الحزبية .. ما لها وما عليها
ضياء الشكرجي
يكاد كل شيء في الوجود لا يخلو من أن يكون له وجهان، وجه تتجلى فيه محاسنه وإيجابياته، ووجه يعكس مساوئه وسلبياته. والإنسان وحده هو الذي يستطيع غالبا أن يبرز الوجه المشرق من ذلك الشيء أو يَدَعه يُسفر عن وجهه المظلم من خلال توجيه ذلك الشيء باتجاه نجد الخير أو باتجاه نجد الشر. وحتى ما هو حسن ومحبوب في أصله يستطيع الإنسان أن يضفي عليه من السلبيات والمساوئ ما يجعله يظهر بوجه دميم ومقيت، فالإسلام بكل عظمته وسمو ونقائه، يستطيع الأداء المنحرف جهلا أو ظلما أن يعرضه عرضا مقيتا منفـِّرا. والحزبية ليست بمستـثـناة من قانون ثـنائية الوجه. وهذه محاولة موجزة لتسليط الضوء على محاسن ومنافع الحزبية من جهة، وعلى مساوئها ومفاسدها من جهة أخرى، لكي نتعلم كيف نكتشف الإيجابيات فيها فنستثمرها وننميها، وكيف نكتشف السلبيات، فنتوقى منها إلم تكن موجودة، أو نستأصلها إن وجدت، وكما يعيننا ذلك على عدم تعميم الأحكام سلبا أو إيجابا على كل مصاديق التحزب، وكذلك عدم إطلاقها مصداق من المصاديق، فكل الأشياء نسبية إلا المطلق سبحانه وتعالى ومن شاء ان يعصمه فيما هو الكمال والحسن، وإلا صدام الذي يمثل مصداق الشر المحض الخالص الذي لم تشبه شائبة خير أبدا.
- الصنمية بحيث يتحول الحزب إلى غاية لذاته بدلا من ان يكون وسيلة تقود إلى الأهداف والغايات، فيتحول الحزب إلى صنم يعبد أو يكاد يعبد، أو يتحول الفرد الذي يمثل رمز أو قائد ذلك الحزب إلى صنم.
- العصبية ضد الآخر الفكري والسياسي من خلال شبهة احتكار الحق والصواب وضيق الصدر بالرأي الآخر.
- الاستعلائية بالشعور بأفضلية الحزبيين على باقي الناس لمجرد حزبيتهم دون الالتفات إلى سائر المعايير الأخرى من تقوى واستقامة ووعي وعلم وخبرة وانفتاح وموضوعية وتضحية وعطاء وإلى غير ذلك مما تقاس به الأفضلية أو الدونية.
- الانعزالية كنتيجة حتمية للعصبية والاستعلائية فيكون الحزب حالة منفصلة عن الجماهير منعزلة عنها.
- النخبوية بتثقيف الحزب لأفراده على ثقافة النخبوية المؤدية إلى الانعزالية والاستعلائية من خلال النظرة النازلة من فوق إلى أسفل – والمعاذ بالله - بالنسبة لمن هو خارج دائرة النخبوية أي الحزبية الخاصة.
- مصادرة أعمال الغير وتسجيلها لصالح رصيد الحزب.
- اللاموضوعية في تقييم الأعمال والمشاريع وحصر معيار التقييم فقط بمقدار ما تكون المشاريع للحزب أو لغيره.
- التخلف عن الأمة في الوعي أو المبادرة والاستغراق في ثقافة النخبة والتنظير الذي ينأى عن حركة الواقع.
- استعجال هدف النصر السياسي دون مراعاة المرحلية ودراسة ما يتحمله الواقع وما لا يتحمله، أو دراسة مدى استيفاء شروط الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
- المنافسة غير النزيهة وغير الأخلاقية والبعيدة عن شرائط التقوى وشرائط الديمقراطية على حد سواء، بممارسة التسقيط والحرب النفسية والإعلامية تجاه الآخر السياسي والفكري لغرض عزله ثم إقصائه عن الساحة السياسية والاجتماعية واحتكارها لصالح الحزب.
- التعامل مع كل آخر من موقع التآمر والكيد من جهة، وتفسير كل حركات الآخر وفقا لنظرية المؤامرة كذلك من جهة أخرى، أي الجمع بين سيئتين متلازمتين هما سوء السريرة في الفعل الصادر إلى الآخر، وسوء الظن في تلقي فعل الآخر.
