجة من درجاتها، فهذه الكارثة الأخيرة، إضافة إلى كل ما ذكر مدعاة لدرجة أكبر بكثير من الجدية والصدق والشجاعة والحس الوطني الغالب على كل الانتماءات الأخرى الطائفية والقومية والحزبية. أسيسمع السياسيون من داخل وخارج العملية السياسية؟

 

15/08/2007

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::