علي بابان بين حكمي الإعدام ضده من قبل أحمدي نژاد والعليان
لست بصدد تقييم قرار التوافق بسحب وزرائها من حكومة المالكي، ولا تقييم قرار علي بابان بالعودة مخالفا لكل من قراري قائمته وحزبه، ولا تقييم قرار الحزب بفصله. ففي كل من تلك المواقف ثمة «منافع للناس»، وثمة «إثم كبير»، أو ثمة «لمم» سياسي أو وطني. وقد يختلف المحللون في تثمين هذا الموقف أو ذاك، أو في نقده أو ربما إدانته، وقد لا يكون أي من الموقف السياسي من جهة، وتقييمه من جهة أخرى، خطأ بالمطلق أو صحيحا بالمطلق، فهكذا هو عالم السياسة، هو عالم النسبية، لأنه عالم الموازنة بين المصالح والمفاسد، وليس عالم الأحكام الثابتة. والموقف السياسي يكون صحيحا، بمقدار ما يحققه من نفع لقضايا الوطن، وبمقدار عدم تقديم مصلحة طائفية أو حزبية أو شخصية فيه. إذن سلامة الموقف متوقفة على سلامة المنطلقات فيما هي الأخلاق السياسية، ولا تقولوا ألا أخلاق للسياسة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى على مدى دراسة مردودات الموقف فيما هو الوعي السياسي، والقدرة على سلامة التشخيص، ليكون كل من سلامة المنطلق وسلامة التشخيص، هما اللذان يحددان صحة الموقف السياسي، وسلامة مردوداته الإيجابية لقضايا الوطن.
لكن هناك خطوط حمراء لا بد من الوقوف عندها، وهي تلك الخطوط التي يمثل تجاوزها تجاوزا على مبادئ الديمقراطية ومبادئ الوطنية، ومبادئ الدين. وهنا لا أستطيع أن أفسر تصعيد موقف الاختلاف مع صاحب موقف سياسي ما إلى مستوى إطلاق حكم الإعدام عليه.
فالوزير المنسحب ثم العائد ثم المفصول من حزبه علي بابان واجه حكمين بالإعدام صدرا ضده، تارة سوية مع بقية الوزراء المنسحبين، عندما أطلق أحمدي نژاد حكمه عليهم بتسميتهم بـ «المفسدين»، ذلك المصطلح القرآني الذي جعلته ثورة إيران (الإسلامية) من أدبياتها، والذي له دلالة قضائية، حيث يستحق المفسد في الأرض حكم الإعدام في إيران. ثم أصدر النائب القيادي عن التوافق خلف العليان حكمه بالإعدام ضد الوزير الذي خالف قرار قائمته عائدا لأداء مهامه الوزارية، ويبدو أن منطلقات الرجل سليمة، حتى لو افتـُرض خطأ موقفه من زاوية ما، وعبر خلف العليان عن إصدار حكم الإعدام ضد الوزير بابان بقوله إن عودته للوزارة هي بمثابة «الخيانة العظمى لله والوطن والمبادئ»، وهذه تهمة عودتنا الأنظمة التي ينتمي العليان إلى مدرستها السياسية أن حكمها الإعدام بكل تأكيد. فبهذه العقلية يتعامل سياسيونا.
ولا أدري هل صاحبا التصريحين الغريبين يعيان أبعاد مثل هذه التصريحات، أم إنهما يطلقان كلماتهما ارتجالا وبشكل عفوي من غير وعي الأبعاد الحقيقية لتلك المصطلحات، وطبعا تضاف سوءة إلى تصريح أحمدي نژاد كونها تمثل مخالفة لمبادئ العلاقات الدولية ولياقات الدبلوماسية بشكل صارخ، كما سبق وبينت وبين غيري ن الذين تناولوا الموضوع. في كلا الحالتين؛ سواء وعيا أبعاد هذه التصريحات، أو لم يعياها، فهي مرفوضة بأشد ما يكون الرفض، لأنهما في حال عدم وعيهما لأبعاد مثل هذه التصريحات، نقول أنهما لا يملكان الحد الأدنى من المعرفة السياسية. أما في حال وعيهما لأبعاد ما يقولان، فيمثل هذا النوع من التصريح جريمة سياسية بكل ما تعنيه الكلمة، لأننا لا نستبعد أنهما لو ملكا السلطة لنفذا حكم الإعدام بحق من أطلقا ضده من تصريح ما يختزن حكما بالإعدام على وفق ما تتبناه كل من مدرستيهما السياسية، وإن اختلفا.
وفي حال أن تصريح كل من العليان ونژاد صدرا من قبيل سبق لسان غير مقصود، فهنا لا بد من أن نقارن بين الوزير الفرنسي الذي صدرت منه زلة لسان، فقال ما لا يصح دبلوماسيا، فلم يتردد أن يستجيب لمطالبة المالكي بالاعتذار، وبين سياسيي شرقنا الإسلامي.
ولكننا سنتعلم ولو بعد قرن من الزمان، فالقرن عندنا كيوم مما يعدون.
14/09/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::