طعنة برلمانية في خاصرة الديمقراطية

من أهم أسس النظم الديمقراطية هو أساس حماية الأقليات الدينية والإثنية، لاسيما حمايتها من تذويب هويتها في هويات المكونات الكبيرة نسبيا، ذلك على مستوى عموم الدولة، إذا كانت دولة ديمقراطية ذات نظام إدارة مركزية، أو على أحد الصعيدين الاتحادي أو الإقليمي أو كلاهما في حال الدول الفيدرالية، أو ذات النظم اللامركزية على أي نحو كان.

ففي الوقت الذي نؤكد فيه أن النظام الديمقراطي في ظل دولة مدنية لا يكون كذلك، ما لم يكن هناك قانونان للأحزاب وللانتخبات يحولان دون نشوء أحزاب تقوم على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي، نجد في نفس الوقت ومن غير أن يعد ذلك تناقضا أن من أسس الدولة الدستورية المؤمنة والملتزمة بمبادئ حقوق الإنسان، والتي من لوازمها حماية حقوق الأقليات، أن يجري استثناء من القاعدة التي ذكرناها في منع الأحزاب القومية والدينية بالنسبة للأقليات، وذلك إذا كان الاستثناء يمثل الوسيلة الوحيدة لحماية الأقليات من تذويب هويتها، دينية كانت أو مذهبية أو ثقافية أو قومية.

ومن هنا نرى أن مجلس النواب قد نقض جوهر الديمقراطية عندما سن قانونا للانتخابات المحلية بتجاهل حقوق الأقليات الدينية في العراق خدمة للكبار الذين يريدون أن يبتلعوا الصغار وهم يدعون الالتزام بأسس الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان وقواعد المواطنة.

فبالله عليكم كيف يمكن أن يفسر قرار مجلس النواب بإلغاء مادة من قانون انتخابات مجالس المحافظات الذي أقره مجلس النواب نفسه الأسبوع الماضي كانت تضمن حصة للأقليات في مجالس المحافظات؟ فهل من المعقول أن برلمانا منتخبا انتخابا ديمقراطيا يفترض به أنه يمثل الشعب ديمقراطيا في دولة تنص المادة الأولى من دستورها أنها «دولة ... نظام الحكم فيها ... ديمقراطي»، أن هذا البرلمان يشرع قانونا يطعن به جوهر الديمقراطية وروحها.

هل هي ديمقراطية ابتلاع الكبار للصغار؟

هل هي ديمقراطية المساومات بين الماردين الشيعي والكردي على حساب مواطنينا وإخواننا من أتباع الديانات والأعراق الأخرى ممن عاشوا في وادي الرافدين حتى قبل العرب والكرد والمسلمين؟

فإذا كانت دعوة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري في بيان له لمسيحيي العراق إلى تنظيم التظاهرات الاحتجاجية في كافة مناطق تواجدهم، احتجاجا على هذا الحذف الجائر، فإني لأتمنى أن يصطف إلى جانب إخواننا أبناء القومية الكلدوآشورية وأبناء الديانة المسيحية أبناء سائر القوميات والديانات، لاسيما أبناء القوميتين العربية والكردية وأبناء الديانة الإسلامية، ديانة الأكثرية ليتظاهروا مع إخوانهم المسيحيين معلنين تعاطفهم وتضامنهم مع إخوة المواطنة وإخوة الإنسانية على حد سواء، من أجل أن نقول لأعضاء مجلس النواب المؤتمرين بأوامر قياداتهم السياسية المساومة على حقوق أبناء شعبنا، بدلا من الائتمار بالضمير الوطني والإنساني، أننا إذ انتخباكم، إنما ائتمناكم على قيم الدستور الذي صوتنا له، ألا هي قيم ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بالمواطنة.

ولذا فإن ديمقراطيي العراق ووطنيي العراق وإنسانيي العراق مطالبون اليوم جميعا بالوقوف موقف التعاطف والمعاضدة والنصرة وبكل قوة وبكل إصرار مع إخواننا المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين والشبك والفيلية وغيرهم من الأقليات المهددة بالابتلاع من قبل الحيتان العنصرية والطائفية الكبيرة. كما إن المنظمة الدولية مطالبة بالنهوض بمسؤوليتها في حماية أبناء الأقليات الصغيرة في أعدادها، ولكن الكبيرة في مكانتها في قلوبنا.

29/09/2008

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::