الأهداف الوطنية الاستراتيجية وسبل تحقيقها
إن لنا كعراقيين عموما وفيما يتعلق بقضيتنا الوطنية مجموعة أهداف استراتيجية تمثل ضرورة وطنية من جانب، ومن جانب آخر وفي نفس الوقت جامعا وطنيا. هذه الأهداف الاسترتيجية هي تحقيق عراق ديمقراطي فيدرالي مستقل في ظل الأمن والسلام والاستقرار. فكل شيء ما سوى ذلك إنما سيتحقق بتحقيق هذه الأهداف. ولا نظن أن هناك عراقيا ذا حس وطني ونهج عقلاني لا يرى ذلك من الثوابت والجوامع الوطنية. ولكن قد يجري الكلام في السبل المؤدية إلى هذه الأهداف، وفي ترتيبها في سلم الأولويات الزمنية بقطع النظر عن درجات أهمية كل منها. فالديمقراطية والاستقلال، أي الحرية من الداخل والحرية من الخارج ثابتان لا يختلف عليهما وطنيان، وهكذا بالنسبة للأمن والسلام، سلام الأطياف العراقية مع بعضها البعض، وسلامنا مع العالم. والإشكال الذي يرد دائما حول ما تحقق حتى الآن من دعوى التحول الديمقراطي، إنما يجاب عليه بكل بساطة، بأن المراحل التي قطعناها حتى الآن والتي نحن سائرون في تحقيق ما تبقى منها، تجري بشكل طبيعي في حركتها وسرعتها وتدرجها. ولذا فإن الاعتراض من خلال أنه لم يتحقق شيء من الموعود من التحول الديمقراطي سابق لأوانه فيما يتعلق بالمراحل المقبلة، فهو مجرد إشكال على افتراض عدم تحقق الموعود، أما فيما يتعلق بالمنجز، فقد أنجز الكثير من المراحل وضمن مراحلها الطبيعية، ثم إن المنجز هذا يصلح أن يكون دليلا على رجحان تحقق متبقي الموعود أو المطموح إليه والمخطط له. تبقى قضية الحرية من الخارج، أي تحرر العراق من الاحتلال واستكمال أشواط الاستقلال والسيادة الوطنية، فالكلام يجري لا في أصل الهدف، إذ إنه ثابت وطني، بل في سبل تحقق أو تحقيق هذا الطموح الوطني المشروع والضروري، والذي لا يمكن التفريط بأي قدر منه ضمن دائرة الممكن وباتجاه تحقيق أقصى الطموح. وعندما نقول إن الكلام إنما يجري في السبل والوسائل، يطرح نفسيهما أول خيارين من هذه السبل، هما سبيل القتال والمقاومة وتفجير الصراع مع قوى الاحتلال، أو سبيل الصراع السياسي بالحوار وممارسة شتى أنواع الضغوط السلمية بما في ذلك تعبئة الجماهير للدفع بعجلة أشواط الاستقلال وتحقيق السيادة الوطنية إلى مراحلها المتقدمة حتى استكمال كل أشواطها. ولذا فإن القوى السياسية الوطنية وبغالبيتها لا ترى في خيار القتال والمقاومة ما يسرع من أشواط هذه العملية، بل لعله يشكل عقبة كبرى في الطريق، في طريق كل من الاستقلال والديمقراطية والسلام، إضافة إلى أننا لا نجد من المبررات المعقولة ما يجعلنا نتحول إلى خيار القتال، بالرغم من أن الحركة الإسلامية بشكل خاص ولا سيما الدعوة الإسلامية عرفت بتاريخها الحافل بالجهاد والتضحية والاستشهاد من أجل الأهداف الوطنية والإسلامية. من هنا رأينا أن الأحزاب الإسلامية ولا سيما حزب الدعوة الإسلامية كانت سباقة في بذل أقصى الجهود للوساطة بين الأطراف المتقاتلة، ومن أجل تطويق التصعيد الذي حصل في الأيام الأخيرة، والذي كلف الكثير من الدماء والأنفس. آملين من القوى والتيارات التي اختارت خيار القتال في النجف والفلوجة وغيرهما أن تعيد النظر في خيارها وتلتحق بالخيار الوطني المجمع عليه، وكما نطالب قوات الاحتلال أن تراجع نفسها جيدا في مساهمتها ذات الثقل الأكبر في تصعيد المواجهة وفي تعريض الأبرياء من سكان مناطق المقاومة ممن لم تكن لهم أية مساهمة سوى قدر سكناهم في تلك المناطق، مما عرض الأطفال والنساء وعموم المدنيين غير المساهمين إلى القتل الذي كان يمكن اجتنابه بسلوك الحكمة بدرجة أكبر واستشعار المسؤولية، فإن قوى الاحتلال لا بد أن تتحمل مسؤوليتها في حفظ أمن وسلامة رعايا البلد المحتل ولا تلجأ إلى التصعيد ما زال في الإمكان حل الأزمات بسبل أخرى وبتضحيات أقل. وفي كل الأحوال نجد في المبادرات التي قامت بها عدة أحزاب إسلامية وهيئات علمائية ومرجعيات في تهدئة الوضع، ومؤشرات استجابة الأطراف المعنية إلى حد ما ما يعطينا الأمل من جديد لاستتباب الأمن لكي تأخذ الأدوات والآليات السلمية السياسية دورها الطبيعي في استكمال أشواط تحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية، والتي لا يمكن أن تتم فقط على أيدي القوى السياسية، بل لا بد أن تكون للجماهير حصتها، سلبا وإيجابا، ونعني بالسلب هو لجوء الجماهير إلى الهدوء ما زال الهدوء يسرع من العملية الوطنية عموما، دون أن يكون الهدوء من موقع اللامبالاة، وبالإيجاب هو أن تتحرك الجماهير دائما لتعضد النشاط السياسي وتعلن عن مطالبها المشروعة وتعترض بطريقة سلمية حضارية على ما ترى من حقها أن تعترض عليه، مع تكوين وعي معمق لديها متى وكيف وبأية درجة تعترض على كل من المفردات التي تحتاج إلى اعتراض أو مطالبة أو دعوة تصحيح ومراجعة، ومع هذا فإننا نحترم إرادة جماهيرنا في كل الأحوال وليست لنا عليها وصاية إلا النصح من موقع التجربة السياسية والجهادية الطويلة.
2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::