- تنظيم الأعمال كما أوصى أمير المؤمنين بقوله (ع): «أوصيكم بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم»، ووفقا للقاعدة العقلائية القائلة برجحان العمل المنظم على العمل العفوي، والمخطط له على الارتجالي، والجماعي على الفردي منه.
- التنسيق في النشاطات بتوزيع المهام وجعل كل شخص في موقعه الصحيح، لكي لا تكون المشاريع مكررة، والجهود مبعثرة، واجتناب حالة وجود الأشخاص في غير مواقعهم المؤهلين أن ينبروا لها.
- وحدة الموقف ووحدة القرار، والتي لا تعني إلغاء الاجتهادات وتنوع الرؤى، وهنا وضعت الدعوة الإسلامية قاعدة «للداعية على الدعوة حق الرأي وللدعوة على الداعية حق القرار» من خلال ما أسمته بآلية النسغ الصاعد والنسغ النازل.
- تنضيج القرار بالاستفادة من آلية الشورى، باعتبار أن القرار الجماعي، وإن كان يحتمل الخطأ، ولكن احتمال قربه من الصواب أكبر حتما من القرار الفردي.
- مواجهة المخاطر على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية، وبشكل أكثر فاعلية من خلال التداول ووضع الخطط لذلك.
- التثقيف حزبيا على ما لا يمكن أحيانا طرحه على عامة الناس، اجتنابا للفتنة مثلا فيما قد لا يتحمل عامة الناس غير المطلعين على خفايا الأمور تلقي التوعية عليه في مرحلة ما.
- كون العمل في الأطر الحزبية يمثل مصداقا من مصاديق حمل الهم الاجتماعي العام وترجمة هذا الهم إلى فعل وأداء سياسي واجتماعي.
- المِران على العمل ضمن مجموعة من شأنه أن يربي على تجاوز الذات ليحل محل الـ «أنا» مفهوم الـ «نحن»، بشرط ألا تتحول هذه إلى «أنا» كبيرة نسبيا، من خلال انغلاقها على نفسها وعدم الانفتاح على «نحن» هنا و«نحن» هناك أو قل «أنتم» هنا و«هم» هنالك لتتشكل من كل ذلك «نحن» كبيرة تستوعب كل أبناء الوطن الذين ينفتحون بدورهم على الإنسانية كلها.
- الشفافية والوضوح من خلال عمل الأفراد ذوي القناعات المشتركة في الأفكار والأساليب، تحت لافتة تحمل اسمها وهويتها بوضوح، وتطرح برنامجا وأهدافها بوضوح، فتتعرف الجماهير على الناشطين في الحقل السياسي من ضمن ما تتعرف عليهم من خلال انتمائهم، بشرط ألا يتحول الانتماء إلى المعيار الوحيد لتقييم الفرد، بل هو معيار من المعايير، ولكن ذو ثـقل متميز بلا ريب، فالقاعدة القرآنية «ليسوا سواء» وكما القاعدة العقلائية في عدم جواز التعميم والإطلاق يحذراننا من حصر التقييم سلبا أو إيجابا في معيار الانتماء.
ولم يهمنا أن نعدد من حيث الكم - بقطع النظر عن النوع - عددا من إيجابيات وفوائد الأداء الحسن للحزبية مساويا لعدد السلبيات والأضرار للأداء السيء للحزبية أو زائدا عليه. وقد قدمنا المساوئ على المحاسن، لان سنن التغيير والتصحيح والإصلاح تفرض تقديم النظرية والأداء السيئين، فتنقدهما وتعطي مبررات رفضهما، ثم تقدم البديل، ومن هنا قررت نظرية التوحيد نفي الألوهية عن كل الآلهة أولا بعبارة «لا إلهَ (في الوجود كله قط) ...» ثم ثبتت البديل والاستـثـناء وهو الإقرار بألوهية واحدة موتورة منفردة حقة لا تشاركها ألوهية أخرى ذلك بقول «إلا الله».
ومن نافلة القول أنه لا يكاد حزب من الأحزاب إلا واشتمل على شيء من كل أو بعض ما ذكر من إيجابيات وسلبيات الحزبية والتحزب مما ذكر وما لم يذكر بمقدار أو آخر. ولكن هناك فرق بين أن تكون هذه أو تلك المظاهر تمثل حالة عامة تطبع الحزب وتستوعب كل أو جل مفرداته أفراده وأدائه، أم هي مجرد حالات مفردة متناثرة لم تقو على أن تتحول إلى الظاهرة العامة والسمة الغالبة للحزب سلبا أو إيجابا.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::