ما تفتقت عنه عبقرية كل من المالكي والبرزاني
يؤسفني أني أراني مضطرا لاختيار عنوان يشتمل على لغة تهكمية، ينبغي للغة السياسي أن تنأى عنها في الحالات الطبيعية. لأن الرئيسين، رئيس الوزراء الاتحادي ورئيس الإقليم الكردستاني يضطران المرء أن يختار هذه اللغة بابتعادهما عن الخطاب السياسي المسؤول والمتوازن.
فقد طالعنا اليوم تصريحان مستغرَبان من قبل رئيس وزرائنا ورئيس إقليم كردستان، فالمالكي يريد إطلاع دول الجوار على الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة، والبرزاني يدعو أمريكا لإقامة قواعد عسكرية أمريكية في إقليم كردستان. لعل الثاني هو الذي أثار القدر الأكبر من الضجة وانطلاق أصوات الاستنكار والاستغراب، لاسيما في أوساط مجلس النواب، ولكن التصريح الأول ليس بأقل غرابة في تقديري.
بالنسبة لتصريح المالكي فهو في غاية الغرابة، فهو يقر لدول الجوار بمزاولة الوصاية على العراق، هذه الوصاية التي هي تشريع للتدخل في الشأن الداخلي، وللمس بالسيادة الوطنية التي يتباكى عليها المعترضون على توقيع الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية. وقد كتبت في 23/10/2008 مقالتي بعنوان (الاتفاقية الأمنية وتعدد مراكز القرار)، حيث ذكرت أننا نجد أمامنا مراكز القرار الآتية:
1.
رئيس الوزراء2.
مجلس الرئاسة3.
المجلس الرباعي (1 + 3)4.
مجلس الوزراء5.
مجالس الرئاسات الثلاث6.
المجلس السياسي للأمن الوطني7.
الإدارة الأمريكية8.
إيرا ن (خامنئي، أحمدي نژاد، قاسم سليماني)9.
مرجعية السيد السيستاني10.
الشعب العراقيواليوم يؤكد المالكي شرعية التدخل الإيراني والسوري في الشأن العراقي، لأنه يرى أن من اللازم أن تكون لدول الجوار كلمة فيما يتعلق الأمر في الاتفاقية الأمنية، وكأن ليس من مبررات الحاجة للاتفاقية هو وجوب حماية العراق من تهديد دول الجوار العراقي، لاسيما الجوار الشرقي والغربي لأمن وديمقراطية العراق، اللذين وصفتهما في مقالتي مخاطبا الأمريكان (حددتم موعد قدومكم للعراق فدعونا نحدد موعد مغادرتكم) في 9/9/2008 بأنهما ما زالا أمنا قلقا وديمقراطية قلقة. فإلى متى ستبقى المؤسسة الدينية، وتبقى إيران، وتبقى مراكز القرار غير الدستورية، هي التي تتخذ القرارات في القضايا الساخنة والمفصلية والمصيرية للعراق؟
ولا أدري كيف يمكن لرئيس وزراء أن يطلق كلمات وتصريحات غير محسوبة، كما عبر قبل أيام عن رأيه في أهم منبر للإعلام والتواصل والمعلومات، الذي تطل منه السياسة والفكر والفن على العالم، والذي فيه الغث والسمين، السطحي والعميق، الضار والنافع، ألا هو منبر الإنترنت، في إطار إطلاق حكم عام مطلق، على أنه «مَكَبّ نفايات» أي «مزبلة» وليس «مكتب نفايات» كما ذكر سهوا بشكل متكرر بمقالة قيمة لأحد ألمع الكتاب بهذا الصدد.
أما دعوة رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني الأمريكان لإقامة قواعد لهم في كردستان العراق، فلعلنا نجد لها المبررات، بسبب عرقلة كل من إيران والمجلس الأعلى، ومعه التيار الصدري والبعثيون، لتوقيع الاتفاقية الأمنية، فهي أي هذه الدعوة تفتقد للأرضية الدستورية، وذلك بسبب عدم تمييز سياسيينا في كثير من الأحيان بين دورهم كسياسييين لهم موقع رسمي في الدولة تترتب عليه التزامات دستورية ولياقات في الخطاب السياسي، وبين كونهم مواطنين لهم الحق في التعبير عن آرائهم السياسية مهما كانت مألوفة أو غريبة. ولست بصدد قبول أو رفض فكرة تواجد قواعد عسكرية أمريكية في العراق، سواء في كردستان أو في مكان آخر، بقدر ما يشتمل على غرابة هكذا تصريح من مسؤول بهذا الموقع الرسمي المهم، وبشكل يفاجئ به بقية القوى السياسية، الحكومية والبرلمانية وغيرها.
لا ندري بماذا سيخرج علينا سياسيونا غدا. ربما يحتاج سياسيونا إلى دورات تأهيل، لا أدري، ولكن لو اقتصرت الأمور على هذا الحد لرضينا، لكننا عندما نجد سياسيين كبارا ومؤثرين في مواقع خطيرة في الدولة من وزراء وما فوق وزراء ووكلاء وزراء وزعماء أحزاب وكتل برلمانية وأخرى ىسياسية، عندما نراهم مسؤولين عن أعمال العنف والقتل تارة، ومكرسين للطائفية السياسية وتسييس الدين والمرجعية أخرى، ومتورطين في الفساد الإداري والمالي وارتكاب أشنع ألوان السرقة ثالثة، نقول، أهذا الذي كان يستحقه العراقيون بعد طول انتظار للخلاص من الديكتاتورية؟ وهل من ثمة خلاص عبر الانتخابات البرلمانية القادمة؟
01/11/2008
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::