حب (القائد السياسي لـ) الدنيا راس كل خطيئة

«حب الدنيا رأس كل خطيئة» هذا الحديث النبوي إذا ما فهم وطبق فهما صحيحا، سنجده يؤسس لمبدأ أساسي في الحياة، لاسيما في عالم السياسة وعالم المال. والحديث يدور حول مفهوم الزهد، الذي أسيء فهمه وتطبيقه إفراطا أو تفريطا، والذي جاءت مقولة أن «الزهد ليس ألا تملك شيئا، بل ألا يملكك شيء» مصححا لسوء الفهم باتجاه الإفراط، وهكذا جاء النص القرآني «قل من حرم زينة الله التي أخرج للعباد والطيبات من الرزق» بمثابة تصحيح ما يمكن أن يحصل من سوء فهم باتجاه التوازن والاعتدال كأساس مهم في معظم مناحي الحياة، تختصره العبارة النبوية «خير الأمور أوسطها». حب الحياة وحب النفس وحب المال وحب النجاح وحب المتع والملذات وحب الجمال وحب الكثير من مفردات ما ينضوي في حال اختلال التوازن تحت عنوان (حب الدنيا)، هو أمر طبيعي يمثل الميل الفطري للإنسان، وليس فيه ما يدان عليه الإنسان، ولكن المشكلة تكون عندما يستغرق الإنسان في كل ذلك، غافلا عن دوره في بناء الحياة لنفسه وللآخرين، وعن رسالته الاجتماعية والإنسانية، متجاوزا على حقوق وحريات وأملاك وكرامات الآخرين، من أجل تحقيق المزيد والمزيد من تطلعاته الأنانية، فيكون حاله حال من مثله الإمام جعفر الصادق بالعطشان وسط البحر، الذي كلما ازداد شربا ازداد عطشا. إذن العيب ليس في حب الإنسان للحياة وما فيها، بل في المبالغة في الاستغراق في ذلك والتحول إلى الأنانية والاستئثار والتجاوز على دنيا الآخرين.

وهذا الداء إذا ما استفحل يكون خطره فادحا على المجتمع بحسب موقع الإنسان المصاب بذلك الداء، وما يعكسه من تأثير أفقي وعمودي، أي سعة وعمقا. ولذا فهناك مواقع لها تأثير متميز بهذا الاتجاه، وأهمها الموقع السياسي، والموقع الديني، والموقع المالي، فإذا ما كان رجل السياسة ورجل الدولة، وإذا ما كان رجل الدين، وإذا ما كان صاحب رأس المال والماسك بمفاصل الحياة الاقتصادية، هم المصابين بهذا الداء، فستحل الكارثة على المجتمع. وفي بعض الأحيان عندما يجتمع دوران من الأدوار الثلاثة المذكورة (السياسة، الدين، المال) في شخص واحد، أو إذا ما اجتمعت العناصر الثلاثة كلها في شخص، ستكون التأثيرات السلبية أشد وأفتك.

هنا أذكّر بمقولة للشهيد محمد باقر الصدر في محاضرته الأخيرة على طلبته بعنوان (حب الله وحب الدنيا)، حيث يذكر فيها مخاطبا طلبته بأن هناك من يلعن هارون الرشيد، لأنه سجن موسى الكاظم، وهو أي الخليفة هارون الرشيد القائل مخاطبا السحابة في السماء: أينما مطرتِ فخراجكِ لي، ثم يتساءل الصدر أنه يا ترى لو ملك أحدنا دنيا هارون الرشيد، أما كان سيسجن موسى بن جعفر؟ أذكر هذا دون تقييم ذلك الحدث التاريخي والتحقيق فيه، بل أكتفي بنقل كلام الصدر بهذا الصدد، لنأخذ العبرة والحكمة منه دون الخوض في التاريخ، فكفانا حاضرنا.

نجد اليوم إن من أهم عوامل أزمتنا السياسية في عهدنا الجديد هو وجود أزمة أخلاق دون التقليل من أزمة الكفاءات، ولكن أزمة الأخلاق هي الأشد تأثيرا على مسار الأداء السياسي العراقي، هذه الأزمة التي نستطيع أن ننعتها بداء حب الدنيا المتمثل عند الكثير من سياسيينا بحب السلطة وحب المال، فالسلطة لم تعد وسيلة لخدمة الشعب ورعاية مصالحه وتحقيق تطلعاته وحل مشاكله وتخليصه من أزماته، بل غدت عند معظم سياسيينا غاية ووسيلة، غاية لذاتها من موقع حب السلطة أحد أخطر مصاديق حب الدنيا، ووسيلة للإثراء الفاحش وغير المشروع من موقع حب المال المصداق الخطير الآخر، وهذا ما يعرف بالفساد المالي، أو للنقل السرقة بلا حياء. وهناك من أضاف علاوة على حب السلطة وحب المال، كذلك حب العلاقات الجنسية، فالسياسة والمناصب فتحت الباب على مصراعيه أمام السياسيين نحو السلطة، والجاه، والشهرة، والملايين، والنساء. طبعا كل هذا من غير تعميم وإطلاق، ولكن مع هذا نستطيع أن ندعي أن ما ذكرناه يمثل ظاهرة منتشرة بين معظم السياسيين، لاسيما القياديين.

فهل من (صحوة) ضمير؟

هل من تذكّر لمحنة الإنسان العراقي الذي ما زال يعاني بعد خمس سنوات من افتقاده للكهرباء والماء وأبسط الخدمات؟

22/08/2008

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::